المرأة في السودان القديم
07-22-2015 06:55 PM


المقصود بالسودان القديم هنا، هو الفترة التي تغطي العصور الحجرية ، وحضارات المجموعات، وحضارة كرمة ونبتة ومروي.
معلوم أنه في العصور الحجرية، شأن كل المجتمعات التي مرت بهذه الفترة، كان نشاط سكان السودان البدائيين يقوم علي تقسيم العمل بين الجنسين، الرجال ينصرفون الي الصيد أو القنص، بينما تنصرف النساء الي التقاط الثمار والحيوانات الصغيرة غير المؤذية، إضافة للعمل المنزلي وتربية الأطفال وصناعة الفخار والأواني المنزلية وصناعة النسيج أو الملابس من الصوف أو جلود الحيوانات، وإستخدام تقنية النار والمحافظة عليها.
وفي خواتيم العصر الحجري الحديث "3500 -3100 ق.م" بدأ السودانيون يستقرون علي جانبي النيل ومارسوا صيد الأسماك، والفوا الضأن والماعز، ولم يلبثوا أن مارسوا الزراعة بعد ذلك بقليل.
كان إكتشاف الزراعة وتربية الحيوان " الثورة النيولتية" نقطة تحول مهمة، فقد حققت " الثورة النيولتية" لأول مرة منذ فجر البشرية وسائل لرقابة الإنسان مباشرة، وتلك أهميتها الرئيسية، فطرائق جمع الثمار والصيد هي طرائق سلبية، ولكن طريقة الزراعة وتربية الحيوانات هي طريقة فعَالة تمون وتزيد الموارد. وكذلك فإن "الثورة النيولوتية" تحقق لتطور أدوات العمل دفعا كبيراإلي الأمام، فهي بخلقها نتاجا فائضا دائما تخلق إمكانية الصناعة الحرفية المحترفة.
ومع قيام "الثورة النيولوتية" تظهر الشعوب الزراعية والشعوب الرعوية.
وإذا كانت الزراعة هي أساس الحضارة ، يمكن القول أن حضارة المجموعة "أ"، " وج" ( 2500- 2800 ق.م) هي بداية الحضارة السودانية، ففي هذه الحضارة عرف الإنسان السوداني الزراعة والرعي.
كما عرفت القبائل السودانية القديمة ظاهرة تقديس وتقدير المرأة " الملكات الأم"، كما عرفت نظام الأمومة الذي عرفته شعوب أخري ، وأديان كانت قائمة علي عبادة الهات الخصب ، ويري البعض أن نظام الأمومة الذي يمكن البرهان علي وجوده لدي شعوب شتي بالغة مستوي واحدا من التطور الإجتماعي مرتبط أيضا بالدور الذي لعبته النساء في إكتشاف الزراعة ( أنظر ماندل : النظرية الإقتصادية الماركسية 1972م).
كما يعدد بعض علماء الإجتماع والإقتصاد من أمثال: سومر وكبلر وفرينز وهابشلهايم عددا كبيرا من أنظمة الأمومة التي اقيم البرهان علي وجودها لدي شعوب زراعية بدائية ( ماندل : 31).
وفي المجتمعات البدائية كانت الزراعة تمارس في إطار نظام يقوم علي الملكية المشاعية للأرض ، وأن البنية الإجتماعية كانت تقوم علي الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، ولم تعرف الفوارق الطبقية والفوارق الإجتماعية بين الرجال والنساء، كما لم تعرف الدولة وأدوات قمعها وحمايتها مثل : الجيش والسجون..الخ.
كانت مملكة كرمة نقطة تحول حاسمة في تطور الحضارة السودانية ، فقد قامت أول دولة سودانية ، ونشأ جهاز دولة يتكون من : الحكام والكهنة ، والموظفين والسياسيين، وظهر أول انقسام طبقي يتلخص في طبقة الحكام والكهنة والموظفين والملاك، وطبقة أصحاب الحرف والمزارعين والرقيق.
وبظهور مملكة كرمة بدأت تنحسر أو تتقلص الملكية المشاعية للأرض التي كانت سائدة في حضارة المجموعة "أ" والمجموعة"ج".
ومنذ تلك اللحظة بدأت تظهر عدم المساواة بين الرجال والنساء، وبدأ الرجل يتفوق علي المرأة من زاوية التفاوت في ملكية الماشية وملكية المحصول، وأصبح دور المرأة يقل تدريجيا في النشاط الإقتصادي في المجتمع ، واستمر هذا الاتجاه يتعمق مع تطور الدولة والانقسام الطبقي في حضارتي نبتة ومروي.
كان للمرأة دور بارز في حضارة السودان القديم ، وكانت تقاليد المرويين الراسخة القديمة تقتضي أن تلعب والدة الملك دورا فعَالا في حكم البلاد. فكان لقبها ( كنداكة) والتي ربما تعني الأم العظيمة، وإذا توفيت والدة الملك فبوسعه أن يختار سيدة من الأسرة المالكة تحل محل الملكة الأم. كما نري علي الآثار رسوم بعض هذه الملكات يقدَمن القرابين للالهة أو يمثلن ابطالا منتصرين.
من العادات الثقافية ، عرف السودان القديم عادة الختان الفرعوني الذي مازال مستمرا حتي الآن، كما عرف الشلوخ التي تحمل مدلولا جماليا وفنيا خاصة بالنسبة للمرأة في العهد المروي، فضلا عن عادة ( المشاط) أو تصفيف الشعر التي كانت سائدة في بلاد النوبة منذ عهود سحيقة ( د. يوسف فضل: الشلوخ، 1976م، ص 24- 46).
وفي مؤلف صلاح عمر الصادق "نساء حكمن السودان قديما: نساء وملكات مملكة مروي" ، إشارة للدور المهم الذي كانت تقوم به المرأة في الحياة الإجتماعية والدينية والسياسية والحربية في مملكة مروي مثل: الملكة شنكدخيتو، واماني شاخيتو ، واماني تيري..الخ.
كما يشيربازل دافيدسن " أن الملوك الآلهة والملكات في مروي كانوا علي حظ من الثقافة وسعة الافق ويعلمون كثيرا عن عظمة القصور في مصر وينتفعون بعلمهم في عيشهم الباذخ، كما تصوره نقوش معابدهم وحماماتهم ، وأنهم يصرفون من فراغهم ومالهم الكثير في إقامة الصروح وتنمية ذوقهم في الفنون" ( بازل دافدسن: أفريقيا تحت أضواء جديدة، ترجمة جمال محمد أحمد، بيروت 1961م).
يواصل" دافدسن" ويقول: كان لأهالي مروي ثقافة محلية أصيلة أصالة الفنون التي أتقنوها كالحلي الفاخرة لنسائهم والعقود من الحجارة النفيسة كالعقيق حيث لايجد الباحث في هذه الصناعات والفنون اثرا لتقليد الأمر الذي جعل علماء الآثار يظنون أن حليهم ومجوهراتهم كانت من صنعهم وخلفهم ثمانية قرون من الزمان.
ويشير" دافدسن" إلي أن : مروي قد لعبت الدور نفسه الذي لعبته أثينا فطورت مثلها فنونها المميزة التي عرفنا طرفا منها ووزعت المعرفة واذاعت إلي افريقيا ما اذاعت من خبرة الثقافة والصناعة والعمران. وقد تكون مروي آنذاك علي صلة برصيفتها اثينا ، وهذا شاعر يوناني يدعي " هيلودروس" وقد عاش في القرن الثالث الميلادي يحكي قصة غرام شب في قلب فتاة مروية لشاب يوناني وسيم ، وحسب" دافدسن": قد تكون الفتاة شاعرة كتبت شعرها باللغة المروية.
وفي فترة حكم " الفراعنة" للسودان بعد سقوط مملكة كرمة ، ربما يكون السودان تأثر بهذا القدر أو ذاك فيما يختص بتطور المرأة بما كان الحال عليه في مصر ، حيث كانت المرأة تساهم بقسط وافر في العمل المنزلي والحقل والصناعة الحرفية والنسيج..الخ، ولعبت أدوارا بارزة في الدين والسياسة والحكم وتولي العرش ، واشتركت المرأة في الحياة الدينية ، فكانت هناك آلهات تقدم لهن القرابين وتقام لأعيادهن حفلات رائعة ، فمنهن : آلهة العدل وآلهة الحقول وآلهة السماء وآلهة الكتابة وآلهة الحصاد وآلهة الحب والجمال والخصب وآلهة الموسيقي وآلهة الولادة. ومن العادات ايضا كانت المرأة كثيرة البكاء والنحيب واللطم علي الخدود وصيغ وجهها بالنيلة وتلطيخ رأسها بالوحل أو التراب حزنا علي وفاة ذويها هذا إضافة للازياء مثل : الرحط " الرهط" والرقص شبة عارية في الحفلات ، وغير ذلك من العادات الثقافية للمرأة التي ترجع إلي عهود موغلة في القدم ( للمزيد من التفاصيل راجع وليم نظير : المرأة في تاريخ مصر القديم ، دار القلم ، القاهرة 1965م).

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 5650

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




تاج السر عثمان
تاج السر عثمان

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة