المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
طه جعفر
حِكَايتُها... قصة قصيرة
حِكَايتُها... قصة قصيرة
07-19-2015 02:36 PM


فقيرة، معدمة من أي مؤهل من تعليم، حرفة أو دِرْبَة تمكنها من كسب العيش. وجدت نفسها بلا مأوي عندما أغلق قرار محافظ المدينة الزقاق الذي وُلِدَت فيه. إعتبر القرار الصادر عن محافظ المدينة إتجار البنات بأجسادهن جريمة يعاقب عليها القانون بالجلد، الغرامة و السجن.نسي القرار فيما يبدو أن حواء ليس عندها ماتبيعه لتكسب عيشها غير جسدها للرجال ممن تدفع بهم الرغبة في ذلك الزقاق.
حَوّاء سمراء، بِشْرَتها مشرقة، وجهها في إستدارة و نور قَمَرِيان، في عينيها بحرٌ من انتظار البَخْت، في أنفها شمم و في شفتيها تختبيء قبلات دافئة و مُحِبّة، فارعة الطول و في ساقيها يستقر الخطو الجسور، الخطو الذي حشد ساقيها بأمتلاء يخلب الأبصار. اسمها حَوّاء و لتخفيف همْز الهمزات و لمْزها تمّ تخفيف الاسم إلي حوّا. لأمّها حكاية عريضة و غنيّة بالتفاصيل المدهشة و أبوها مجهول.
في تلك الثمانينات المبكِّرة من القرن العشرين انتقلت حوّا للعيش مع أحد مرتادي بيت أمها في بيته غير البعيد من الزقاق الذي وٌلِدَت فيه لأم **** و أبٍ مجهول. كان الإتفاق محددا بينهما، عليّها أن توفر خدمات الطهي، التنظيف، غسل الثياب و الفراش و عليه أن يوفر المأوي و الحماية. اسمه محمد أحمد من الوافدين للمدينة من ريف بعيد و قرية نائية لكنه مُتعلم و يعمل في وظيفة كبيرة. لولا خوفه من ألسُن الناس لتزوجها لجمالها و نتيجة لفشله ربما في بناء علاقة عادية مع واحدة من بنات المدينة تَقْبَل ببُعَد ريفِه و نأي قريته و خلفياته العرقية.
حوّا لا تعرف عن أبيها شيء فقد تاه الرجل في فيض النطف التي إندست في رحم أمّها في ليلة الحَمْل بها. عندما تركت الزقاق تركت هناك أمها مع موكب من الذكريات المنتصبة. لم تهتم بمصير أمها و لم تسأل و لم تكلف نفسها جهداً لتعرف مصير بنتها غير الوحيدة. لقد تكرر حمْلُ أمها ببنات و أولاد ربما كانوا إجمالاً خمسة. ما إلتصق بها من سيرة أمها كان الاسم فهي حوّا بت النايرة
زارت محمد أحمد عمٌّته برفقة زوجها مستشفية من آلام في ركبتيها. جأءآ فجأة و كانت حوّا في السوق المجاور تشتري ما ستطبخه للغداء في يوم الجمعة. سلّم محمد أحمد علي عمّتِه و و زوجها سلاماً منصرف الفكر و مشغوله لكنه مُرّحبٌ و مضياف. غادر محمد أحمد ليجد حوّا في السوق المجاور و يخبرها عن الضيوف بمنزله. وجدها كانت أكياس الورق قد عبأت بالتعب ساعِديها. حمَل عنها الأكياس و جلس بجوارها، جلسا في بنبرين عند بأئعة شاي، كلّمها عن وجود عمّته وزوجها بالبيت. ربما كانت هي المرة الأولي التي يُحسّان فيها بأن وجودهما بنفس البيت أمر يحتاج لكثير من الترتيبات و تلزمه تفاصيل إجتماعية معقّدة و ربما كذب كثير للإلتفاف علي غير المقبول عند الناس. لحِظت إرتباكاً في محيّاه لم تعهده من قَبْل.
قالت له: قلْ لهما أنني خادمة بالمنزل.
قال: لمْ يعتوّد أهلي في قريتهم علي إكتراء الخدم المنزلي.
قالت: ربما سيعتبرونها من ضمن فنكهة الموظفين في البندر، و ضحكت.
ضحك، ثمّ قال سائلاً: كيف سيفسران مبيتك معي بالبيت لوحدنا.
قالت: طيّب، قل لهما إنني زوجتك. هنا أنارت وجهها إشراقات مختبئة، إحتشد داخلها بنوع من العزّ لم تعتاد عليه،عزٌّ جديد، أحسّت بالخجل المنصرف عنها بسرعة ليحلّ محلّه شعور غريب لم تختبره من قبل، شعورٌ بنوعٍ مؤلم من الهزائم.
قال: لم يتعوّد أهل قريتي علي الزيجات السرّية و غير المُعلَنة. لن يستوعبا فكرة إخفائي لزواجي عن أهلي و أهل القرية فأنا أبنهم المتعلم و الموظف المحترم.
مالم يفكر فيه هو فضول العمّة و بحثها في غرفة البيت الوحيدة، إندهاشها من السرير الكبير المتوسط للغرفة و ما وجدته في الدولاب من ملابس نسائية، ملابس نوم ناعمة و رومانسية الألوان، عطور بنات المدن، عطور المتزوجات، رائحة الأنثي التي عمّرت أجواء البيت بالشرف، العزّ ، الحب و الوجود.
بيت محمد احمد مكوّن من غرفة واحدة في زاوية البيت الملتصقة بحائطي بيت الجيران العاليتان، غرفة محاطة بصالة واسعة ملتفة لتكمل مع زواية بيت الجيران إحاطة كاملة للغرفة، للغرفة باب و نافذتان، مروَحَة في السقف و مُكيّف هواء أضاف ظل الصالة لبرودته برودة إضافية. في الصالة طاولة طعام بكراسٍ أربعة، مكتبة محتشدة بالكتب، اربعة كراسٍ كبيرة و كنبة ثلاثية المجلس جمعيها مكسوة بمساند مظرزة. في الصالة مروحتان صغيرتان تقف أيهما علي حامل معدني مصقول. نصف فناء البيت مغطي بالبلاط يتوسطه سريران حديديان بينهما طاولة معدنية غيرت الشمس لونَ طلائها. نصف الفناء الآخر مكسوٌ بنجيلة خضراء مرتوية تتوسطها شجرة نيم ظليلة يتعلق علي جزعها زيران، حمام البيت أنيق و سايفون، المطبخ في الزاوية المعاكسة لغرفة البيت و صالتها ذات البابين، مطبخ حديث التأثيث. في البيت عموما ثراءُ لم تتعوّد عليه عمّته. الدهشة بالبيت لم تذهب إلحاح الأسئلة عن ست البيت عن ذهنها.
دخل محمد أحمد ولدبلوماسيتها لم تسأله العمّة و إنصرفت معه لشئون طبخ الطعام و ترتيب راحة زوجها الذي أرهقه السفر. ترك محمد أحمد حوّا جوار بائعة الشاي ليعود إليها و عدَها بالكلام مع عمّته و لم يستطع. غادر خوفاً علي حوّا من ملالة الإنتظار و عسفِه في نهار الجمعة الحارّ. في الطريق إليها عرِف كم هو مرتبط بها و عرف كيف أن زيارة عمّته و زوجها قد نزلت عليه كالسيف البتّار. طلَب محمد احمد من حوّا الذهاب في تاكسي لبيت صاحبه . حمَل الأكياس و جاء للبيت. يبدو أنّ نضارة الخضروات، وعد اللحم بالشواء و الطبخ، أريج الفاكهة و فوح عطر البهارات قد أغرقت العمّة في نهر الكرم الدفّاق. مرّ اليوم عادياً و نزل المساء علي محمد احمد بوَحْشة آلمته و أحس بإفقتاده لحوّا. لم يستطع أن ينام نومة بعد الغداء فقد غادره النعاس و هزمته نهاية النهار. جاء الليل و أحاديث القرية و حكاويها تتثاقل و تتمدد. نامت العمّة و زوجُها في غرفة البيت الوحيدة و المكيفة وهناك أزعج الزوج زوجته بالأسئلة عن ست البيت. لم تجب العمّة التي أحست بفيض الحُبّ في غرفة النوم، أحبّت هبوب مكيف الهواء الباردة، عرفت قيمة السرير الكبير و دوره في حياة العائلة المدينية و عالجت بالرضي و التقدير ضمّه للعشاق و أشواقهم. هاجَت في خاطرها اللواعج فكرهت جلافة القرى و الأرياف النائية، سَيْر تلك الخواطر أخرجها من الغرفة لتتكلم مع محمد أحمد الممدد وحيداً في سرير بالحوش إلي جواره سرير منضبط الفرش و فارغ. جلست علي السرير الآخر إلي جواره، ثمّ قالت: ما اسمها ؟
هي حوّا
كم عمرها؟
في الخامسة و العشرين
كيف تبدو؟
من أجمل بنات المدينة؟
من أين أهلها؟
...................
هل تعيش معك بزواج أم بدونه؟
.....................
وقف محمد احمد الذي كان يفكّر في أمر آخر بالكامل و قال لعمّته سأعود بعد قليل. غادر للطريق و انتظر تاكسياً أقلّه لبيت صاحبه. استبدت بمحمد أحمد الظنون و لم يرتح لفكرة أن تكون حوّا مع صاحبه و خاف. عرِف في صمت التاكسي كم يفتقدها. عرِف في صمت التاكسي كم يحبها. في الطريق إليها عرِف أنّه يحبها لأنها به رضيت و إليه قد سكنت روحها. داهمته أحلام اليقظة فرآها في مدارس محو الأميّة متخرجة تعرف القراءة و الكتابة، رآها حسنة اللِباس في أناقة ناسية لعسف الماضي و حرمانه.رآها معه في مِهْجر بعيد تحرسها الكذبات عن أهلها و العشيرة. رآها في أودية خضراء يحن عشبها علي باطن القدمين منها،رآها حلوة بين الزهور ترافقها زقزقات الطيور.رآها .. و رآها. أحبّها، وقف التاكسي بباب بيت صاحبه. طرَق الباب، فتحت له حوّا التي كانت في الإنتظار فأخذته في حضن خجلت له جُدْر المدنية الصامتة، حضنٍ إضطربت له الرمال في دروب المدينة التي إنتهكها ما إنتهكها من غوائل، حضنٍ ترقق له الهواء فحمَل أنفاس العاشِقَيْن إلي أعلي الجنان الممكنة. بكي علي كتفها و قال: لم استطع للنوم سبيلاً. لم تجد عظامي راحتها و لم ينطرح عن عضلات جسدي عسف تعب النهار و حرّ الجمعة، ثمّ قال أحبك يا حوّا.. يا حوّا أنا بحبك..يا حوّا من غيرك ما بقدر أعيش. أنت الهواء لأنفي و أنت الراحة لتعب نفسي. أخذها معه للتاكسي و رجعا إلي البيت، إلي حيث مكان الحب، إلي حيث مكان الطمأنينة و سكون النفس.
نزلا بباب بيتهما فقالت: يا محمد أحمد أحبك و أنت رجلي الوحيد في هذه الدنيا.
عبأت بالعزم قلبَه هذه العبارة فصار رجلاً مؤهلاً لحُبّها. دخلا البيت فوجدا العمّة في الانتظار.عندما رأتها قالت العمّة: ما شاء الله أريتك بت السرور.

طه جعفر
تورنتو
18 يوليو 2015

[email protected]




تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 5337

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1306358 [Moneim]
4.07/5 (5 صوت)

07-21-2015 12:45 PM
Raei ya Wed Elkhalifa

[Moneim]

#1305806 [معمر حسن محمد نور]
4.13/5 (7 صوت)

07-20-2015 07:13 AM
لك تحية..وانت تتجول في انسانية بطلة القصةوتجعل من أشواق العمة إلى المدنية معبراً متسامحاً لتقبل الآمر ..لك التحية في وضع البطل في مواجهة السؤال الصعب عن طبيعة علاقته مع حوا..لك التحية وانت تجيب على السؤال الأخلاقي.. ما ذنبها؟

[معمر حسن محمد نور]

#1305775 [سوداني]
4.10/5 (6 صوت)

07-20-2015 03:08 AM
هذه القصه _ للاسف _ ضعيفة في اكثر من موقع:

1. ان يتحول رجل يستغل عوز امراة اميه معدمه كانت تعمل (كامها) كعاهرة ليحفظها تحت رحمته كخادمة وعاهرة غير مدفوعة الاجر 【 كان الإتفاق محددا بينهما، عليّها أن توفر خدمات الطهي، التنظيف، غسل الثياب و الفراش و عليه أن يوفر المأوي و الحماية】 _ لاحظ ان لا حديث هنا عن راتب _ بين صباح ومسائه من استغلالي وضيع الي حبيب مرهف الحس لاطم بكل التقاليد السودانية (النابذة لابناء وبنات السفاح وللعاهرات كازواج) عرض الحائط امرا يفتقد تماما الي المصداقية.
2. الحوار مفتعل. ما هكذا يتكلم السودانيون. كانت القصة ستكون افضل نوعا ما اذا نفذ الحوار باللغه الدارجة السودانية المتواتر عليها في العاصمة المثلثة.
3. حتي اذا قبلنا بقبول الضعف في المصداقية الحوارية الناتج من العجز عن استنطاق اللسان السوداني المشار اليه في 2 اعلاه (باعتبار ان ليس كل من يكتب الطيب صالح او ابراهيم اسحق)، فان القصة تفتقد في هذه النقطة ذاتها الي عامل وحده السرد، فنجد العمة في نهاية القصة فجاة تتكلم كما يتكلم السودانيون 【دخلا البيت فوجدا العمّة في الانتظار.عندما رأتها قالت العمّة: ما شاء الله أريتك بت السرور.】
4. القصة ايضا تناقض نفسها في اكثر من مكان.فمثلا يصف القاص في مكان حسن حال دولاب حوا 【مالم يفكر فيه هو فضول العمّة و بحثها في غرفة البيت الوحيدة، إندهاشها من السرير الكبير المتوسط للغرفة و ما وجدته في الدولاب من ملابس نسائية، ملابس نوم ناعمة و رومانسية الألوان، عطور بنات المدن، عطور المتزوجات، رائحة الأنثي التي عمّرت أجواء البيت بالشرف، العزّ ، الحب و الوجود.】 ليعود القاص ويصور لنا حوا في احلام يقظة محمد احمد وكانها الآن معدمة اللبس او بائسته تماما 【داهمته أحلام اليقظة فرآها في مدارس محو الأميّة متخرجة تعرف القراءة و الكتابة، رآها حسنة اللِباس في أناقة ناسية لعسف الماضي و حرمانه】.
5. هذه اضافة الي بعض التعابير او الاوصاف الغريبة: 【أنت الهواء لأنفي】 【قال: لمْ يعتوّد أهلي في قريتهم علي إكتراء الخدم المنزلي】

اتمني ان تكون القصة القادمة احسن فكرة وتنفيذا

[سوداني]

ردود على سوداني
[طه جعفر الخليفة] 07-21-2015 03:09 AM
I would've written it in English

كان بمقدوري كتابة نفس القصة باللغة الإنكليزية. و السؤال يا استاذ سواني هل كتب النايجيري شنوا أشيبي بلغة اليوربا أم كتب كمارا ليي الغيني بلغة أهله لقد كتب الأول بالانكليزية و الثاني بالفرنسية و كتبا عن مجتمعاتهم المحلية و القروية جداً و بالمناسبة لا يكتب الظاهر بن جلون بالعربية انما يكتب بالفرنسية و يترجم له و لا يكتب شيئاً غير كتابة مغاربية بارعة و بتفاصيل أعجبت كل العرب ناهيك عن المغاربة. يعني يا استاذ سوداني يا أبو الشباب لو كتبتها بالإنكليزي كان لازم الشخصيات دي يكونوا خريجين مدرسة اليونتي و تعلموا تعليمهم الجامعي في كامبيرديج و عايشين معي هنا في كندا و لا كيف. لغة السرد تحمل معني الحوار و لا تنقله مالم يقال أن النص حدث في الواقع و أن هذه الشخصيات تحت حكم لغة المكان و الظرف التاريخي و لقد قرر مؤلف النصح أن يعيش مع شخصياته تجاربهم . ربنا يوسع أفق الجميع

اخوك
طه جعفر
كاتب سوداني و قاص


طه جعفر
طه جعفر

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة