المقالات
منوعات
في البناء الفني لرواية (قونقليز) لهشام آدم
في البناء الفني لرواية (قونقليز) لهشام آدم
07-13-2015 04:12 PM



(قونقليز) هي الرواية الحائزة على جائزة الطيب صالح للرواية عام 2010 التي ينظمها مركز عبد الكريم ميرغني بأُم درمان، وكاتبها هو الروائي الشاب هشام آدم الذي يقيم حالياً في العاصمة البلجيكية بروكسل. كتب هشام عدد من الروايات منها (أرتكاكا، السيدة الأولى، بتروفوبيا، أرض الميت)، ويشير ذلك الى أن كاتبنا ينتج بصورة مستمرة الأمر الذي أوصله يقينا الى التمكن من أدواته أكثر فأكثر والى مراكمة خبرة سردية كبيرة والدليل على ذلك فوز روايته الأخيرة (كاجومي) بالمركز الثاني في جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي دورة 2015 والتي تنظمها شركة زين السودان.
تقع رواية (قونقليز) في حوالي أربع وثمانين صفحة من القطع المتوسط وقسّمها كاتبها الى ستة فصول. تحكي الرواية قصة شرف الدين عبد الرحيم بابو الذي يتوهم عالم خيالي غير موجود في العالم الواقعي بسبب مرض نفسي أصابه، لكن يبقي معرفة سبب جنونه أمر مُربك للقارئ الذي يتساءل هل أصاب شرف الدين الجنون عقب اعتقاله من قبل الأجهزة الأمنية لتواجده أثناء مظاهرة طلابية بكلية الفنون وتعرضه للتعذيب والاغتصاب وعند استجوابه من قبل رجال الامن يدّعي أن اسمه حسن البلولة، لتتشخص بعد جنونه هذه الشخصية المدعاة وتصبح جزءاً من عالمه المتوهم الذي يتحرك فيه أم أن سبب جنونه هو قسوة والده الشديدة عليه بمبرر صنع رجل منه أم الأثنان معاً؟
تبدأ الرواية بعودة شرف الدين الى قرية العيكورة بعد غياب دام تسعة أعوام في الخرطوم لتأدية العزاء في وفاة والدته. وتكون هذه العودة دافعا له لارتياد عوالمه القديمة واستدعاء ما أرتبط بها من ذكريات. يكتشف القارئ في اخر الرواية أن شرف الدين يعيش في عالم تخيله وأن أحداث الرواية هي أحداث داخلية تخالف الواقع وتقع في أعماق نفسه وكثير من هذه الأحداث عبارة عن رغبات لا واعية تبحث عن إشباع فتصطدم برقابة الوعي/الاخر.
يمكن أن تصنف رواية (قونقليز) من ضمن تيار الرواية النفسية الاجتماعية، فقد قام الكاتب بتقديم الاحداث ليس استناداً على تراتبها وتسلسلها الزمني، بل قدمها كما تتداعى بصورة حرة في ذهن الشخصية الرئيسة، لذا فقد حول الروائي عملية السرد من تقصي لحوادث تتابع زمنياً الى وصف لمشاعر تنبثق من داخل نفس البطل وتتقاطع في الماضي والحاضر. وناقش الكاتب في الرواية عدد من الثيمات الاجتماعية كالتسلط والمثلية الجنسية والرياء الاجتماعي وجدلية الأنا والأخر. كما يمكن القول كذلك إن رواية (قونقليز) تقع على تخوم رواية تيار الوعي بما أفسحته أمام شخصية شرف الدين لتبرز تجربتها الداخلية الفردية، كما نقلت الرواية ذكرياته واحاسيسه وفانتازياته. وقدّم كاتب الرواية مدركات شخصيته الرئيسة وأفكارها في شكلها العشوائي دون وضع فواصل بين ما هو خيالي وما هو واقعي. كما استخدم الكاتب تقنية الأسلوب غير المباشر الحر في تقديم الوعي الفردي لشخصيته وذلك عن طريق استخدام الراوي لضمير الغائب.
استخدم الراوي تقنية ضمير الغائب المتعدد في السرد، وهي تقنية اتاحت للراوي حرية كبيرة في تغطية مجموعة كبيرة من المشاهد التي كان سيصعب عليه تغطيتها لو قام مثلاً باستخدام ضمير المتكلم الذي سيحصره حتماً في نطاق ما يراه شرف الدين وما يفكر فيه. ويسرت له أيضاً وصف شخصيات الرواية الأخرى بحرية أكبر، كما أتاحت له هذه التقنية كذلك ان يقدم وجهات نظر متباينة للحدث الواحد، وهو أمر جوهري وأساسي قامت عليه الرواية.
استخدم هشام آدم تقنية الاسترجاع الفني (أو ما يعرف في أدبيات السينما بالفلاش باك) بكثافة في روايته (قونقليز)، فلا تكاد تخلو صفحة من صفحات الرواية من قطعٍ للتسلسل الزمني أو المكاني للسرد بغرض استحضار مشهد أو مشاهد ماضية لتحقيق أغراض فنية مختلفة. فقد استخدم الاسترجاع بصورة أساسية لإضاءة ماضي شخصيته الرئيسية أو لتقديم شخصية جديدة للقارئ (مثلا تقديم شخصية وقية عبد الباسط ص 18 أو تقديم شخصية حامد ود النعيم ص 8). كما أستخدم هذه التقنية بصورة مميزة في تقديمه للفضاء المكاني (حانة أكيج ص 15). وبسبب طبيعة الرواية التي لا تقوم على الحدث كوحدة يقوم عليها السرد، فقد وقع هشام آدم في كثير من المحاذير المرتبطة باستخدام هذه التقنية. فمنها مثلاً أنه يستخدم الاسترجاع حتى قبل أن يذكر ما يكفي من الأحداث المثيرة لاهتمام القارئ والتي تعطيه ما يشبعه جزئياً من زمن الرواية الحاضر قبل أن يرتد الراوي للماضي. وفي بعض الأحيان يكون استخدامه لها بلا وظيفة فنية واضحة (استرجاعه لمشهد السوق الشعبي وازدحامه ص 6).
تعالقات نصية؟
يبدو جلياً أن الروائي هشام آدم عندما بدأ في تدوين روايته كان واقعاً بشدّة تحت تأثير رواية (الغريب) لألبيرت كامو. فالشبه يبدو كبيراً جداً، بل يصل في بعض المواضع لحد التطابق، بين شرف الدين عبد الرحيم بابو الشخصية الرئيسة في (قونقليز) وميرسول بطل رواية (الغريب). فكلاهما يمكن وصفه بالانتماء وفقاً لمعايير كولون ويلسون التي أسس لها في كتابه الشهير (اللامنتمي). تبدأ رواية (الغريب) باستقبال ميرسول لبرقية تخبره بوفاة أمه. ويبدأ كذلك هشام آدم روايته باستقبال شرف الدين لاتصال هاتفي يخبره بوفاة أمه. وكل من شرف الدين وميرسول تعامل مع الامر بلا مبالاة. عندما وصل ميرسول للغرفة المسجى فيها جثمان أمه في الملجأ لم يكن راغباً في الكشف عن وجه أمه ورؤيته بالرغم من أن القاء النظرة الأخيرة على الميت من التقاليد الأوروبية المسيحية العتيدة، وعندما أورد كامو هذا المشهد كان يريد أن يوضح أكثر وأكثر لامبالاة ميرسول وشخصيته الغريبة. وفي محاكاة لهذا المشهد في رواية (قونقليز)، عندما دخل شرف الدين الغرفة التي بها جثمان أمه لم يكن به رغبة في الكشف عن وجه أمه ورؤيته للمرة الأخيرة. لم يكن هناك ضرورة لإيراد هذا المشهد في (قونقليز) لأن القاء النظرة الأخيرة على الميت هو أمر غير متواتر ومعروف في الثقافة السودانية كما أنه بذلك لا يؤدي أية وظيفة في بناء المعني العام للنص. مارس ميرسول الجنس مع ماري كاردونا في اليوم التالي لدفن أمه وفعل شرف الدين ذات الشيء مع حبيبته وقية عبد الباسط في مساء اليوم الثاني لدفن والدته. عندما أقترح رئيس ميرسول في العمل عليه أن ينقله للعمل في باريس والمزايا التي يمكن أن ينالها لم يبدي ميرسول أية اهتمام بالعرض وقال في معرض رده على رئيسه: " إن هذه المسألة في الواقع لا تهمني" ص 48. ونجد أن ذات مشهد عدم الاكتراث بالترقي وبالحصول على امتيازات قد تكرر عندما عرض قسم السيد مدير البنك الذي يعمل فيه شرف الدين على هذا الاخير ترقيته ونقله للخرطوم، فكان رد شرف الدين:" لا أجد فرقاً بين هنا وهناك" ص 12. هذه فقط بعض امثلة للتعالقات الكبيرة والكثيرة الواقعة بين نص هشام آدم ونص البيرت كامو والتي يمكن رصد المزيد منها بسهولة كبيرة! أية محاولة لإدراج هذا التشابه في إطار التناص التطابقي الذي نظّرت له جوليا كريستيفيا ستكون عبثية، ذلك أن وظيفة هذا النوع من التناص هو استدعاء أو استقصاء أو توليد لمعاني جديدة سكت عنها النص القديم أو ضمنها خلف غابة من الرموز، وهو أمر لم يقم به هشام آدم في روايته!
يمكن كذلك رصد تعالق آخر بين (قونقليز) ورواية (العطر الفرنسي) للروائي أمير تاج السر، وهو تعالق على مستوى الفكرة الأساسية التي استند عليها النصان بدرجات متفاوتة. فقد استلهم النصان فكرة المجنون الذي يرى العالم المحيط به من موقعه المختل وفقا لما تصوره له استيهاماته، والتي قام أمير تاج السر بتوظيفها عندما تحول بطل الرواية (علي جرجار) الى مجنون بسبب انتظاره الطويل والقاس لوصول الفرنسية الشقراء كاتيا كادويلي والتي أشيع بأنها ستأتي للإقامة في حي (غائب) لإنجاز دراسة علمية!
هوامش
بدأ لي كثيراً اثناء قراءتي لهذه الرواية أن كاتبها قد تعمد حشوها بما لا يلزم فقط من اجل استيفاء شرط عدد الصفحات الذي تشترطه لجنة جائزة الطيب صالح لقبول الرواية في المسابقة. وهذا الأمر قد أضر كثيراً بنص هشام آدم. المثال الأبرز على هذا الحشو هو شخصية النيل رِزْقة. هي شخصية مصطنعة وبلا وظيفة واضحة في البناء العام للرواية. حتى أن مشهد النيل وهو يحتسي الخمر في حانة أكيج ليسكر بعدها ويقوم بالتحدث باللغة الفرنسية انما هو محاكاة غير مبدعة لمشهد ورد في رواية الطيب صالح (موسم الهجرة للشمال)، وهو مشهد مصطفى سعيد عندما ذهب الي الانداية باحثاً عن محجوب لأمر ما ليُصرّ عليه هذا الاخير بشدة في أن يحتسي من الخمر وعندما يسكر مصطفى يبدأ في انشاد أبيات من الشعر الإنجليزي بفصاحة كبيرة (ص 17/18). وهو مشهد من المشاهد المفتاحية في رواية الطيب صالح.
المثال الثاني للحشو الزائد في متن الرواية هو ايراد جزء كبير من نص أغنية (نايرات الوجَن) ص 19 بمبرر أن شرف الدين كان يشعر بالملل فأخذ يغني في هذه الأغنية ليُسلي نفسه. كذلك ايراد جزء كبير من أغنية (غربة ومطر) لمصطفى سيد أحمد ص 47 بمبرر أن شرف الدين يحس بالضجر والحزن. أيضاً ايراد النص الكامل لأغنية (No woman, no cry) لبوب مارلي ص 49/50 لأن شرف الدين يحبها!
خاتمة
بالرغم من الملاحظات الكثيرة التي قمنا بتدوينها على هامش هذه الرواية، يمكننا القول بأن هشام آدم نجح في صناعة نص روائي يشدّ القارئ ويثير كثير من التساؤلات رغم أن هذا النوع من الروايات لا يشدّ عادة انتباه القارئ لافتقاده للعناصر الشكلية الكلاسيكية التي اعتاد عليها في روايات ما قبل الحداثة وما بعد الحداثة والتي كانت تمسك به حتى اكمال النص. كما أعتقد أن هذه الرواية تمثل مرحلة مهمة من مراحل المشروع الروائي الذي يعمل على إنجازه بصبر ودقة الروائي هشام آدم.
عاطف الحاج سعيد~ فرنسا
المراجع
1. أمير تاج السر (2009)، العطر الفرنسي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت.
2. البيرت كامو (1982)، الغريب، المكتبة الثقافية، بيروت.
3. الطيب صالح (1987)، موسم الهجرة للشمال، الطبعة الرابعة عشر، دار العودة، بيروت.
4. هشام آدم (2010)، قونقليز، الرواية الحاصلة على جائزة الطيب صالح للرواية، مركز عبد الكريم ميرغني، النسخة الالكترونية.






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2463

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عاطف الحاج سعيد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة