المقالات
منوعات
قصة قصيرة .... كرسى
قصة قصيرة .... كرسى
07-19-2015 12:05 AM



عب الرجل اخر جرعة من كاسه فحرك جثته الضخمة حتى اطمأن الى الوضع الذى تعود دائما ان يركن اليه ثم افرد راحة يده الموضوعة على الاخرى استعدادا للبوح الليلى الذى الفه جيدا. وتذكر ان يسوى وضع الملاءة المخملية الموضوعة على جسمها الناعم. وقبل ان تخرج العبارة الاولى من فمه ضغط على كتف الاريكة مرة اخرى فداعبها ثم مسح على كرشه المترهلة عدة مرات ثم زحزح فخذيه حتى انسحب جسمه الى اسفل. وشرع فى الحديث المشوب بالتوتر

رفعت المراة الثلاثينية الانيقة الرشيقة كرسى الاعتراف من الارض وتفحصت المكان فنفضت الغبار عنه ثم ثبتته جيدا فى مكانه قبل ان تجلس عليه وهى تدير راسها ذات اليمين وذات الشمال. وسحبت اطراف ثوبها المتهدلة ووضعتها بين فخذيها ثم ضغطت عليها بقبضتى يديها بقوة. وحين همت بالحديث رفعت قبضتا يديها عموديا وهزتهما هزات خفيفة متكررة.

كانت شفتاها تتمتمان بحديث هامس ثم سكنت حين احست بانه اقترب منها واستعد تماما لسماعها. وعندما اصبحت على شفا نقطة الاعتراف اهتزت يديها ورجليها بوتيرة عالية فجذبت نفسا عميقا, وكررت التنفس عدة مرات ثم اغمضت عينيها الجذابتين وهى تتحدث اليه

فى تلك اللحظات لم اكن مهيأة لما كان يضمره فى صدره لكنه باغتنى ومد يده. قبل ذلك بثوان قليلة كنت على وشك ان ابوح له بشئ مفرح يخص علاقتنا لكننى اثرت الصمت حين شعرت بيده تلامسنى . احبه كثيرا لذلك وددت الا اثير غضبه. كنت اتنفس بسرعة كبيرة ورجلاى ترتجفان. وسرعان ما ادرك الموقف فاقلع عن فعله. والحق اننى احبه حبا يفوق كل تصور. وفى اوقات اخرى كانت كل ذرة من جسمى تشتهيه

سارع واعتذر بعبارات لطيفة وحنونة. كان وجهه منقبضا وهو يمد يديه المرتجفتين ويمسك براسى ويقبل جبينى ويعتذر. قال انه اخطأ التقدير وطلب منى بالحاح ان اعفو عنه. كنت على يقين تام بانه صادق فى كل كلمة نطق بها وكنت ادرك عمق حبه لى وهيامه وجنونه, لذلك سامحته. ولاننى خشيت عليه من غضب الاله فقد طلبت منه ان يستغفر. وبذلت جهدى كله لتغيير موقفه الرافض للتعامل مع الرب, لكنه ظل ممتنعا. اخشى ان تصيبه اللعنة يا ابى, لذلك جئت اليك لكى تطلب له الرحمة. ارجو منك يا ابى ان تصلى من اجله وان تلتمس له الصفح وان تبعث بركاتك اليه

وصلها صوته الرزين ذو النغمة الثابتة المتزنة وجعل ينفحها بحالة مميزة من الطمأنينة. وشعرت بان الصوت ينساب اليها من جميع الاتجاهات وشعرت بدفئه ولذته. ووثقت من وعد الكاهن لها بالتضامن والدعاء. واقترب منها بهدوء ومد يده العطوفة ووضع كفه على رأسها ثم مسح برفق على شعرها, وكرر فعله سبع مرات ثم قال لها: “ فليبارك لك الرب ويغفر لك". وكانت ساكنة تماما وهى تركز بصرها على الارض الى ان سمعت صوت اقدامه وهو يبتعد عنها. اعتدلت واقفة وعدلت هندامها ثم حملت حقيبتها وغادرت الغرفة

كانت ترافقها النشوة العارمة وزهو الانتصار والتلهف لابلاغ حبيبها بالانجاز العظيم. وعندما ابتعدت عدة خطوات عن البوابة الرئيسية سمعت بحركة كرسى الاعتراف وهو يسير مقتربا منها. وحين استدارت نحوه الح عليها ان يوصلها الى حيث تريد. وافقت فحملها الى مكان الحفل. وانتظر فى المكان برغم اعتراضها على ذلك, فكان يؤمن بانه يؤدى واجبه الدينى. ورقصت الفتاة الرشيقة رقصة التانقو كانها راقصة محترفة ونسيت قلقها على حبيبها. وعندما اشتد دأبها سرت العدوى و ازدادت حمى الرقص وشملت جميع من فى المكان حتى اصبحت كل الكراسى فارغة

كان الرجل صاحب الاريكة يقف بعيدا عن الجمهور مكفهر الوجه وهو يحرك راسه ببطئ فاحصا المكان بدقة. وكان يتوقف عند كل كرسى لكى يحصى العيوب فيه. والرجل تعود ان يصرح علنا بانه يمقت كل الكراسى لانها متزلفة ودنيئة. وفى مكان العمل استجابوا لرغبته ووفروا له مقعدا. وفى رايه ان الرئيس هو الشخص الوحيد المخلص للكرسى الذى يجلس عليه. وركز بصره عدة مرات عند كرسى الاعتراف ليفحصه لانه يعتبره راس النفاق. وكان ممتلا غيظا حين قال: "منحط ". نطق الكلمة بصوت عال حتى خشى ان يسمعه احد الواقفين على البعد

ارتجلت المرأة رقصة معدلة من التانقو فاشتد داب الناس فى الرقص وسيطرت عليهم النشوة. وزاد الصخب والهتاف والاضواء الحمراء والوهج واجج حرارة المكان وحث الناس على الحركة الكثيرة. ومد الكاهن يده وامسك بكف الفتاة الرشيقة ورقص معها بطريقة مثيرة وعم الهتاف وزاد صراخ البهجة. واحست بدفء مميز سرى اليها من الكاهن وزاد حماس الناس حولها ونمت شهواتهم. وتقدم المرافق بحذر وحرص شديدين واستاذن بادب لكى يسمح له بالرقص مع زوجة الرئيس. كانت زوجة الرقص تتلفت كثيرا اثناء الرقص. وكانت الفتاة الرشيقة تلوح الى كرسى الاعتراف وتغمز له مداعبة وهى تعلم فى قرارة نفسها بانها لن تعود اليه ابدا

كان الرئيس يقف على بعد قريب من المسرح ومعه المساعدين والحاشية وهم يصفقون ويتمايلون مع الموسيقى واعينهم مفتوحة واسعة. وكان يتبسم باستمرار وهو يعلم ان معظم الذين سيؤيدون رقص زوجته مع رجل غريب انما هم منافقون, ومع ذلك فهو يعلم يقينا بانه كل رجال الدين سينهمكون منذ تلك اللحظة فى صياغة التبريرات المناسبة. وحين بلغت حمى الرقص مداها وقف كرسى الاعتراف وصرخ ثم وضع اصبعيه بين شفتيه واطلق تصفير مدو ومثير. وسارت على نهجه كل الكراسى حتى اصبح الامر مدعاة للبهجة والدعابة والمزاح بين الحضور. وانتهز كرسى الرئاسة الفرصة فاستدار حوله ثم لكز رئيسه الذى لم يستطع اخفاءتأثره العميق باللكزة. واستدار الرئيس وامسك بيدى الكرسى وضغط عليهما بقوة مجنونة وعنف مفرط حتى ظهرت علامات الالم على وجه الكرسى, واخيرا ربت على كتفه واستقام واقفا. وحين نظر الى البعد وجد ان صاحب الاريكة كان يراقبه

عندما كان كرسى الرئاسة يستمتع بالحفل مع بقية اقرانه, كان يدرك ان الرئيس سيعاقبه مرة اخرى. لكن الامر المؤكد لديه هو ان الحاكم لن يجرؤ على معاقبة كرسيه بالنفى او الاعدام. وحين يصفو الحال سيعود الرئيس الى عادة المزاح معه وسيكشف له ما لم يستطع ان يكشفه الى المقربين منه بما فيهم زوجته

حين ادام الرئيس نظرته الغاضبة الى صاحب الاريكة, غض الرجل بصره وطأطأ راسه. وسكن تماما الى ان وجد الفرصة المواتيه فتسلل بهدوء واختفى. وفى الخارج كان يخب فى سيره وهو يكرر فى صدره حديثه الذى سيوضح فيه للمحققين بانه دخل الى مكان الاحتفال صدفة وانها كانت المرة الاولى التى يرى فيها الكرسى الرئاسى بام عينيه

اعتدل الرجل فى جلسته ونفض عن راسه الافكار الكثيرة والهواجس وتبسم بصعوبة وهو يحاول طرد اثر الكرب والشجن من صدره. وضع يده على كتف الاريكة وحرك اصابعه وهو ينظر الى عينيها. كانت فى تمام اليقظة على الرغم من ان كل الاحياء والجمادات فى تلك المدينة كانت تنعم بنوم عميق. وانقطع ارسال التلفاز واطفئت الانوار كلها. وحين تمكن الرجل من تبديد الخوف وهم بالكلام ادرك بان عليه ان يتحدث بسرعة وباختصار شديد

انا لا احب الجلوس على الكراسى, تعرفين هذا الموقف جيدا وهو موقف معلن ويعرفه الجميع, وساظل عليه ولن استثنى اى كرسى حتى لو مورست على ضغوط العالم كلها. انا حر فى ان اجلس على مقعد او على اريكة او ان اظل واقفا طيلة حياتى. والذين يعلنون حبهم للكراسى هم منافقون لانهم يخشون ان يصفهم الناس بانهم جبناء, حتى الفتاة الرشيقة كانت كذلك تمارس النفاق حين قالت انها مولعة بحبيبها الى حد التطرف. والذين يجلسون على الكراسى اثناء الحفلات انما هم مراؤون يداهنون الاخرين لان الاحتفال هدفه الرقص والتصفيق والهتاف وليس الجلوس ومراقبة الراقصين. وفى الحفلات يكثر الخبثاء والوشاة والمتطفلين على حياة الاخرين. على فكرة, الصدفة المحضة هى التى حملتنى الى هناك وجعلتنى اشاهد لكزة الرئيس بواسطة كرسيه

فجأة اطفأت الانوار كلها واختفت الاريكة ثم تلتها الاشياء الاخرى. ووجد الرجل نفسه عالقا فى الهواء فمد يديه حوله ولم يجد غير الفراغ العريض والسكون المخيف. وجاء رجال كالاشباح واجلسوه على كرسى وثبتوه باحكام حتى شعر بالجزء الاسفل من جسمه وهو ملتصق تماما بالكرسى. وحين اضيئت الانوار الساطعة فتح عينيه ببطء فوجد حوله رجال الاعدام والفراغ الواسع الرهيب. وطلب منه الرجال ان يفصح عن رغبته الاخيرة

-هل لى بان اطلع على صحيفة الاتهام
-طبعا لا يمكن, فقد فات الاوان
-واعادة المحاكمة و الاستئناف؟
-كذلك فات الاوان لذلك, فالحكم مؤيد من قبل المحكمة العليا ومصدق عليه بواسطة الرئيس وكبار العلماء ورجال الدين

وتركوه لكى يفكر. كانت شفتاه تتحركان بسرعة وعضلات جسمة كلها ترتجف. وانتهز كرسى الاعدام الفرصة ليقرب شفتيه من اذنى الرجل ويهمس له بحديث ما ثم يقهقه. وقهقه الكرسى مرة اخرى حتى اهتزت كل اضلعه. وحين سكن الكرسى انشأ الرجل يفكر فى ان يكون الرئيس وراء المحاكمة الغيابية. لكنه سرعان ما دفع بالفكرة بعيدا لان الرئيس لا يمكن ان يقف ضد من ينأى بنفسه عن كرسى الرئاسة. كذلك استبعد ان يكون السبب هو غضب الرئيس من مشهد اللكزة, فهذه العادة معروفة لدى الجميع. ولما عجز عن حل اللغز طلب من الرجال ان يحضروا له فتاة اثيوبية حسناء لكى تصنع له قهوة بالطريقة التقليدية.

وكانت لحظات صنع القهوة وشربها من امتع اللحظات التى مر بها فى حياته اذ تمكن من ان يستنشق رائحة البن عن قرب. وحين امسك بفنجان القهوة المتبل كان ينتظر كلمات الفتاة السمراء الفاتنة, فوصلت اليه عباراتها مسبوقة بالابتسامة العذبة المضاءة بالق البلور. وحين وضع الفنجان تيقن بالا مفر من الرضا بالامر الواقع

اشار الى المكان فى يده الذى الف ان تلج فيه الحقنة الى جسمه. واكد لهم اكثر من مرة بانه لا يريد ان يتعذب فى اللحظات الاخيرة من عمره. وكان كرسى الاعدام صامتا فى تلك اللحظات, وهو متعود على مختلف الناس, ومنهم الجبان والمحايد والشجاع والاحمق والمطيع والعنيد والابله, الا ان هذا الرجل حيره حيرة ستبقى معه لمدة طويلة. وحين اغمض عينيه تذكر الرجل بانه كان يتمنى ان تحرق جثته ويذر رمادها فى مكان ما على بعد شاسع من الارض حتى لا يتبقى له ارتباط باهلها, وهى رغبة لم يجد الفرصة لكى يبوح بها
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2402

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد مهاجر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة