المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
عماد البليك
جداريات رمضانية (16)
جداريات رمضانية (16)
07-13-2015 07:46 PM

كان للقراءة هاجس عند الصبي في رمضان، يبحث عن كتاب يستفيد منه، معلومة معينة أو يقترب من فهم ذاته على الأقل، طالما هو مشغول بهذا السؤال دائما. كانت الكتب تأثره فيتخذ طريقه قبيل الظهيرة في النهار الحار إلى المكتبة العامة بوسط البلدة التي تحولت مع تحولات الأزمنة لمصنع للألبان ثم في النهاية لا بقي لبن ولا كتاب. يتذكر أيامها تلك، جيدا، وكيف أن أمين المكتبة إبراهيم كان كريما جدا في منح الكتب لمن شعر بأنه يرغب فعليا في القراءة. وكانت تربطه معه صداقة من نوع خاص، فصداقة الذين يعملون على مهنة صون الكتب ورعايتها ليست كلل العلاقات الإنسانية، بشرط أن يكون الطرف الذي يقوم على رعاية الكتب مهتما بها وقارئا لها وليس العكس أن يكون مجرد حارس أو تاجر، وهنا يصبح الفرق مدمرا وقاسيا. وتلك تجارب أخرى مجالها في غير ما رمضان.
لم تكن المكتبة العامة كبيرة جدا، كانت ساحة صغيرة ببوابة خارجية من الحديد وكانت صالة مرتفعة السقف مستطيلة الشكل ذات بناء بالطوب الأحمر المسبوك الجيد ومن الداخل جدرانها مطلية باللون الأخضر، وقلما كانت تقوم جهة بصيانتها أو الاهتمام بها فترى في فترات الخريف ماء المطر وقد تدفق من السقف على الكتب ما يضطر الأمين أن يقوم بزحزحة الرفوف قليلا، حتى لا يسقط الماء مباشرة على الكتب فيفسدها. والمكتبة ذات نوعين من المؤلفات العربية والانجليزية والأخيرة، أهداها مدرس بريطاني كان يعلم في مدارس البلدة كنوع من الاحتفاء بهذا المكان الذي عاش فيه لفترة وأحبه، كان قد سافر عائدا إلى بلده المملكة المتحدة فأرسل مجموعة من الكتب ربما لا تقل عن خمسمائة كتب تمثل كلاسكيات الأدب الإنجليزي وبعض من كتب الفلسفة والفكر وعلوم السياسة في مصادر من الأصول الرائعة. أين هي هذه الكتب الآن وماذا حصل معها، لا أدري! وبجوارها كانت تجلس كتب اللغة العربية وكانت متنوعة ما بين الأدب والشعر والفكر، وفيها تجد روايات نجيب محفوظ وديوان المتنبي والمعلقات السبع ومؤلفات البروفيسور عبد الله الطيب وكتب في التاريخ والحضارة وغيرها، تشكل زادا في مراحل مبكرة لكل من يبحث عن المعرفة.
ومن أكثر ما في تلك المكتبة من المراجع المهمة، الموسوعة البريطانية المعروفة باسم الـ "بريتانيكا" بعدد كبير من الأجزاء لا أتذكر كم كان بالضبط، وكانت ممتعة في التأمل والقراءة وبها صور في بعض الصفحات قد صوّرت على بلاستيك شفاف بحيث تبدو الصور مصقولة وزاهية في ذلك السطح ما بين الورق الأبيض، بطباعة أنيقة وقوية الصفحات والأغلفة، وكان يمكن استلاف كل شيء من المكتبة للمداومين عليها ولم يكونوا كثر، إلا هذه الموسوعة، لكن الصبي كان يتحصل على ما شاء بعلاقته مع الأمين الذين لم يكن يبخل أبدا.
في رمضان تأتي رائحة الكتب إذن من فضاءات بعيدة من أمكنة غامضة ومجهولة كأنها ليست في هذا الكوكب الأرضي، يغمض الصبي عينيه ثم يرى موقعا آخر للكتب، تلك المكتبة الصغيرة التي كونها بنفسه في بيتهم، وخلال سنوات وجيزة سواء من خلال ما يقوم بشرائه من مكتبة المدينة أو من الخرطوم أحيانا وهو يذهب مرة في العام مع والدته لزيارة الأقارب، وكان أغلب الكتب هنا عبارة عن المؤلفات الأدبية من الأشعار العربية والسودانية والروايات والكتب الفكرية كذلك، ومع الأيام تسربت هذه الكتب هي الأخرى كسائر أشياء الحياة التي تأخذ كل شيء على علاته ثم تمضي، ليكون الزمان مجرد ذاكرة في عقل معلق باتجاه الفراغ، ويكون التأمل في الماضي ليس إلا عنوانا للفقد والذاكرة المنهوبة، التي أضاعتها سنوات الرحيل والترحال ويبقى التراب هاجسا مؤجلا في ظل ذلك الأنين الصارخ والفوضى التي أوجدتها الحكومات المتعاقبة وجنون السلطة والمتسلطين والموت المجاني باسم الخديعة. وكأنما العالم كله منسوج من أطياف تلك الخدعة الكبيرة التي يكون على الإنسان أن يتغلف بها وهو لا يدري أين يكون موقعه بالضبط من فيزياء عالم متلون لا يعرف السكون ولا الحياء؟!
في الكتب ثمة عالم آخر ودنيا بديلة يلجأ إليها الصبي، يكون قد سلك طريقه في صحاري الحجاز ورافق امرؤ القيس في رحلة إلى بلاد الرومان وعاد إلى حلب مع أبي الطيب المتنبي ثم سافر لبغداد وهناك قابل هارون الرشيد والأمين والمأمون، ثم رحل بقارب التأمل مسافرا إلى القرن العشرين ليكلم ماركيز في كولومبيا وجورجي آمادو في البرازيل مع غابرييلا ورائحة القرنقل والقرفة ثم يضحك مع بابلو نيرودا والهاذاديتو أو رامة الشحاذ لميغيل انجيل استورياس، تلك القصيدة الروائية التي تشع غرابة.. والتي يقرأها الصبي فيحسب أن العالم مكون من تشكيلات غير مفهومة في أغلب الأحيان وهو الأديب الغواتيمالي الذي نال جائزة نوبل للأدب سنة 1967م. تلك الأيام ونصوصها عبق خاص.. ولرائحة الكتب بحبرها في رمضان سحر آخر هل ترى يفطر الصائمين أم لا!
وبجوار الكتب كانت المجلات الأدبية وفي مقدمتها مجلة الكرمل التي شكلت علامة فاصلة من علامات تكوين الذهن الحداثي لأجيال، في الشعرية الجديدة والنصوص العابرة للقارات والأزمنة، في صورة محمود درويش وهو ينازع الصراع مع الذات والأسر الغريب الذي يصنعه المنفى في الإنسان، وسليم بركات وغيرهما من جيل الغنائية الحزينة وذلك البحث الدائب عن معنى لذات تتقلب في سؤال الأنا والوطن المفقود والجرح، وكان ثمة على الغلاف الثاني لمكتب البريد (البوستة) سطوته في تلك السنوات، أفضل مما هو عليه الآن، كثير من المجلات تصل إليك عبره، من ألمانيا ونيقوسيا والعراق، مجلات ذات إطارات وأشكال وأفكار متباينة ما بين الثقافي والفني والديني والفكري المنوع. ثم تتسرب كل هذه التفاصيل تبقى الأغلفة جلية في المخ كأنها ممسوكة بالأيدي الآن، وتطير أشياء كثيرة أخرى من الذاكرة، ترتفع مساحات من الزمن الأرضي بحثا عن ملجأ آخر سوى الكوكب المشغول بالأحزان والدماء والروع المستمر، يكون الصبي قد داخ من سهر طويل مع القراءة في ليل كان مشغولا بالأسئلة والقلق الكوني، أي بداية جديدة سوف نسلكها وإلى أين؟ وما هي الخطوة القادمة التي تأجلت منذ تلك الأيام؟ ثم تنتفي الأسئلة ولا تبقى سوى الانتظارات والأيام المترعة بالخوف من أشياء غامضة ومن وحوش كاسرة تطل في الأحلام وبقايا النعاس، يرحل سحر عالم كان له لذاته وغرابته، تطل أزمنة أخرى لا يعرف الصبي مستقرها ولا حدودها، يروح مسافرا في تأملاته عله يعثر ما بين ثنايا الذكريات على تلك اللحظة المنسية التي يكون فيها انبثاق الكون باتجاه فيزياء غامضة ومثيرة وآمال تصنع الحياة بإشراق آخر غير المألوف.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 4214

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة