المقالات
السياسة
حديث الثلاثاء هل هو ضروري؟ هل هو ممكن؟
حديث الثلاثاء هل هو ضروري؟ هل هو ممكن؟
07-21-2015 12:00 PM



عن واجب إسقاط النظام بثورة سلمية متصاعدة وعن التغيير السياسي الجذري والشامل نتحدث، سيداتي آنساتي سادتي. فهل هو مهمة وواجب ممكن التنفيذ؟ وهل هناك ضرورة وجودية ملحة لذلك الواجب/المهمة؟
من سوء حظنا - وحظهم أيضا - أن هناك متكلمون لا يزال بلا- جدوى السعي لتغيير النظام ولا- صحة هذا الاتجاه رغم أرتال الشهداء الأطهار ورغم كل ما تحقق من انتصارات نوعية ونسبية جعلت المؤمنين الآن بضرورة التغيير وبحتمية نجاحه أكثر بكثير منهم قبل أربع سنوات مثلا
إن مشاركتهم – أعني هؤلاء المتكلمين - لنا نفس الحال ونفس المصير سواء تبعونا أو تبعناهم يحتم علينا من الناحية الأخلاقية والانسانية المحضة عدم اليأس من جدالهم وعدم الضيق والتبرم من نقاشهم حتى آخر حججهم وحججنا
بعد مرور أكثر من أربعة أعوام على انبثاق ما عرف بالربيع العربي، وبعد تطلُّع العالم إلى تجربة تطبيقية ملهمة أخرى لنضالات اللاعنف في العالم والتاريخ، لا تبدو الصورة واضحة ولا حاسمة بما يكفي للحكم بأن شعوب المنطقة في طريقها لعبور هذه التجربة بنجاح معقول يفضي إلى أوضاع سياسية تتمتع بما يكفي من حرية وعدالة وسلام واستقرار.
والمشكلة هنا ليس في ما يحدث على الأرض بقدر ما هي في افتراض أن من الممكن أن تعبر هذه الشعوب من واقعها المعقد هذا، وفي سنوات قليلة، بـ(صورة) حاسمة وواضحة إلى زمن العدل والحرية والاستقرار. فنحن هنا أشبه ما نكون بانتظار ولادة بشرية بعد ساعات من الحمل وليس تسعة أشهر كاملة.
إزاء هذا يتعين علينا قياس مدى النجاح الذي تحقق بشكل كمي وليس كيفيا. بمعنى إلى أي مدى صارت شعوب هذه الدول وغيرها أكثر ميلا للمقاومة اللاعنفية كبديل عن الاستسلام للخنوع وعن الانزلاق في العنف كليهما. وإلى أي حد يرتبط هذا الميل – إذا وجد – بتحقيق نجاحات نسبية على صعد الاستقرار والحرية والعدالة.
فمن الاستحالة موضوعيا تجريد الديكتاتوريات المتجذرة في هذه البلدان من مصادر قوتها السياسية المتمثلة في السلطة والمصادر البشرية والمادية والمهارات والنظام العقابي والعوامل الأخرى غيرالملموسة (جين شارب، من الديكتاتورية إلى الديمقراطية- إطار نظري للتحرر، ترجمة عمر دار علي، مؤسسة البرت انشتاين ، ط 2 سنة 2003، ص 22) وإقناع الجماهير بسحب تعاونها معها وخضوعها لها في هذا الحيز الزمني الضيق، فالتغيير المنشود عملية تتطلب تفاعلات معقدة للوعي والسلوك والقدوة والتضحية والتضامن والتي سيرفع بعضها بعضا ضمن حلقات من النضال اللاعنفي المستمر.
مهمة هذا المقال هيالالتفات إلى والتنويه بدرجة لا بأس بها لتزايد هذا الميل في واحدة من الدول المتأثرة بموجة الربيع العربي خلال الفترة الممتدة بين 2011 و 2015 وإلى أي مدى كان هذا التزايد يحقق إنجازات جزئية في مجال القضاء على مظاهر الفوضى والقهر والظلم وصولا إلى خلخلة أركان النظام الديكتاتوري القائم وإسقاطه بشكل ممرحل. وهي مهمة تستبطن رصد وقائع الاحتجاجات خلال الفترة المعنية وحساب وتحليل معدلات تزايدها وصولا للنتائج.ثم السعي لاستكناه تأثيرذلك على قمع القمع السلطوي للمحتجين – إن جاز التعبير- ومحاصرة الظلم والفساد والانتهاكات. وإلى أي مدى يمكن أن يقود هذا التصاعد إلى إزالة الديكتاتورية بشكل تام وإقامة دولة الحرية والعدالة والسلام والاستقرار في السودان.
على الرغم من أن الثورة السودانية ضد نظام الإنقاذ الذي اتسم بأسوأ أنواع الفساد والانتهاكات في تاريخ البلاد لم تتوقف قط طيلة الستة وعشرين عاما إلا أن العام 2011 شكل علامة فارقة في تاريخ هذا النضال المتصل وذلك لعدة أسباب نذكر منها ما يلي :
1- شهد هذا العام انفصال أو استقلال جنوب السودان كنهاية صادمة –رغما عن أنها كانت متوقعة – لاتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) والتي نجح حزب المؤتمر الوطني في جعلها أداة لتفكيك الوطن بدلا عن تفكيك سلطته الشمولية. وبانتهاء الاتفاقية وانفصال الجنوب انكشف عن النظام غطاء من الحماية المعنوية فضلا عن تحمله للمسئولية السياسية والأخلاقية عن فقدان البلاد لثلث مساحتها وربع سكانها ومعظم مواردها الاقتصادية. فكان أن استمرت الحرب الأهلية بعد الانفصال. حيث لم يجن السودانيون من حرب النظام الطويلة ولا من اتفاقياته العديدة وحدة طوعية ولا سلاما مستداما.
2- كان عام 2011 أيضا بداية لما سمي بالربيع العربي الذي تمكن من الإطاحة بأنظمة الحكم الدكتاتورية في تونس ومصر بحلول منتصف فبراير 2011 عبر احتجاجات سلمية مئة بالمئة وتمدد الزلزال الثوري ليشمل فيما بعد كل من ليبيا واليمن وسوريا وغيرها على تفاوت في الطبيعة السلمية للاحتجاجات والاستجابة الدولية والاقليمية لمطالب ومصالح الجماهير الثائرة.
3- شهد العام 2011 كذلك بداية استخدام مجموعات الثورة الشبابية السودانية لمواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها أداة للحشد وصناعة الأحداث بدلا عن مجرد وسيط إعلامي بديل لنقل وتبادل الأخبار والمعلومات عن الفساد والانتهاكات والاحتجاجات وقد ظل وجود هذه المجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي والانترنت عصيا إلى حد كبير على السيطرة والإفساد والاختراق من قبل أجهزة النظام الأمنية عكس الأجسام السياسية والمدنية التي يبدأ وجودها وينتهي على الأرض.
4- ببداية عام 2011 اكتمل ارساء قواعد جديدة لما يمكن أن نسمية لعبة المقاومة السياسية للنظام، تجاوزت هذه القواعد الجديدة الأطر والبنيات السياسية التقليدية وأصبح التفاعل مع الشارع يتم عبر واجهات جديدة غير مألوفة للنظام وغير مألوفة للمعارضة. لقد اتضحت أبرز ملامح هذا الواقع الجديد من خلال حملة "قرفنا" لإسقاط المؤتمر الوطني خلال الانتخابات العامة التي جرى تزويرها في العام السابق 2010 وربما لا نبالغ إن قلنا أن هذه الحملة قد رسمت طريقة جديدة للتفكير والسلوك السياسي الذي حدد ملامح الاحتجاجات السلمية فيما بعد.
5- لم يأت العام 2011 إلا وقد تبلورت أجسام فاعلة من المقاومين المطلبيين والفئويين والمناطقيين الذين تفهموا لهذه الدرجة أو تلك أن تحقيق الأهداف والغايات الخاصة بمطالبهم وفئاتهم ومناطقهم لن يتم إلا باختفاء نظام الإنقاذ الشمولي من الوجود وعلى رأس هذه الأجسام كانت مبادرة لا لقهر النساء ولجنة المعلمين ولجنة الأطباء وشبكة الصحفيين السودانيين وصحفيون لحقوق الإنسان ومجلس المتأثرين بالسدود ورابطة طلاب دارفور واتحاد مزارعي الجزيرة وغيرها من الأجسام التي بدأت تقود نشاطا نضاليا وثوريا محموما وسط الجماهير.
غني عن البيان أن جل هذه الأجسام قد ملأ مكانا كان قد أشغره غياب النقابات المهنية الحقيقية التي تعبر عن هموم وجراحات قواعدها من المهنيين والتي اجتهد النظام بالبطش تارة وبالتزييف تارة أخرى في تغييب هذه النقابات. غني عن البيان أيضا أن هذه الأجسام قد شكلت الحلقة المفقودة بين الخطاب السياسي المتعالي وبين السلوك الاجتماعي اليومي للجماهير. فوجد الناس، بعد غيبة طويلة ربما، طريقة "سياسية" للتعبير عن رفضهم للظلامات التي تقع عليهم بشكل يومي ومباشر ولمحاورة مقاومتهم لها.
فرضت هذه العوامل الخمسة وغيرها واقعا سياسيا جديدا يصرخ بعلو الصوت ويقول أن الجماهير السودانية تستحق – ومن الممكن - أن تُحكـَم بطريقة أفضل بكثيرمن تلك التي ظل يقدمها نظام الترابي وعمر حسن احمد البشير وحركتهما الإسلامية منذ الثلاثين من يونيو 1989. ووضعت – العوامل – على طاولة الفعل والنقاش اليومي لرجل الشارع مخازي وسوءات النظام والتي يتمثل أبرزها فيما يلي
1- لم يمت شعب على يد السلطة التي يفترض أنها تحميه مثلما مات شعب السودان ومثلما قتل على يد سلطة نظام عمر حسن احمد البشير.
تقديرات القتلى في حرب الجنوب في عهده تعدت المليوني نسمة جلهم من المدنيين. أوسط التقديرات لقتلى الإبادة في دارفور كانت أكثر من ثلاثمائة ألف في العام 2006 ولا يزال النظام يقتل الناس هناك حتى يوم الناس هذا. إضافة إلى القتلى الكثيرين في الحروب الجديدة في جنوب كردفان والنيل الأزرق ومعدلات عالية جدا من الوفيات نتيجة لأمراض يشكل سوء الإدارة الحكومية والفساد السياسي سببا جوهريا في تفشيها بين المواطنين.
2- لم يتبع نظام في العالم الآن ولا في التاريخ استراتيجية ممنهجة لإفقار وتجويع مواطنيه في حواضرهم وأريافهم مثلما فعل نظام عمر حسن احمد البشير عبر سياسات فصل تعسفي للصالح العام شملت مئات الالاف من موظفي الخدمة المدنية والقوات النظامية والعسكرية واحتكار قاس للفرص والوظائف لفئة قليلة من الموالين والمحاسيب عبر ربع قرن من الزمان وتدمير وتجفيف مبرمج ومدروس لكل المشروعات الاقتصادية الكبرى تقريبا وعلى رأسها مشروع الجزيرة الذي كان في وقت ما أكبر مزرعة بإدارة واحدة في أفريقيا كلها.
3- لم يكتف نظام البشير بإلغاء مجانية التعليم والعلاج فعليا بل طفق يدمر التميز النوعي للخدمات التعليمية والعلاجية فصار الخريج الجامعي يفتقر للمهارات الأساسية في الكتابة ناهيك عن مهارات مهنته بعدما كان السودانيون ماركة مميزة في الجودة الوظيفية والمهنية.
4- وبعد ستة وعشرين عاما من السيطرة واستغلال الموارد والمقدرات يعجز نظام البشير عن مد المواطنين في قلب العاصمة الخرطوم بمياه الشرب، نقية كانت أو ملوثة. فما الذي لا يجعل أي بديل أيا كان أفضل منه بكثير؟
5- هذا كله فوق أن النظام الحاكم في السودان بات يمثل، إضافة لطبيعته الشمولية والعنصرية والدينية المتزمتة، نموذجا صارخا لما تبقى من ديكتاتوريات عسكرية قليلة على ظهر الكوكب (جين شارب، من الديكتاتورية إلى الديمقراطية- إطار نظري للتحرر، ترجمة عمر دار علي، مؤسسة البرت انشتاين، ص 11 )
ولا يمكن بحال من الأحوال إحصاء كل المخازي والإخفاقات ولكن يمكن قراءة خطوط رئيسية لها من خلال الشعار (حرية سلام وعدالة) الذي اختاره الشباب الثائر ضد نظام الحكم في الخرطوم للثورة والذي لم يتم اجتراحه – بكل تأكيد – حذلقة واعتباطا. فالمواطن السوداني يفتقد أبسط الحريات في ظل حكم البشير. بدءا من حرية التوحد مع مكونه الثقافي والجهوي المتعارض مع ما تحاول فرضه السلطة التي نشأت بالأساس منحازة لمكون بعينه مرورا بكل الحريات الأساسية التي نص عليها الدستور الانتقالي في 2005 نظريا وانتهكها عمليا بتشريعات وسياسيات وممارسات متناقضة جمة.
عن السلام والعدالة فحدث ولا حرج. وباختصار فإن السودانيين يعيشون نموذجا لحالة القمع والظلم والحرمان وانعدام الطمأنينة ليس له مثيل.
لكن أيضا كان السودانيون وإلى ما قبل 2011 يعيشون وضعا سياسيا واجتماعيا يصعب معه إلى أقصى الحدود، إن لم نقل يستحيل تماما، انخراط الناس في عملية احتجاج سلمية متصلة تقود إلى التغيير، فالأطر والتنظيمات السياسية التقليدية أصيبت بالكساح وانعدم تواصلها الإيجابي مع جماهيرها بفعل ضربات الرعب التي ظل يوجهها لها النظام الأمني طيلة ما يزيد عن العشرين عاما، والإعلام المحلي تم تدجينه تماما، وتعذر بل استحال تقريبا الحصول على قناة تلفزيونية تعمل لأجل التغيير في السودان أو تدعمه على الأقل بدون شروط أو حدود، وهو الأمر الذي كان حاسما وأساسيا في إنجاز التغيير في العديد من الدول المجاورة، وكثير من الدوائر الإقليمية والعالمية المتنفذة كانت تعمل بسخاء من أجل تثبيت أركان النظام رغم ما ظل يرتكب من فظاعات ولا شيء يشبه توقع الثورة السلمية الشاملة في البلاد بحالتها تلك إلا أن تتوقع انبجاس الماء العذب الزلال من الصخرة الصماء.
لكن ما حدث في 2011 وما بعدها حقق تلك المعجزة السياسية في تقديرنا المتواضع وكانت ينابيع الصخور والانفجارات السلمية لثورة التغيير السوداني التي لن يمضي وقت طويل بإذن الله حتى تنجز إسقاط النظام وبناء دولة المواطنة والكرامة الانسانية والحقوق والحريات والتطور والنماء في الرقعة السودانية، أخلق بقاع الأرض انسانا بذلك.

هل هو ضروري؟ هل هو ممكن؟
فتحي البحيري
عن واجب إسقاط النظام بثورة سلمية متصاعدة وعن التغيير السياسي الجذري والشامل نتحدث، سيداتي آنساتي سادتي. فهل هو مهمة وواجب ممكن التنفيذ؟ وهل هناك ضرورة وجودية ملحة لذلك الواجب/المهمة؟
من سوء حظنا - وحظهم أيضا - أن هناك متكلمون لا يزال بلا- جدوى السعي لتغيير النظام ولا- صحة هذا الاتجاه رغم أرتال الشهداء الأطهار ورغم كل ما تحقق من انتصارات نوعية ونسبية جعلت المؤمنين الآن بضرورة التغيير وبحتمية نجاحه أكثر بكثير منهم قبل أربع سنوات مثلا
إن مشاركتهم – أعني هؤلاء المتكلمين - لنا نفس الحال ونفس المصير سواء تبعونا أو تبعناهم يحتم علينا من الناحية الأخلاقية والانسانية المحضة عدم اليأس من جدالهم وعدم الضيق والتبرم من نقاشهم حتى آخر حججهم وحججنا
بعد مرور أكثر من أربعة أعوام على انبثاق ما عرف بالربيع العربي، وبعد تطلُّع العالم إلى تجربة تطبيقية ملهمة أخرى لنضالات اللاعنف في العالم والتاريخ، لا تبدو الصورة واضحة ولا حاسمة بما يكفي للحكم بأن شعوب المنطقة في طريقها لعبور هذه التجربة بنجاح معقول يفضي إلى أوضاع سياسية تتمتع بما يكفي من حرية وعدالة وسلام واستقرار.
والمشكلة هنا ليس في ما يحدث على الأرض بقدر ما هي في افتراض أن من الممكن أن تعبر هذه الشعوب من واقعها المعقد هذا، وفي سنوات قليلة، بـ(صورة) حاسمة وواضحة إلى زمن العدل والحرية والاستقرار. فنحن هنا أشبه ما نكون بانتظار ولادة بشرية بعد ساعات من الحمل وليس تسعة أشهر كاملة.
إزاء هذا يتعين علينا قياس مدى النجاح الذي تحقق بشكل كمي وليس كيفيا. بمعنى إلى أي مدى صارت شعوب هذه الدول وغيرها أكثر ميلا للمقاومة اللاعنفية كبديل عن الاستسلام للخنوع وعن الانزلاق في العنف كليهما. وإلى أي حد يرتبط هذا الميل – إذا وجد – بتحقيق نجاحات نسبية على صعد الاستقرار والحرية والعدالة.
فمن الاستحالة موضوعيا تجريد الديكتاتوريات المتجذرة في هذه البلدان من مصادر قوتها السياسية المتمثلة في السلطة والمصادر البشرية والمادية والمهارات والنظام العقابي والعوامل الأخرى غيرالملموسة (جين شارب، من الديكتاتورية إلى الديمقراطية- إطار نظري للتحرر، ترجمة عمر دار علي، مؤسسة البرت انشتاين ، ط 2 سنة 2003، ص 22) وإقناع الجماهير بسحب تعاونها معها وخضوعها لها في هذا الحيز الزمني الضيق، فالتغيير المنشود عملية تتطلب تفاعلات معقدة للوعي والسلوك والقدوة والتضحية والتضامن والتي سيرفع بعضها بعضا ضمن حلقات من النضال اللاعنفي المستمر.
مهمة هذا المقال هيالالتفات إلى والتنويه بدرجة لا بأس بها لتزايد هذا الميل في واحدة من الدول المتأثرة بموجة الربيع العربي خلال الفترة الممتدة بين 2011 و 2015 وإلى أي مدى كان هذا التزايد يحقق إنجازات جزئية في مجال القضاء على مظاهر الفوضى والقهر والظلم وصولا إلى خلخلة أركان النظام الديكتاتوري القائم وإسقاطه بشكل ممرحل. وهي مهمة تستبطن رصد وقائع الاحتجاجات خلال الفترة المعنية وحساب وتحليل معدلات تزايدها وصولا للنتائج.ثم السعي لاستكناه تأثيرذلك على قمع القمع السلطوي للمحتجين – إن جاز التعبير- ومحاصرة الظلم والفساد والانتهاكات. وإلى أي مدى يمكن أن يقود هذا التصاعد إلى إزالة الديكتاتورية بشكل تام وإقامة دولة الحرية والعدالة والسلام والاستقرار في السودان.
على الرغم من أن الثورة السودانية ضد نظام الإنقاذ الذي اتسم بأسوأ أنواع الفساد والانتهاكات في تاريخ البلاد لم تتوقف قط طيلة الستة وعشرين عاما إلا أن العام 2011 شكل علامة فارقة في تاريخ هذا النضال المتصل وذلك لعدة أسباب نذكر منها ما يلي :
1- شهد هذا العام انفصال أو استقلال جنوب السودان كنهاية صادمة –رغما عن أنها كانت متوقعة – لاتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) والتي نجح حزب المؤتمر الوطني في جعلها أداة لتفكيك الوطن بدلا عن تفكيك سلطته الشمولية. وبانتهاء الاتفاقية وانفصال الجنوب انكشف عن النظام غطاء من الحماية المعنوية فضلا عن تحمله للمسئولية السياسية والأخلاقية عن فقدان البلاد لثلث مساحتها وربع سكانها ومعظم مواردها الاقتصادية. فكان أن استمرت الحرب الأهلية بعد الانفصال. حيث لم يجن السودانيون من حرب النظام الطويلة ولا من اتفاقياته العديدة وحدة طوعية ولا سلاما مستداما.
2- كان عام 2011 أيضا بداية لما سمي بالربيع العربي الذي تمكن من الإطاحة بأنظمة الحكم الدكتاتورية في تونس ومصر بحلول منتصف فبراير 2011 عبر احتجاجات سلمية مئة بالمئة وتمدد الزلزال الثوري ليشمل فيما بعد كل من ليبيا واليمن وسوريا وغيرها على تفاوت في الطبيعة السلمية للاحتجاجات والاستجابة الدولية والاقليمية لمطالب ومصالح الجماهير الثائرة.
3- شهد العام 2011 كذلك بداية استخدام مجموعات الثورة الشبابية السودانية لمواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها أداة للحشد وصناعة الأحداث بدلا عن مجرد وسيط إعلامي بديل لنقل وتبادل الأخبار والمعلومات عن الفساد والانتهاكات والاحتجاجات وقد ظل وجود هذه المجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي والانترنت عصيا إلى حد كبير على السيطرة والإفساد والاختراق من قبل أجهزة النظام الأمنية عكس الأجسام السياسية والمدنية التي يبدأ وجودها وينتهي على الأرض.
4- ببداية عام 2011 اكتمل ارساء قواعد جديدة لما يمكن أن نسمية لعبة المقاومة السياسية للنظام، تجاوزت هذه القواعد الجديدة الأطر والبنيات السياسية التقليدية وأصبح التفاعل مع الشارع يتم عبر واجهات جديدة غير مألوفة للنظام وغير مألوفة للمعارضة. لقد اتضحت أبرز ملامح هذا الواقع الجديد من خلال حملة "قرفنا" لإسقاط المؤتمر الوطني خلال الانتخابات العامة التي جرى تزويرها في العام السابق 2010 وربما لا نبالغ إن قلنا أن هذه الحملة قد رسمت طريقة جديدة للتفكير والسلوك السياسي الذي حدد ملامح الاحتجاجات السلمية فيما بعد.
5- لم يأت العام 2011 إلا وقد تبلورت أجسام فاعلة من المقاومين المطلبيين والفئويين والمناطقيين الذين تفهموا لهذه الدرجة أو تلك أن تحقيق الأهداف والغايات الخاصة بمطالبهم وفئاتهم ومناطقهم لن يتم إلا باختفاء نظام الإنقاذ الشمولي من الوجود وعلى رأس هذه الأجسام كانت مبادرة لا لقهر النساء ولجنة المعلمين ولجنة الأطباء وشبكة الصحفيين السودانيين وصحفيون لحقوق الإنسان ومجلس المتأثرين بالسدود ورابطة طلاب دارفور واتحاد مزارعي الجزيرة وغيرها من الأجسام التي بدأت تقود نشاطا نضاليا وثوريا محموما وسط الجماهير.
غني عن البيان أن جل هذه الأجسام قد ملأ مكانا كان قد أشغره غياب النقابات المهنية الحقيقية التي تعبر عن هموم وجراحات قواعدها من المهنيين والتي اجتهد النظام بالبطش تارة وبالتزييف تارة أخرى في تغييب هذه النقابات. غني عن البيان أيضا أن هذه الأجسام قد شكلت الحلقة المفقودة بين الخطاب السياسي المتعالي وبين السلوك الاجتماعي اليومي للجماهير. فوجد الناس، بعد غيبة طويلة ربما، طريقة "سياسية" للتعبير عن رفضهم للظلامات التي تقع عليهم بشكل يومي ومباشر ولمحاورة مقاومتهم لها.
فرضت هذه العوامل الخمسة وغيرها واقعا سياسيا جديدا يصرخ بعلو الصوت ويقول أن الجماهير السودانية تستحق – ومن الممكن - أن تُحكـَم بطريقة أفضل بكثيرمن تلك التي ظل يقدمها نظام الترابي وعمر حسن احمد البشير وحركتهما الإسلامية منذ الثلاثين من يونيو 1989. ووضعت – العوامل – على طاولة الفعل والنقاش اليومي لرجل الشارع مخازي وسوءات النظام والتي يتمثل أبرزها فيما يلي
1- لم يمت شعب على يد السلطة التي يفترض أنها تحميه مثلما مات شعب السودان ومثلما قتل على يد سلطة نظام عمر حسن احمد البشير.
تقديرات القتلى في حرب الجنوب في عهده تعدت المليوني نسمة جلهم من المدنيين. أوسط التقديرات لقتلى الإبادة في دارفور كانت أكثر من ثلاثمائة ألف في العام 2006 ولا يزال النظام يقتل الناس هناك حتى يوم الناس هذا. إضافة إلى القتلى الكثيرين في الحروب الجديدة في جنوب كردفان والنيل الأزرق ومعدلات عالية جدا من الوفيات نتيجة لأمراض يشكل سوء الإدارة الحكومية والفساد السياسي سببا جوهريا في تفشيها بين المواطنين.
2- لم يتبع نظام في العالم الآن ولا في التاريخ استراتيجية ممنهجة لإفقار وتجويع مواطنيه في حواضرهم وأريافهم مثلما فعل نظام عمر حسن احمد البشير عبر سياسات فصل تعسفي للصالح العام شملت مئات الالاف من موظفي الخدمة المدنية والقوات النظامية والعسكرية واحتكار قاس للفرص والوظائف لفئة قليلة من الموالين والمحاسيب عبر ربع قرن من الزمان وتدمير وتجفيف مبرمج ومدروس لكل المشروعات الاقتصادية الكبرى تقريبا وعلى رأسها مشروع الجزيرة الذي كان في وقت ما أكبر مزرعة بإدارة واحدة في أفريقيا كلها.
3- لم يكتف نظام البشير بإلغاء مجانية التعليم والعلاج فعليا بل طفق يدمر التميز النوعي للخدمات التعليمية والعلاجية فصار الخريج الجامعي يفتقر للمهارات الأساسية في الكتابة ناهيك عن مهارات مهنته بعدما كان السودانيون ماركة مميزة في الجودة الوظيفية والمهنية.
4- وبعد ستة وعشرين عاما من السيطرة واستغلال الموارد والمقدرات يعجز نظام البشير عن مد المواطنين في قلب العاصمة الخرطوم بمياه الشرب، نقية كانت أو ملوثة. فما الذي لا يجعل أي بديل أيا كان أفضل منه بكثير؟
5- هذا كله فوق أن النظام الحاكم في السودان بات يمثل، إضافة لطبيعته الشمولية والعنصرية والدينية المتزمتة، نموذجا صارخا لما تبقى من ديكتاتوريات عسكرية قليلة على ظهر الكوكب (جين شارب، من الديكتاتورية إلى الديمقراطية- إطار نظري للتحرر، ترجمة عمر دار علي، مؤسسة البرت انشتاين، ص 11 )
ولا يمكن بحال من الأحوال إحصاء كل المخازي والإخفاقات ولكن يمكن قراءة خطوط رئيسية لها من خلال الشعار (حرية سلام وعدالة) الذي اختاره الشباب الثائر ضد نظام الحكم في الخرطوم للثورة والذي لم يتم اجتراحه – بكل تأكيد – حذلقة واعتباطا. فالمواطن السوداني يفتقد أبسط الحريات في ظل حكم البشير. بدءا من حرية التوحد مع مكونه الثقافي والجهوي المتعارض مع ما تحاول فرضه السلطة التي نشأت بالأساس منحازة لمكون بعينه مرورا بكل الحريات الأساسية التي نص عليها الدستور الانتقالي في 2005 نظريا وانتهكها عمليا بتشريعات وسياسيات وممارسات متناقضة جمة.
عن السلام والعدالة فحدث ولا حرج. وباختصار فإن السودانيين يعيشون نموذجا لحالة القمع والظلم والحرمان وانعدام الطمأنينة ليس له مثيل.
لكن أيضا كان السودانيون وإلى ما قبل 2011 يعيشون وضعا سياسيا واجتماعيا يصعب معه إلى أقصى الحدود، إن لم نقل يستحيل تماما، انخراط الناس في عملية احتجاج سلمية متصلة تقود إلى التغيير، فالأطر والتنظيمات السياسية التقليدية أصيبت بالكساح وانعدم تواصلها الإيجابي مع جماهيرها بفعل ضربات الرعب التي ظل يوجهها لها النظام الأمني طيلة ما يزيد عن العشرين عاما، والإعلام المحلي تم تدجينه تماما، وتعذر بل استحال تقريبا الحصول على قناة تلفزيونية تعمل لأجل التغيير في السودان أو تدعمه على الأقل بدون شروط أو حدود، وهو الأمر الذي كان حاسما وأساسيا في إنجاز التغيير في العديد من الدول المجاورة، وكثير من الدوائر الإقليمية والعالمية المتنفذة كانت تعمل بسخاء من أجل تثبيت أركان النظام رغم ما ظل يرتكب من فظاعات ولا شيء يشبه توقع الثورة السلمية الشاملة في البلاد بحالتها تلك إلا أن تتوقع انبجاس الماء العذب الزلال من الصخرة الصماء.
لكن ما حدث في 2011 وما بعدها حقق تلك المعجزة السياسية في تقديرنا المتواضع وكانت ينابيع الصخور والانفجارات السلمية لثورة التغيير السوداني التي لن يمضي وقت طويل بإذن الله حتى تنجز إسقاط النظام وبناء دولة المواطنة والكرامة الانسانية والحقوق والحريات والتطور والنماء في الرقعة السودانية، أخلق بقاع الأرض انسانا بذلك.

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1602

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فتحي البحيري
فتحي البحيري

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة