المقالات
السياسة
شرعيتان» بالسلاح… واحدة تقضي على الأخرى أو: «المراهنة» على سقوط الدولة في مصر!
شرعيتان» بالسلاح… واحدة تقضي على الأخرى أو: «المراهنة» على سقوط الدولة في مصر!
07-14-2015 02:38 AM

يُلحـــظ بشــــكل لا لُبس فيه، أن منحى جدلية الصراع السياسي والاجتماعي والفكري والثقافي بلغ أشده بين قوى المجتمع المختلفة في مصر.
هذا الواقع ما عادت تشكله منطلقات ثورة القيم المصرية، التي طالما حلم بها المصريون في ثورتهم، التي تشكلت قبيل الخامس والعشرين من يناير2011. تبدل جذريا واقع الفعل الثوري المدني للجماهير المصرية الرامية، إلى وقت قريب، إلى التغيير وإلباس مصر قيم الحداثة السياسية في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة ودولة المؤسسات الدستورية، لدولة مركزية وحضارية ورائدة في المنطقة العربية…. إلخ، لتصل راهنا اليوم إلى محصلة سياسية قوامها «شرعيتان» سياسيتان، تتنازعان وتحسمان صراع منظومة قيمهما السياسية بالسلاح وقوة النار، لفرض إرادة مشروعيتيهما السياسية عبر تجريب آخر مراحل الاندحار السياسي، من خلال تقنية الرعب بين الطرفين لإنجاز توازن فيه، قد يقود إلى تسوية أو بانتصار طرف على طرف قد يؤمن الاستقرار المرحلي أو دون ذلك، وما بينهما، قد يقود إلى سقوط مؤسسة الدولة في مصر، خصوصا أن هناك قوى باتت تربطها أجندات وتحالفات إقليمية تراهن عليها لتنفيذ ثقافة «الصيف الإسلاموي» الرامية لتدمير ما تبقى من مؤسسات الدول في المنطقة. والأمثلة هنا واضحة ومعاشة في العديد من الدول التي عرفت هذا الصيف، أو تلك التي استقرت فيها منذ العقد الأخير في القرن العشرين، كما تجسدها الحالة السودانية، أو حتى تلك التي رفضتها منذ عقود كما في الحالة الجزائرية التي استقرت بثمن كبير وباهظ.
تقول حيثيات ووقائع سيناريو المشهد المصري، وهو نتاج لظاهرة «صيف الدم الإسلاموي» التي سادت عددا من الدول العربية، لأجل الوصول والتمكين في السلطة أو المراهنة على انهيار مؤسسات الدول، حيث يؤرخ لها عبر تحايل سياسي كبير في الأدبيات الســــياسية العربية الحديثة، بما يعرف بـ«الربــــيع العربي»، فيها عمليا وواقعيا تم تجاوز الصراع حول من يمتلك أحقــية أو أولوية دخول نادي احتكار «شرعية» الحكم السياسي في مصر، أو تحقيقها عبر حق النضال السلمي، لأجل بلوغ غاياتها، هذا معطى واقعي بدون الدخول في الجدل النظري الفقهي القانوني والدستوري، حول جذر الأزمة، حيث يعد ترفا سياسيا فكريا ولا معــــنى له، لأن الشرعيتين كلتاهما تحملان مرجعية سياسية مجتمعية معبرا عنها، فشلتا في الوصول إلى تسوية سياسية جماهيرية تنهي الصراع، كما أن الشرعيتين مرجعيتهما واحدة وهي «يناير الاصل»، قبل تطورها أو انزلاقها وتراجعها أو تصحيحها، لتتحول الشرعيتان فيما بعد إلى قوتين لشرعنة المشروعية السياسية، وليس شرعيتها، عبر كل الأدوات الممكنة والمتاحة، ومنها العنف والسلاح، وكذا التحالفات الخارجية والتمرد ضد الدولة وسلطة الحكم، إن كانت لها من الشرعية أو التشكك في شرعيتها.
«الشرعيتان» اللتان تخوضان الصراع المجتمعي المصري، أولاهما، تمثلها طبقة التيار الحداثوي الليبرالي التقدمي الراسخ والممتد في التاريخ المصري، باعتبار مصر نفسها أهم محورية حداثوية وذات سبق في مشروع الحداثة العربية، من روادها طه حسين ورفاعة رافع الطهطاوي وعلي عبدالرازق والإمام محمد عبده وآخرون كُثر، هذا التيار يشكل قطاعا كبيرا من فئات المجتمع المصري، وفي طبقاته المختلفة ويرتكز على رؤى فكرية وفلسفية وتنويرية عميقة، تستجيب له قطاعات جماهيرية واسعة النطاق ويسيطر على شرعية السلطة التي يقودها الرئيس المصري مع طبقة النبلاء في مصر، وهم المؤسسة العسكرية والأمنية وجيوش التنويريين من الشعب المصري، هذا التيار يقابله تيار ثان وهو تيار الإسلام السياسي الذي اكتسب شرعية السلطة لأول مرة في تاريخ مصر في العصر الحديث، بدون أن يحافظ عليها، بسبب خلل في البنية الفكرية والمنهجية والإجرائية في منظوره للحكم.
إن إخفاق هذه التجربة، ليست بسبب قطع خط تقدمها من طرف قوى التيار الأول، بقدر ما أن الأمر يرتبط بالأصول الفكرية والنظرة في إدارة الشأن العام القائم عبر فلسفة الاحتكار، يقوده اليوم أئمة الإسلام السياسي المودعين في السجن أو المحكوم عليهم بالإعدام، في إطار الصراع والصراع المضاد وما تفرضه متطلبات الصراع بينهما، وهو الشيء الذي أدى إلى فعل مضاد تصفه قوى التيار الأول «بالإرهاب» الذي كان آخر ضحاياه النائب العام وعدد من القضاة، هذا فضـــلا عن توظيف بؤرة أزمة فشل الدولة تاريخيا في سيناء قصد تحويلها إلى نواة تمرد تقوم بمنازعة الدولة على سيادتها، حيث بدا الحديث في الآونة الأخيرة عن أراضٍ محررة في سيناء، في مشهد مشابه لما يجري في ليبيا وسوريا.
الفريقان الآن كما يبدو تجاوزا حالة الطوارئ السياسية ونزلا إلى الميدان لشرعنة الشرعية، ودخلت معهما أطراف إقليمية عبر التمويل المالي أو الدعم الدعائي الإعلامي، في حرب بلا هوادة، علما أن كلاهما يعبر عن عمق جماهيري يسند مواقفه وشرعيته، وأن نجاح أي فريق يتوقف على انتصاره على الفريق الخصم عبر أداة العنف، عنف الدولة أو عنف التنظيم، في ظل توافر مسوغات لكل فريق، وفي هذا السياق ليست هناك مثالية مرجوة ما بين حركة التنوير المصرية وحركة الإسلام السياسي، إن تموضعت أي منهما في السلطة لا تضمن بقاءها فيها إلا باستئصال الطرف الآخر، بدون الوصول إلى تسوية سياسية تاريخية تتسم بالعقلانية والموضوعية بين الطرفين. ومع انعدام أفق التسوية، كما واضح للعيان، قد تراهن قوى الإسلام السياسي المبعدة من الحكم في العمل على إنتاج المزيد من نتاجاتها لعسكرة الصراع، بغرض إسقاط السلطة، وبموجبها سوف ترد الأخيرة عبر مخزون العنف الكبير المتوفر لديها، وبالطبع سوف ينجم عن هذا الصراع التصادمي إسقاط لمؤسسة سلطة الدولة في مصر، على غرار ما جري ويجري في ما عرف بدول «الربيع العربي» والدور المشترك لجماعات الإسلام السياسي فيها.
إن إنهيار مؤسسة الدولة في مصر يعني، ومن دون أدنى شك، انهيارا لكل منظومات سلطات الدول العربية وبالتتابع، بدءا من الأردن إلى الخليج العربي، الذي ينفرد بمنظومة تراث سلطاني في الحكم، ومعلوم في هذا الإطار أن اليمن سقط وليبيا وسوريا والعراق، أما السودان فهو على وشك اللحاق بالركب، والغريب أن هذا «الغضب» الإسلاموي في هويته العربية الخالصة تمدد إلى أفريقيا السوداء وبالبصمات نفسها عبر أيد أفريقية، على سبيل المثال، تشاد ونيجيريا والكاميرون ومالي والنيجر. لذا ينظر الكثير من الشعوب التي خبرت وجربت طوفان الإسلام السياسي كالسودانيون مثلا، إلى الرئيس السيسي وتياراته التقدمية مصدرا ومفتاحا لخلاص الدولة والشعب في مصر، بدون أن يدري الأخير أنه اقترب من الوقوع في مستنقع الإسلامويين الذي يصعب الانفكاك منه، وإن أرادوا سوف ينتظرون كثيرا وكثيرا جدا ويرون معه الأكثر.
٭
كاتب سوداني مقيم في لندن
" القدس العربي"



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1879

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محجوب حسين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة