المقالات
منوعات
إستعراض كتاب بين عالمين - 1
إستعراض كتاب بين عالمين - 1
07-23-2015 08:31 AM

عنوان الكتاب : بين عالمين : الإقليـم الحــدودي بين النوبـة
القديمة ومصر في الفترة ما بين 3700 قبل الميلاد - 500 ميلادي
المؤلف : خبير الآثار المجري لازلو توروك - المقـال بقلم :
ستيوارت تايسون سميث – جامعة كاليفورنيا


يبحث (لازلو توروك) في هذا الكتاب التاريخ الطويل من التفاعل بين مصر والنوبة القديمة من خلال منظور النوبة السفلى ، ذلك الإقليم الذي يقع بين الشلال الأول والثاني (ويقع معظمه اليوم في مصر) . يبدأ (توروك) في البداية بتناول النوبة السفلى كإقليم حدودي بين مصر والنوبة العليا (شمالي السودان حيث نهضت هناك حضارتان هامتان هما كرمة ، نبته ومروي الكوشيتين) . تسلط الفصول الأربعة عشر التالية الضوء على النوبة السفلى كمحور للتفاعل السلمي أحيانا والميال للقتال تارة أخرى بين المصريين والنوبيين منذ أواخر العصر الحجري الحديث إلى العصر الحديدي . لقد ركز (توروك) في الغالب على فترة الإحتلال الإستعماري للمملكة الحديثة في مصر (مابين 1550 – 1070 ق م) والممالك النوبية المتتالية نبته ومروي ، بما في ذلك دراسة المواجهات المعقدة مع الحضارة الإغريقية والإمبراطورية الرومانية (850 ق م – 500 م ) . إن تضلع (توروك) في المؤلفات التاريخية والأثرية ، سمح له بأن يجمع المصدرين (أي التاريخي والأثري) بطرق متطورة ، ليقدم سياقا زاخرا نظرا لبراهينه جيدة الإستدلال . على إمتداد الكتاب ضّمن (توروك) قدرا كبيرا من الخلفية عن مصر والنوبة العليا معا والذي كانت له الفائدة في طرح إطار سياقي لبحثه عن التفاعل .

يرى (توروك) بأن النوبة السفلى كانت حدودا عامرة بالحركة مع أنماط تحول في السيطرة والتأثير من القوى العظمى التي تقع إلى الشمال والجنوب . بإتخاذه هذا الوقفة فإن (توروك) يتناغم مع الميول الحديثة في الدراسات النوبية التي تتحاشى رؤى المركزية المصرية القديمة ، المستمدة من نماذج مبسطة تشدد على الهيمنة المصرية على التطورت السياسية ، الإقتصادية ، الثقافية في المحيط التابع (بلاد النوبة) . مع أن (توروك) يرفض بشكل كبير مصطلح (نماذج) ، إلا أنه إستخدم بشكل صريح إطار نظري من التوافق على إمتداد عمله . بعد نهوض الدولة المصرية أولا وممالك النوبة العليا لاحقا كانت النوبة السفلى في الغالب خاضعة إما للقوى الشمالية أو الجنوبية أكثر من كونها مستقلة . إن السياسة الميّالة للقتال للفراعنة الأوّل التي أدت إلى تدمير وإخلاء النوبة السفلى (2800 ق م) ، كانت إحدى الأمثلة القليلة للحكم المستقل في النوبة السفلى . مبدئيا فقد تميزت العلاقة بين مصر والمجموعة (سي) التي ظهرت بعد إنسحاب المصريين من النوبة السفلى (2400 ق م) بالتفاوض والتجارة . لقد رأى (توروك) بأن الحث على إعادة إخضاع المصريين للنوبة السفلى قد جاء بسبب التوسع المذهل لدولة كرمه الوسطى (2050 – 1750 ق م) . مع أن هناك إعتقاد بأنها كانت نقطة حدود مصرية ، إلا أن كتاب (بين عالمين) يتضمن ملخصا جيدا لعمل أثري حديث ، يشرح فيه الأصول النوبية ، التعقيد وقوة هذه الدولة التي ظهرت في النوبة العليا لتنافس مصر . إن رفد القلاع والمدن المحصنة التي أنشئت في النوبة السفلى بأعداد صخمة من المستوطنين خلال فترة المملكة الوسطى ، أثر بشكل عميق على الحركة الثقافية للنوبة السفلى . لقد إعتمد (توروك) على دراستي (سميث – 1995 ، 2003) لطرح الفكرة القائلة بأن هذه المستعمرات كانت أماكن للتثاقف المشترك بين المستوطنين المصريين والمجموعات النوبية المختلفة التي عاشت في تلك المنطقة . لقد مضى (توروك) مجادلا بأن هذه المجتمعات التي عايشت التحول إلى سلطة كرمه (1650 ق م) وأعيد إخضاعها بواسطة مصر في (1550 ق م) ، وفرت الأساس والممر للتأثير المصري خلال فترة المملكة الحديثة .

إن إعادة البناء التي إختطها (توروك) لموضوع التوافق الديني والسياسة الإستبدادية خلال تلك الفترة ، تعتبر واحدة من أكثر أجزاء الكتاب متانة . لقد جادل بأن بناء معابد جديدة هامة وتأهيل مزارات المملكة الوسطى ، أوجد مشهدا دينيا جديدا ، يؤكد على السلطة الملكية ويصيغ علاقات جديدة بين المصريين والآلهة النوبية ، بل مضى مبرهنا بأن عمليات التوافق الديني أوجدت تبادلا دينيا بين بلاد النوبة ومصر . مثلا تأهيل معابد المملكة الوسطى وتفخيم الآلهة المصرية المرتبطة بالآلهة النوبية مثل خنوم ، ستيت ، أنوكيس ، أوجد ظاهرة الوحدة الدينية بين مصر والنوبة السفلى والعليا على السواء . في ذات الوقت فإن توافق الآلهة المصرية (حورس) و (حاتور) مع الآلهة المحلية في النوبة السفلى ، قدم نموذجا روحيا للتمصير الذي وحّد الأماكن المقدسة للغالب والمغلوب . لقد تمركز أكثر تعبير مؤثر لهذه الظاهرة في عبادة الكبش المحلي في النوبة العليا والذي توافق مع عبادة آمون – رع ، الآله الرئيسي للعاصمة في (طيبه) والعبادة البارزة للمملكة الحديثة . إن هذا التمصير غالبا ما يستخدم لإجراء مقارنة بين اليد العليا لمصر في بلاد النوبة وسياسة عدم التدخل تجاه تابعيها الشرقيين ، الذين بالإضافة إلى تأثرهم بمصر ، كان لهم تأثير واضح على الديانة والثقافة المصرية ، بما في ذلك تبني ألهة مثل (رشيب) و (بعل) في المعبد المصري . فوق ذلك فإن بعض المراكز الشرقية أظهرت أيضا مستوى مماثل من التأثير لا سيما (بيبلوس) الذي توافقت عبادته مع الآلهه المصرية (حاتور) . لقد أشار (توروك) بشكل مناسب إلى أن المقارنة بين نهايتي الإمبراطورية المصرية كان مبالغا فيه . لقد إحتفظ الأمراء النوبيين بدرحة ما من الإستقلالية ، كما أن الممارسات الروحية والدينية النوبية تأثرت بملامح العبادة التوافقية في بلاد النوبة ومصر .

مثلا لاحظ (توروك) أن صنع تماثيل الكبش النوبي قد أضيف إلى تصميم أيقونات (آمون – رع) وبناء على تصميم الأيقونات والنعوت جادل (توروك) بأن ظاهرة عبادة آمون في معبد الأقصر بطيبه ، ربما يمثل آمون النوبي في جبل البركل . كذلك تتبع (توروك) التأثير النوبي في بناء المعابد التي التي صممت على أوجه الجبال والحواف الصخرية مثل أبي سمبل في النوبة السفلى ، مما يشي بتاريخ طويل ومستمر للجبال المقدسة واستخدام الكهوف كمزارات . في رأيي فإن كتاب (بين عالمين) كان أقل نجاحا في توسيع فكرة التحول الدرامي في الممارسة الجنائزية لمصر السفلى . من جهته يؤيد (توروك) زعم (سيف – سوديربيرج) و (تروي) من أن المدفنة القروية في (فدروس) توثق فقط تبنيا إنتقائيا لممارسة الدفن المصرية لدى عامة السكان ، مع ملاحظة ندرة السمات المصرية المميزة مثل إزالة الأعضاء الداخلية ووضعها في جرات مظللة وتوفير التمائم المنقوشة بشكل خاص مثل جعران القلب والتماثيل الصغيرة . كما أشرت في مكان أخر فإن الفرضية القائلة بأن هذه الأغراض كانت متطلبات دفن أي مصري أصلي هو أمر لا يمكن تبريره في السجل الأثري (سميث 2003 – 155 – 159) . يناقش (توروك) مرة أخرى هذه ، بالتساوي بين دفن النخبة المصرية ودفن الأثرياء في (فدروس) . لقد قصرت هذه الممارسات في مصر على مستوى من المجتمع يساوي أمراء النوبة السفلى الذين يرى (توروك) بأنهم كانوا مزودين بهذه الأغراض . في المقابل إرتكب (توروك) خطأ حينما أثار إعتراضا أخرا من أن وضع الجثث في (فدروس) على أجنابها يتعارض مع وضع الوجه المصري قبالة أشعة الشمس المشرقة . لقد كانت الجثث توضع قبل وأثناء فترة المملكة الحديثة في مصر على أجنابها .
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1320

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد السيد علي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة