جداريات رمضانية (17)
07-14-2015 03:44 PM

تنبعث أصوات من أمكنة بعيدة ومجهولة، تلك الرغبات الدفينة والمجهولة هي الأخرى في اكتشاف الذات وفي القفز فوق أسوار الزمن، يقضي الصبي بعضا من الوقت في المسجد عصرا يتلو القران الكريم في حلقة الذكر مع شيخ المسجد وبعض من أهل الحي المداومين على الحلقة، يكون للمكان صوت آخر غير تلك الأصوات المجهولة وتتغذى الحياة بطاقة الامتلاء بأشياء غامضة هي الأخرى. إنها طاقة الحياة والوجود، المساحة الفاصلة والواصلة بين الإيمان والذات بين الحقيقة والمعني أو بين الشك واليقين أحيانا.
في تلك الفترات المبكرة وبمجرد أن يخرج الصبي في العصر الرمضاني من المسجد يكون قد هرع إلى السوق بوسط البلدة، كانت الحياة لم تدخل مزلقاناتها الصعبة بعد، وكان الناس أشد روعة والأشياء ضاحكة والآباء أصغر سنا، كانت تضاريس الموت والنهايات بعيدة، تبدو الحياة في البداية كما لو أنها صيرورة الخلود ثم يمضي العمر ليكتشف الإنسان كم أن السنوات تسرع ولا تتوقف، وأن عقارب الساعة لا تعرف النوم ولا الانصياع للسكون إلا أن تعطب وتتوقف. لكن ذلك لا يعني أن الزمن الابدي قد توقف.
في رحلة البحث.. في ذلك المكان المجهول، يظن الصبي أن اليقين كامن في آية من الذكر الحكيم يقرأها في الحلقة وتارة في غبش الصباح الباكر وهو ينطلق بحثا عن الشمس وهي تستيقظ كسولة مع الصائمين، يشاهدها لقليل من الوقت قبل أن يتوارى وراء اللحاف بعد سهر طويل، ثم لا يمضي إلا قليل من الوقت أيضا ليكون عليه الاستيقاظ مجددا ومواصلة مشوار الحياة على علاتها، فمنذ الصغر يبدأ التشكل والتكوين وتكون الحيرة قد غرست أسنانها في جسد المستقبل، يبدأ الإنسان منذ طفولته في رسم ذلك الغد المجهول، هو لا يدري ولكن ثمة ما يغلف الأيام بالوقائع والسرديات والحكايات، يحشد الرأس بالقصص التي سوف تصبح ذكرى تختلط بالتخيلات والقلق الوجودي، ما بين ما ترغب فيه وما أنت فيه، ما بين حاجتك لأن تكون إنسانا أو تتضرع صمتا على هيئة حيوان صغير أليف لا يرضى بغير القسمة والسكوت الطويل.
يلبس الزمان قسوته ومن ثم يجتر الوقائع المؤلم منها والمحزن وتارة عناوين بارقة للفرح والحبور، تتساقط أوراق الأشجار التي فقدت الأيادي الحنونة التي كانت تسقيها، تهرب الماشية عن الأراضي الطينية والنهر يجف لا يرضى بغير أن يمضي وحيدا إلى الأمام في مشيته المتعرجة. تكون السنوات قد لبست لباس الحيرة والصبي يتأمل كل ذلك يصوره في دماغه وهو لا يعرف أين هو المبتدأ وإلى أين سوف تمضي القافلة؟
ثم ينام أو يهجد على رنين جرس التلاوة تنبعث من المذياع المشغل في كوة من مطبخ البيت، في حين يكون حراك الناس مثل هسيس بعيد لا يمكن تلمس موقعه ولا هدفه. مع الترتيل يكون قد غفا تعبا من مسيرة أيام لم تبدأ وأشواق لم يتلمسها بعد، يبدأ في مراجعة الذكريات الصغيرة، الهروب اللذيذ بين قنوات الري ومزارع الفاصوليا والفول المصري واللوبيا، وصوت دقات ترمبة المياه تماما كنبض القلب في الليل البهيم. ثم يرى من جديد قوافل سادرة من تلك الأماكن الغامضة، لا يدري إلى أين تسير القوافل ومن أين جاءت ومن هم الذين يقودون تلك الجمال الصحراوية العالية. يسمي تلك الأزمنة بالأنهار العكرة، لا يدري من أين جاء الاسم بالتحديد. وذات نهار بعيد أو ليل في آخره في مسافة بعيدة عن الوطن، يكون له أن يسامر الروح وهو يسترجع تلك الآونة التي تكاد تُنسى وهو يطرق على لوحة المفاتيح في الكمبيوتر الكلاسيكي ماركة "بانتيوم تو"، محركا "الماوس" وهو يحاول أن يقبض على الزمن الهارب. هل كان الزمان رمضانا آخر ليس متأكدا، كلما اقتربنا من الأحداث فقدنا القدرة على التذكر، وكلما ابتعدنا بدأت الومضات براقة قوية ومترعة بالمحبة.
يتخذ الزمن شكل أو هيئة أجسام لا يمكن تسميتها، تتداخل تلك القصص ما بين الواقع والخيال والظنون في مروية، في حكاية يكون للصبي أن يسطرها ثم يسرع لحذف الملف خشية أن يراه أحد، ولا يعرف السبب، هل هي خديعة الذات أن ترى الأمس أم هي الذكريات مرات كثيرة لا تقول إلا ما يخجلنا ويجعلنا نتضرع للمستقبل أن يكون أذكى عطرا وأن تفتح باقات ورده حلمها الأثير بأن تسقي المكان بالانتباه المفقود.
ما بين تداخل ليلة الحلم ونهار الانتظار وعصاري الحلقات القرآنية، يتوقف كل شيء، يلبس الوجود حيرة في دماغ الصبي لا يعرف إلى أين هو ماض ولا من أين جاء؟ ويسمع كلمات إيليا أبوماضي عن البحر، "قد سألنا البحر يوما؟" لكن البحار لا تهوى السماع ولا ترغب في أن تقلل من شغف الأطفال والصبيان الباحثين عن الإجابات، هي البحار والأنهار كما البشر تسعى في مبتغياتها لا تركن لهوى الإنسانية ولا وجعها، هي تفسر ما تشاء وتنسى ما تشاء. هي الطبيعة مثلهم لها كينونتها وخطاريفها وأحلامها. وحدهم البشر يتخذون مسرحا للظنون الأسيرة أنهم قادرون على اكتشاف كل شيء، هم يفكرون ويعلمون ويدبرون.
يضرب الصبي على الأرض مرات عدة، يكون قد وصل قريبا من ضفة النهر، لا يرى سوى الماء المنهدر لكنه هادئا جدا، لا يرغب في العنفوان، يشاهد على الضفة الأخرى من النهر رجلا يمشي وهو يجر حمارته محملا الماء فوقها باتجاه البيوت الطينية الواطئة، وثمة قوم يحملون جنازة في هذا الصباح الباكر باتجاه المقبرة الغربية، من مات في هذا الصباح؟ وهل يبكيه النهر كما يقولون، أم أنها اختراعات الناس؟ يفكر الصبي في كل ذلك. يكون مشغولا بالإجابات العجولة، لكن بعض الأسئلة تتأخر إجاباتها إلى عشرات السنين. هذه الحكمة التي لم يكن يعرفها، وبعض الأسئلة لا إجابة له أبدا، "لأننا يا ولدي قاصرون. لأننا خلقنا لنسأل لا لكي نجيب".. يسمع صوت من تلك الأمكنة الغامضة يحدثه بذلك، يتلفت وراءه إلى صوب الغموض والدهشة والانتظار، لا يرى سوى ظله ليس بالحجم المعتاد، رغم استدارة النهار، تكون عيناه قد اغرورقت بالدموع دون أن يعرف السبب المحدد لذلك، كان يبكي وحيدا قريبا من مرسى المعدية الوحيدة في النهر، كان بعض الركاب في انتظار الريس ليقودها إلى الضفة الأخرى، وكانت الضفة الأخرى يتيمة في وجل وخوف ليس لها من تأكيد أن كانت سوف تستقبل المعدية أم لا، فمرة وأخرى يحدث أن تغرق المعدية.. يساور الصبي الشك، ثم يهرب حتى لا يرى الكارثة.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 4669

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة