المقالات
منوعات
علي قاقارين وعبرات الوفاء. . .
علي قاقارين وعبرات الوفاء. . .
07-12-2015 03:08 AM

image

أقرب إلى القلب:

(1)
كنتُ من بين أصدقاء فريق "الهلال" في سبعينات القرن الماضي، فشهدنا ذلك الفتى الأمدرماني، يذرع الملاعب طولا وعرضاً، ينطلق وبعد أن يقرأ أحوالها، فيطيح بمحابس الدفاعات عند أرض خصومه، ليدلف رمحاً كاسحاً فيسجل هدفاً بين عراضتين ذاهلتين، فتهتز الجماهير طرباً وإعجاباً. كان يرسل بصره إلى أبعد مما عند الخصم في الساحات الخضراء من مكامن ومن مطبات، فيعرف متى يخترق ببدنه الرياضي، ومتى يهادن بقدميه الساحرتين، تلك المستديرة المخادعة، فلا تفارقه إلا إلى المرمى هدفاً وثيقا.
علي قاقارين. . .
(2)
هل أكتب لك عزيزي القاريء، عن نجم في الرياضة في السودان، والسودان هو في إقليمه أول من ابتدر وأسس في خمسينات القرن الماضي، ركائز منظومة الاتحاد الأفريقي لكرة القدم. كان دكتور حليم ود. شداد هم نجوم القيادة الأبرز في ساحات الكرة الأفريقية لسنوات طوال. أكتب لك عزيزي القاريء، وقد شهدنا بأمهات عيوننا، طرفاً من ذلك الزمان الذي سخا بإبداعاته شرقا وغرباً، برغم سحابات الحرب الباردة الثقال، فكان لزاماً على الرياضة في سنوات الانفعالات السياسية، أن تكون أداة نافعة لحراك يسدّ الفجوات ويرمّم الفتوق.
عبر ذلك الحراك يتحقق التآخي، وتترسّخ قيّم التواصل بين شعوبٍ، فرّقت بينها اختلالات التعاون بين البلدان، ومشاغبات الحرب الباردة وتداعيات أحوالها المضطربة. لعب لسودان المستقل دوره المرغوب فور استقلاله، ليكون مشعلاً للشعوب الأفريقية المتطلعة لتحقيق ذاتها، ونيل استقلالها وإثبات سهمها في الساحات الدولية. في تلك السنوات الأولى، شهد السودانيون في ملاعبهم على تواضعها، رموزاً عالمية شامخة في كرة القدم. رأى السودانيون المجري "بوشكاش"، ساحر الكرة يقاتل بقدميه الساحرتين في ميدان دار الرياضة الترابي بأم درمان. في السبعينات من القرن الماضي، زار الخرطوم أيقونة الرياضة وأفضل لاعب كرة عرفه العالم: "بيليه". عرفنا "استاروستا" فقيه التدريب الكروي القادم من شرق أوروبا، على ما أذكر، لا يبخل بمقدراته ليشي الكرة السودانية بلون أوروبي، مازج فنونها بالقوة التي عرفتها الكرة الأفريقية، فكانت “فوتبول" السودان هجيناً مُميزاً، عرفت تفرده فرق القارة كلها . .
(3)
لو نظرت في قوانين السلك الدبلوماسي وما تواضع عليها الساسة والدبلوماسيون في أعقاب الحرب العالمية الثانية من لوائح منظمة، فإن تلك القوانين واللوائح، قد عالجت بنظر أشمل ووضعت أسساً لعلاقات بين البلدان والدول، جلها يقف على الجانب "الرسمي" في هذه العلاقات. لم يكن في القوانين تلك، من إشارات لدبلوماسية إضافية، يمكن أن تنشأ بين الشعوب والبلدان، بعيداً عن العلاقات الدبلوماسية الرسمية. ستجد قوانين الدبلوماسية الملزمة دولياً، تحجر على الدبلوماسي الانخراط في النشاط التجاري أو الاقتصادي مما لا يتسق ونبل دوره في تمثيل بلاده عند الآخرين. لكن أفلح موهوبون في تاريخ الممارسة الدبلوماسية، لكسر ذلك الجدار الذي يفصل بين الرسمي المقيد بالقوانين واللوائح، والشعبي المنفتح بلا قيود على الآخر المختلف. الدبلوماسيون والسفراء الشعراء منهم، عبروا بإبداعهم لإثبات جدارة الشعر في الالتقاء بالدبلوماسية ونبل أهدافها، عرفنا الشاعر السفير الفينزويلي "بابلو نيرودا"، مثلما عرفنا السفير المكسيكي "انطونيو باز". . وأيضا نزار قباني. وفي السودان عرفنا جلّ سفرائه شعراء وعلى قدر كبير من التميز والإبداع الحق في المجالين الدبلوماسي والإبداعي.

(4)
في مجال الرياضة وكرة القدم تحديدأ، لم تعرف الملاعب دبلوماسياً رياضياً، مارس بالفعل لا بالقول، ريادة في الدبلوماسية الرياضية، سوى "علي قاقارين"!
حين بعثت به الخارجية السودانية دبلوماسياً ليعمل في سفارة السودان في ساحل العاج، كانت شهرته الرياضية قد طبقت الأفاق وسبقته إلى الناس هناك. تحيّرت وزارة الخارجية السودانية في سنوات السبعينات تلك، في أن ترى في ممارسة أحد دبلوماسييها النابهين: "علي قاقارين" رياضة كرة القدم في ساحل العاج -هواية أو احترافاً-مما يمكن أن تجيزه لوائحها، أو تسنده القوانين واللوائح الدبلوماسية التقليدية. .
وضع ملف "علي قاقارين" أمام وزير الخارجية آنذاك، ليبت في امكانية أن "يلعب" "علي قاقارين" ويمارس هوايته في ساحل العاج، وهم من طلبوه هناك قبل أن يطلبهم هو. ليس في اللوائح إلا ما يحجر على الدبلوماسي العمل التجاري وأي عمل يحقق له كسباً مادياً. فكان ذلك مدخل وزارة الخارجية في السماح لـ"علي قاقارين" استثناءاً ليمارس هوايته، مع ضرورة النأي بنفسه عن أي مكسب تجاري أو مالي محتمل. في تلكم السنوات، كان الحديث عن الدبلوماسية الشعبية، نوعا من الهرطقة الأكاديمية، لا يفسح لها مكاناً وفق اللوائح التي تنظم العمل الدبلوماسي بين الدول.
(5)
لقد قدم صديقنا "علي قاقارين"، والذي كان أحد أبطال السودان الكبار الذين حققوا للسودان بطولة الأمم الأفريقية في كرة القدم في عام 1970، فتحاً لدبلوماسية فاعلة أسهم عبرها برفع اسم بلاده السودان في طبق من ذهب في الملاعب الخضراء في ساحل العاج، فعرف الناس السودان. قدم الرجل تعريفاً بمكان السودان في الذاكرة الأفريقية، وقد كان مثلاً اعتمده المستعمر الكولونيالي، ومرجعاً يعتد به، قبل منح الكثير من البلدان الأفريقية استقلالها أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي. عرف الناس هناك، دورا متفرداً للسودان بعمقه العربي والأفريقي، كما عرفوا ريادته في تأسيس أول اتحادٍ لكرة القدم الأفريقية.
(6)
لعلي لن أفرغ من كتابتي هنا، إمّا اشرت إلى ذلك البرنامج الذكي الذي أنجزته رئاسة الجمهورية في التواصل والاحتفاء بالرموز الفاعلة في القطاعات الإبداعية المؤثرة، في الساحات السودانية، خلال شهر رمضان الكريم. كان حظ الرياضة والدبلوماسية الفاعلة، أن يكون "علي قاقارين" هو نجم ذلك البرنامج، وخاتمة المكرمين في أواخر الشهر الكريم. لقد كنت أتوقع أن يفسح معدوا ذلك البرنامج مساحة لسفير من زملاء ورفاق علي في مهامه الدبلوماسية أن يقول كلمة وفاء لرجل كان نجماً ومبادراً في دبلوماسية وزارة الخارجية، غير أن ذلك لا يقدح من حسن الترتيب وهدف الوفاء لصديقنا "علي قاقارين"، فكفانا "ود الشيخ"، الرياضي والمعلم والبرلماني حين أشار إلى ذلك الترابط بين الدبلوماسية والرياضة. .
لقد لمستْ تلك المبادرة مشاعر عارمة من حسن الوفاء لمن قدم وأجزل من عطائه الشخصي، لرفعة بلاده في الساحات العربية والأفريقية، سفيراً ورياضياً فذا، ومثلاً غير مسبوق في فعالية الرياضة وسهمها في ترسيخ دبلوماسية مبتكرة، لم تفطن إليها قوانين ولوائح العمل الدبلوماسي منذ صياغتها واعتمادها في ستينات القرن الماضي. لقد خنقت العبرات صديقنا "علي قاقارين" لمّا أحاطت به عبارات التقريظ ونبل المشاعر الصادقة، من جميع من اعتلى المنصة يحدثون عنه، فأشار في كلمته المؤثرة، إلى أن التكريم الذي ناله هو تكريم لكل أبناء جيله الذين رافقوا بذله وعطاءه.
لن أختم حديثي قبل أن أشير إلى السيدة "تهاني محمد سعيد"، تلك المرأة السودانية بكل شموخها ووثوق خطوها، فقد كانت الزوجة والسند، وكانت الرهان على نجاح دبلوماسية صديقنا د.حيدر حسن حاج الصديق: "علي قاقارين". .
+++++

الخرطوم- يوليو- 2015

[email protected]


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2964

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1303104 [على]
0.00/5 (0 صوت)

07-13-2015 06:34 PM
ياسعادة السفير نيرودا من التشيلى وليس فنزويلا ولاتنسوا حلايب سودانية

[على]

#1302672 [عصمتووف]
0.00/5 (0 صوت)

07-12-2015 10:45 PM
تحيتي له اين هو حاليا الرمح الملتهب و قاقا

[عصمتووف]

#1302217 [عودة ديجانقو]
0.00/5 (0 صوت)

07-12-2015 09:28 AM
الأديب والدبلوماسى الراقى جَمَال مُحمّد إبراهيْم لقد مرت مياه كثيره تحت الجسر حين إلتقيتك اول مره بمنزل دفعة الدراسه ظابط جوازات السفاره بالرياض محمد عبدالمولى ... لا أبالغ إن قلت أنت والدكتور حيدر الاثنين نجوم خارجيتنا التى يحزننى ان اقول بدأ بريقها يأفل وليس لدى ادنى شك سيعود يوما ما أقوى بعد زوال المؤثر طالما ركائزها موجوده.

بالمناسبه نعم المدرب الفذ جورج أستاروستا من دولة يوغوسلافيا

لك تحياتى من البعد

[عودة ديجانقو]

#1302198 [سيف الدين خواجة]
0.00/5 (0 صوت)

07-12-2015 08:44 AM
مثلك كما العهد خنقتني العبرات فيما تكتب للصديق علي الذي عرفته بعد ان فارق الملاعب وقد حملته لاعبا علي الاعناق في شقاوة امدرمانية باذخة اهدانا اياها نظام التعليم القديم الذي نفذ مبدأ قرانيا (يا ايها الناس انا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) هذا هو المدماك الاول في بناء العلاقات في وطن قبلي انظر كيف كانت نظرة سابقه فتهاجنا من خلال مسيرة التعليم فعرفنا بعضنا (الدنقلاوي ، المحسي ، الحلفوي ، الشايقي الجعلي الي قرورة في الشرق والي الجنينة وسودري وام بادر (الناصر قريب الله ) والدلنج الي الجنوب كنا بوتقه واحدة هكذا حين تختم دراستك تجد نفسك معطرا بعطر السودان القومي نفسا وخلقا وكانك خريطته (قبل البواسير ) هذا النظام اهدانا امدرمان في مرلاحلتين فصرنا نشتاق ام در وعودة ، مكتبة الحرية ، قهوة يوسف الفكي ،العدني ، السينما ، زهو المرطبات علي تلك الايام السينما كثقافة وليست هيافة ولا قيافه ..حتي اتانا الريح العقيم فجعلنا اكالرميم لشعب حياته حيوية وانفتاح جاءوا بالدين وهدموا اول اركانه علم الاجتماع فيه (التعارف ) وهم قد تربوا علي ذلك فكان العقوق من كل ناحية ...والحديث ذو شجون في هذا الباب علي يستحق ان تكتب عنه المجلدات واولها كلمة انيقه من شاعر ودبلوماسي في مقامك لك الود وكل عام وانت بخير

[سيف الدين خواجة]

ردود على سيف الدين خواجة
European Union [المكي] 07-12-2015 04:33 PM
لكنه الان ضابط بجهاز الأمن يتجسس على السودانيين!


#1302180 [المكي]
5.00/5 (1 صوت)

07-12-2015 07:52 AM
مشكلته في آخره عمره طبزها و أصبح علي قاقرين ضابط بجهاز أمن الاسلامويين.

[المكي]

ردود على المكي
[سيد السودانى] 07-13-2015 11:06 AM
نرجو من الاخ الدكتور على قاقرين ان يؤكد او ينفى هذا الكلاام


جَمَال مُحمّد إبراهيْم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة