المقالات
السياسة
مقاربة بين الغرب و السودان في الإصلاح و النهضة
مقاربة بين الغرب و السودان في الإصلاح و النهضة
07-20-2015 10:39 AM


سوف يثير العنوان حفيظة الكثيرين، بسب الفارق الكبير بين الكفتين، لإجراء مقاربة بينهما، هذا من الناحية الموضوعية و المنطقة، إذا تمت مراجعة تاريخية لهما، و لكن الدافع الأساسي للمقال، هو الخلاف الجدلي علي المفهومين، الإصلاح و النهضة، القراءة في كتب التاريخ الأوربي و خاصة كتاب الفيلسوف الأمريكي جون هرمان راندال " تكوين العقل الحديث" أجزاء، و الذي تتبع فيه تطور العقل الإنساني منذ القرن الثالث عشر، و التي يطلق عليها عصور الظلام، و يعرف راندل، إن الإصلاح هو الثورات و الأفكار، التي تتناول قضية القيم و الأخلاق و الإيمان في الكنيسة، و النهضة هي الثورة التي أحدثها العلم في فروعه المختلفة، و أدت إلي تطور العمليات الزراعية و الصناعية، و بناء الدولة الحديثة بكل مكوناتها و نظمها و قيمها، وخلق بناء ثقافيا جديدا يتماشي مع التغيير الجديد في المجتمع..
كانت الكنيسة في عصور الظلام، تسيطر علي كل شيء، علي المجتمع و الدولة و السلطة الحاكمة، من خلال، إنها التي ترعي شؤون الله في الأرض، و تعطي صكوك الغفران، و جوازات الدخول للجنة، و تمنع ما تشاء، ترتبت علي هذه السيطرة، أصبحت طبقة الرهبان هم الذين يحتكرون المعرفة و أدوات الثقافة، و هم الذين يقدمون جوازات المرور في العلم بما يخدم مصالح الكنيسة، من داخل الكنيسة، بدأت دعوات الإصلاح في فترات مختلفة، و كانت تجد القمع و التنكيل، فظهرت فرق الريستانس و الأليجنسيا و هؤلاء تبنوا تعاليم القديس أوغسطين، و بدأوا يهاجمون البابا، و اتهموه بالوقوع في الخطايا، و دعوا العودة للتوراة و التعلم منها، لكن المساهمة التي أحدثت تحولا كبيرا في المفاهيم، و نظم الكنيسة، الآراء التي بدأ ينشرها مارتن لوثر في ألمانيا الفكر البروتستانتي، من أهم فكر لوثر، كان يدعو للخلاص الفردي الكلي من غضب الله، كان يتبني القيم الصوفية، و يدعو إن علاقة الإنسان بالله لا تحتاج إلي واسطة، و لا تحتاج للكم الهائل من الرهبان، و لا تحتاج لطقوس بعينها كما تفعل الكنيسة، و قال عندما يحرر الإنسان نفسه من القيود التي كبلتها به الكنيسة، و يقع في محبة الله، يصل الذروة التسامح و الخلاص، هذه الدعوة كانت بمثابة الدعوة لتفكيك قوة الكنيسة، لذلك حاول لوثر أن يجعل السلطة تقف مع دعوته، و تناصره ضد الكنيسة، فليس غريبا أن يدعو لوثر لسلطة الاستبداد، بل دعاها لكي تتحكم في كل شيء في الدولة، و دعا أن تكون الكنيسة خاضعة للسلطة. فيقول جون هرمان راندل في كتابه " تكوين العقل الحديث " إن نتائج الإصلاح الفعالة، أنها حطمت وحدة نظام القرون الوسطي التركيبية و شمولها، فلم يعد النظام المسيحي وحدة عضوية كاملة" هذا التفكيك لوحدة الكنيسة هو الذي أدي لظهور الدولة القومية الوطنية.
وجدت دعوات مارتن لوثر و فرق المتطهرين، صدي في المذهب الكاثوليكي، فدعوا إلي عدم التبذير، و البعد عن ملذات الدنيا، و إضاعة المال، و طالبوا أتباعهم بعدم الكسل، و نصحوهم بالعمل، باعتبار إن الكسل يرميهم في الخطيئة، و نادوا بإتباع القيم الفاضلة و السلوك القويم، هذه القيم التي نشرت أثرت في القيم و السلوك، حيث خرج الناس للعمل من خلال الأموال التي كانوا يدخرونها، فتوسعت الزراعة و الصناعة و التجارة، هذا التحول في المجتمع ابرز الطبقة الوسطي، و طبقة التجار باعتبارها قوي جديدة في المجتمع، و التي جاءت باحتياجاتها في ظل التطور الاقتصادي في المجتمعات الأوروبية، أدي لظهور النظام النقدي بدلا عن المقايضة، التي كانت سائدة في ذلك الوقت، و يقول راندل (ظهرت البنوك و بدأت التشريعات التي تتجاوز الحدود تأمينا للتجارة، فظهرت طبقة واسعة من التجار بعيدا عن النبلاء و الارستقراطيين و الملك و هؤلاء أثروا في عملية التغيير الاجتماعي) و أصبحوا يؤثرون في الحقول السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية. هذه التطورات قد أدت لتوسيع دائرة المثقفين بعد ما كانت عملية المعرفة و الثقافة مختصرة علي الرهبان، و هؤلاء بدورهم قدموا انتقادات لمجتمعاتهم، و بدأت تظهر الفنون بأنواعه المختلفة الفن التشكيلي و الشعر و الرواية و القصص و المسرح، و بدأت الطبقة الجديدة تفرض شروط بقائها، و تنتج ثقافتها و رؤيتها حول نظام الحكم، بعد ما تمدد الوطن في قلوب قطاع واسع من الشعب، حيث أصبحوا مساندين لمشروع الطبقة الوسطي.
استطاعت الطبقة الوسطي، أن تستخدم التكتيك بصورة جيدة، مكنتها من تحقيق مقاصدها، حيث استطاعت أن تستقطب رجال السلطة، و الشعب ضد الكنيسة، مما أدي إلي تقليص دور الكنيسة السياسي و الاجتماعي، و إن تخضعها للسلطة العليا للدولة" الملك" و عندما نجحت في تحجيم دور الكنيسة، خافت أن يسير الملك في طريق الاستبداد، مستخدما أدوات الدولة، لذلك سعت لكي تقيد سلطته، استخدمت ذات التكتيك مدعومة بالشعب المساند لشعاراتها، إضافة للكنيسة التي كانت ساعية لكسب الطبقة الوسطي، لكي تعيد لها بعض من سلطتها التي فقدتها، حتى و إن كانت في حدود ضيقة مفروضة بالقانون، و انتقلت مباشرة إلي تجريد الملك من سلطته، و بدأت المسيرة التاريخية للدولة الحديثة، لوضع السلطة في يد الشعب، هذه التحولات كانت مصحوبة بكتابات عددا من المفكرين الذين كانوا يمثلون الدولة القومية الجديدة و يعتبروا أعمدة النهضة في أوروبا.
هذه التحولات، التي جاءت نتاج لعملية الإصلاح داخل الكنيسة، و التي كانت إصلاحات تهدف لتفكيك أعمدة الكنيسة، التي كانت تقوم عليها، أنها ظل الله في الأرض، و تعطي صكوك الغفران، و هي التي تسيطر علي أدوات الثقافة، و تسيطر من خلال السلطة الدينية علي السلطة التنفيذية، فتطورات الإصلاح هي التي هيأت للنهضة في كل فروع العلم.
و إذا انتقلنا إلي السودان، نجد إن عملية الإصلاح و النهضة، ليس مطلوب منها أن تسير في ذات الخطوات التي سارت عليها عملية الإصلاح و النهضة في الغرب، و لكن يجب الاستفادة من قراءة التاريخ، لمعرفة كيف ناضلت تلك الشعوب لكي تحقق حضارتها الإنسانية، و النخب السودانية فشلت حتى في حدودها الضيقة في الأحزاب، أن تناضل من أجل إصلاحها، باعتبار أنها المؤسسات التي يقوم عليها البناء الديمقراطي، و لكن النخب السودانية بدلا من أن تصنع ثورتها الإصلاحية، خانت شعاراتها التي كانت قد رفعتها في مؤتمر الخريجين، و قدمت مصالحها علي مصالح الوطن، و هي نخب هوائية ترفع شعارات الديمقراطية، و سريعا مما تمارس سلوكا مناقضا لهذه الشعارات، فهي نخبة لم تكتمل رؤيتها، و لم تستفيد حتى من تجاربها، و التجارب الإنسانية التاريخية, و هي لا تفرق بين العملية الإصلاحية، بهدف تغيير شروط الممارسة السياسية، و بين تطلعها إلي الحكم، كما هي تجهل الدوري الجماهيري في عملية التغيير، هي تريد أن تخرج الجماهير لكي تحدث تغيير في السلطة، و ليس التغييرا في نظم القيم و الأخلاق و السياسة، تريد خروج الجماهير دون أن تعمل لتوعية هذه الجماهير، إن الذاتية التي تحكم في النخب السودانية جعلتها هي معضلة أمام حركة الإصلاح، و بعض النخب تطرح نفسها في سوق النخاسة السياسية، لا تحكمها قيم، غير ما يحقق مصالحها الذاتية.
فشلت النخب السودانية في عملية الإصلاح، و فشلت في أن تقيم لها دورا خارج دائرة أحزابها المعطوبة، رغم إن الذين يحاولون أن يقدموا مشروعات سياسية، داعية لعملية الإصلاح و النهضة، كانوا من قبل أعضاء في أحزاب سياسية، و ضرب عليهم حصارا داخل أسوار تلك المؤسسات، حتى لا يجدوا الدعم و المساندة التي تجعلهم يخلقوا حوارا بين بعضهم البعض يشكك فيما هو قائم، و عدم فاعلية المورث السياسي للنخبة السودانية، فمثلا لم يستطيع الأستاذ محمد بشير " عبد العزيز حسين الصاوي" أن يقدم مشروعه التنويري داخل حزب البعث، لآن مواعين الحزب أضيق من أن تقبل مشاريع التنوير، و بعد خروجه بدأ يقدم مشروعه التنويري، من خلال كتاباته عن معاوية محمد نور، و الذي وصفه أحد أعمدة التنوير البارزين في السودان، و يعتقد الصاوي إن أية نهضة في السودان لا تتم إلا إذا تم إصلاح في العملية التعليمية في السودان، لذلك نجده، دعي ألي إحداث تغيير و تحسين في السلم التعليمي و في البرنامج التعليمي الأكاديمي. و التعليم كان هو أساس الإصلاح و النهضة في أوروبا،هذا ما أشار إليه الفيلسوف راندل، في إن السبب الرئيسي في نهضة أوروبا هو التعليم و العلوم التطبيقية. و في جانب أخر، نجد إن الدكتور هشام عمر النور، رئيس قسم الفلسفة في جامعة النيلين، بدأ نقده للماركسية بعد خروجه من الحزب الشيوعي السوداني، باعتبار إن أهل التيار الإستاليني في الحزب، يتصاعد صدرهم و يضيق من عمليات النقد للفلسفة الماركسية، و رغم إن، نقد الدكتور النور جاء من خلال بحوثه الأكاديمية، إلا إن إثارتها داخل المؤسسة السياسية، كانت قد تثير حوارا فكريا يغير اتجاهات الوعي فيها، و أكتفي الدكتور هشام بنقد الماركسية، و تبني النظرية النقدية، و لكن مشكلة الدكتور هشام عمر النور ظل بمعرفته محلقا في السماء، دون النزول للأرض. و هناك أيضا عددا من الإسلاميين الذين استطاعوا أن يفارقوا مؤسساتهم لكي يبدأوا مشروعهم النقدي، حيث بدأت بعض الأصوات من دخل تيار الحركة الإسلامية ينادي بإعادة قراءة التراث الإسلامي، علي منهج نقدي، هذه الدعوة وجدت استجابة كبيرة من داخل العقليات الجديدة.
من القضايا الملفتة في قضية الإصلاح، الدعوة إلي إعادة قراءة الواقع السياسي و الاجتماعي السوداني، قراءة نقدية جديدة، و علي أسس مناهج علمية عن السابقة، هذا التغيير وسط الشباب، أدي إلي بروز بعض النخب التي بدأت في تقديم رؤيتها النقدي، برزت تيارات جديدة في الجامعات السودانية، و خاصة في جامعة النيلين من دارسي الاجتماع و الفلسفة، و في جامعة الخرطوم و السودان، و الجامعة الأهلية، و هناك شباب، تجد وجودهم المستمر في الندوات الفكرية و الثقافية، و يقدمون مداخلات فكرية علي مستوي رفيع من المعرفة، تنبئ أن هناك تيارا جديدا من النخب السودانية، بدأ يظهر، مسلحا بالمعرفة و العلم و المناهج، التي تجعلهم يتسيدوا الساحة بأطروحاتهم، مشكلتهم الرئيسية إنهم غير منظمين، و غير متوحدين في مؤسسة، و معروف إن الإصلاح لكي يأخذ بعده السياسي، لابد أن تلتف حول مجموعات ضغط فاعلة، و واعية لدورها التاريخي، تجعل السلطة تقدم تنازلات تحقق مقاصد جماعة الإصلاح، و هناك اعتقاد، إن واحدة من أهم الأسباب، التي أدت إلي إغلاق عددا من منظمات المجتمع المدني، حتى لا تتيح لهؤلاء مكان يستطيعون أن يتجمعوا فيه، و يواصلون حوارهم السياسي المجتمعي الثقافي، لكي تتوسع دائرة الوعي في المجتمع.
إن عملية الإصلاح و النهضة، عملية تحتاج إلي برنامج سياسي متفق عليه، أو برنامج قادر علي استقطاب قطاع واسع من الجماهير، لكي تعاضده و تقف بجانبه، و يحتاج إلي نخبة مدركة لدورها الوطني و دورها السياسي، و تقدم مصلحة الوطن و الجماهير علي مصالحها الخاصة، و أيضا نخب مؤمنة بعملية التغيير، فهل في السودان لدينا هذه النخبة السياسية داخل المؤسسات السياسية القائمة حاليا، و التي خبرناها في السلطة و المعارضة؟ هو السؤال الذي يجب الإجابة عليه لكي تتم عملية المقاربة التاريخية، الاعتقاد السائد في الشارع، غير متوفرة شروط الإصلاح و النهضة. و الله نسأله البصيرة.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1627

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1306748 [ود الحاجة]
0.00/5 (0 صوت)

07-22-2015 08:54 AM
توقعت ان اجد عدة تعليقات على هذا الموضوع الحساس سواء من المؤيدين للكاتب او المعارضين له و لكن يبدو أن التخبة و تلامذة النخبة لا يعبؤون بمن يوجه لهم اللوم.
من جانبي ارى أن النخبة السودانية لم تقدم شيئا للاجيال القادمة بل قامت باستهلاك ما ورثناه من جيل قبل الاستعمار و من الاستعمار و الواقع يصدق هذا.

[ود الحاجة]

زين العابدين صالح عبد الرحمن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة