المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. أحمد الياس حسين
أخطاء ومسلمات في تاريخ السودان تتطلب ضرورة المراجعة (1)
أخطاء ومسلمات في تاريخ السودان تتطلب ضرورة المراجعة (1)
07-23-2015 03:17 PM

1 حملة عبد الله بن سعد عام 31 هـ

في لقاء مع شباب منتدي يثرب في قاعة بنك فيصل بالرياض يوم 26 مايوالماضي تناولنا موضوع حملة عبد الله بن سعد بن أبي سرح عام 31 هـ وأين دارت تلك المعركة؟ وقد أثارت المحاضرة نقاشاً موضوعياً داخل القاعة وامتد بعد ذلك على بعض وسائط التواصل الاجتماعي. ورأيت أن أفتح الموضوع مرة أخرى للمزيد من النقاش لتصحيح فهمنا ومراجعة ما هو مكتوب عن هذه الحملة في كتب التاريخ المنهجية في كل مراحل التعليم وفي كتب التاريخ العامة.
تمثل هذه الحملة محوراً مفصليّاً في تاريخ السودان بنينا على نتائجها المفترضة وعينا التاريخي وقامت عليها أسس تكوين مجتمعنا الحالى، في الوقت الذي تتطلب هذه الحملة ونتائجها التوقوف معها طويلاً من أجل مراجعتها واخضاعها للنقد التاريخي للتوصل إلى مدى مصداقية كل ما كتب عنها وما ترتب عليها من مسلمات.
وسبق أن تناولت هذا الموضوع في مجلة حروف التي كان يصدرها دارجامعة الخرطوم للنشر 1991، ثم تناولته على صفحات موقع سودانايل، ثم نشر الموضوع في كتاب أصدرته جامعه افريقيا العالمية عام 2011 بعنوان المؤتمر العالمي حول عهد البقط. غير أن الموضوع لا يزال في طور الطرق الخفيف لم يصل إلى ما يستحقه من النقاش والبحث. وها أنا أعاود الكرة راجياً نبش هذا الموضوع وعرضه وتشريحه وإعطاءه ما يستحقه من العناية.
يمثل نص المقريزي التالي المصدر الوحيد - بين عشرات النصوص الأخرى - الذي اعتمدنا عليه في تأسيس كل معلوماتنا عن حملة عبد الله بن سعد، ولا يكاد يخلو منه كتاب منهجيّاً أو عامّاً يعالج هذا الموضوع. يقول المقريزي:
" فغزاهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح ... وحاصرهم بمدينة دنقلة حصاراً شديداً، ورماهم بالمنجنيق، ولم تكن النوبة تعرفه وخسف بهم كنيستهم بحجر، وطلب ملكهم واسمه: قليدوروث الصلح، وخرج إلى عبد الله وأبدى ضعفاً ومسكنة وتواضعاً، فتلقاه عبد الله ورفعه وقرّبه، ثم قرر الصلح معه... وكتب لهم كتاباً"
وتحدثت كتب التاريخ عن معاهدة البقط التي تلت هذه المعركة وكيف أنها فتحت الباب أمام دخول الاسلام للسودان وتسرب العرب جماعات وأفراداً في يسر وبطء إلى بلاد البجة ومملكتي المقرة وعلوة. ونبدأ حديثنا بتعليق بروفسور يوسف فضل عن نص المقريزي هذا.
يعلق يوسف على رواية المقريزي هذه - بعد أن ذكر سبعة روايات تختلف في محتواها عن هذه الرواية - أنه يشوبها من الناحية التاريخية كثير من الشك. ورجع إلى بعض الأمثلة في نصوص الاتفاق التي توضح مصدر ذلك الشك مثل إشارة المعاهدة إلى المسجد الذي شيده المسلمين في دنقلة بعد معركة عبد الله بن سعد عام 31 هـ. ووضح يوسف أنه من غير المحتمل أن يكون المسلمون قد شيدوا مسجداً في تلك الفترة المبكرة، خاصة وأن ابن سُليم الأسواني الذي دخل مدينة دنقلة بعد أكثر من ثلاثمائة سنة من ذلك التاريخ لم يتعرض لمسجد في دنقلة.(yusuf Fadl Hassan, The Arabs and the Sudan p.24- 25)
وفي واقع الأمر فإن رواية المقريزي هذه عن غزوة عبد الله بن سعد عام 31 هـ والاتفاق الذي وقع بعدها يعانيان الضعف الشديد وعليهما عدد من المآخذ نتناول بعضها فيما يلي:
أولاً: الاسم المشهور للاتفاق الذي تم بعد هذه المعركة ليس " البقط " بل "صلح وهدنة". فقد ذكرت المصادر العربية المبكرة مثل ابن عبد الحكم والبلاذري والطبري والمسعودي وابن خرداذبة وياقوت الحموي والمقريزي نفسه عدد 22 نص لهذا الاتفاق تحت اسم " صلح وهدنة " بينما ذكر لفظ البقط في خمس روايات فقط. وفيما يلي بعض الأمثلة لنصوص ذلك الاتفاق. (انظر لتفاصيل ذلك: احمد الياس حسين: السودان الوعي بالذات وتأصيل الهوية ج 3 ص 154)
قال البلاذري في حديثه عن المعركة (في مصطفي محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية ص26- 27 نشير إلى هذا المصدر فيما يلي: مسعد، المكتبة) " فخرجوا إلينا ذات يوم فصافونا ونحن نريد أن نجعلها حملة واحدة بالسيوف، فما قدرنا على معالجتهم، ورمونا حتى ذهبت العيون ... فلم يصالحهم عمرو ، ولم يزل يكالبهم حتى نزع وولّي عبد الله بن أبي سرح فصالحهم" ويضبف البلاذري: "إنما الصلح بيننا وبين النوبة على أن لا نقاتلهم ولا يقاتلونا، وأن يعطونا رقيقا ونعطيهم بقدر ذلك طعاما"
وقال ابن عبد الحكم (في مسعد، المكتية ص 8) "ان عبد الله صالحهم على هدنة بينهم،على ألا يغزونهم ولا يغزو النوبة المسلمين، وأن النوبة يؤدون كل سنة إلى المسلمين كذاوكذا رأساً من السبي وأن المسلمين يؤدون إليهم من القمح كذا وكذا ومن العدس كذا وكذا في كل سنة"
وقال الطبري (في مسعد، المكتبة ص 36) "فلمّا ولّى عبد الله بن سعد بن أبى سرح مصر، ولاّه إياها عثمان بن عفان رضي الله عنه، صالحهم على هديّة عدّة رؤوس منهم، يؤدّونهم إلى المسلمين في كلّ سنة، ويهدي إليهم المسلمون في كلّ سنة طعاماً مسمّى وكسوة من نحو ذلك ... وأمضى ذلك الصلح عثمان بن عفان ومن بعده من الولاة والأمراء ، وأقره عمر بن عبد العزيز"
وذكر ابن الأثير (في مسعد ص 167) "فلما ولي عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر أيام عثمان صالحهم على هدية عدة رؤوس في كل سنة يؤدونهم إلى المسلمين، ويهدي إليهم المسلمون كل سنة طعاماً مسمى وكسوة، وأمضى ذلك الصلح عثمان ومن بعده من ولاة الأمور"
وذكر ابن خلدون (تاريخ ابن خلدون، ج 1 ص 115 موقع الوراق) أغزى عمرو العساكر إلى النوبة فلم يظفروا فلما كان أيام عثمان وعبد الله بن أبى سرح على مصر صالحهم على عدة رؤس في كل سنة ويهدى إليهم المسلمون طعاما وكسوة فاستمر ذلك فيها"
وذكر المقريزي (في مسعد ص 303) "الذي صولح عليه النوبة، ثلثمائة وستون رأساً لفيء المسلمين، ولصاحب مصر أربعون رأساً ويدفع إليهم ألف أردب قمحاً، ولرسله ثلثمائة أردب، ومن الشعير كذلك، ومن الخمر ألف اقتيز للمتملك، ولرسله ثلثمائة اقتيز، وفرسين من نتاج خيل الإمارة، ومن أصناف الثياب مائة ثوب، ومن القباطيّ أربعة أثواب للمتملك ولرسله ثلاثة، ومن البقطرية، ثمانية أثواب، ومن المعلمة خمسة أثواب وجبة مجملة للملك، ومن قمص أبي بقطر عشرة أثواب، ومن أحاص عشرة أثواب، وهي ثياب غلاظ."
ويتضح جليّاً مخالفة هذه النصوص لنص المقريزي جملة وتفصيلاً نلاحط بعضها في الآتي: قرر المقريزي في نصه هذا أن النوبة أنهزموا في المعركة، فيما وضح البلاذري أنهم لم يقدروا على النوبة ولذلك صالحوهم.، ولم يكن هنالك منهزم ومنتصر بل اتفق الطرفان على الهدنة ووقف القتال.
كما لم يرد في النصوص المذكورة وفي غيرها أن المسلين وصلوا مدينة دنقلة، ولم يرد ذكر لملك دنقلة وهي المعلومات التي انفرد بها المقريزي في نصه المعتمد لدينا. وقد ذكرت المصادر العربية المبكرة التي أشرنا إليها أعلاه في أحد عشرة نصّاً لهذا الاتفاق أن النوبة يدفعون الرقيق وفي المقابل يدفع المسلمون العِوض، كما في النصوص المذكورة أعلاه.
يقول البلاذري (في مسعد، المكتبة ص 26) على سبيل المثال: " إلزام النوبة في كل سنة ثلاث مئة رأس وستين رأسا وزرافة، على أن يعطوا قمحا وخل خمر وثيابا وفرشا أو قيمته" وذكر المقريزي (في مسعد، الكتبة ص 303 - 304) أن والي مصر عبد العزيز بن مروان عام 211 هـ استنكر تقديم المسلمين الخمر للنوبة في هذا الاتفاق. وحدد ابن الفرات (في مسعد ص 264) كمية القمح المقدمة للنوبة بأنها3600 أردب.
ولم يرد في نص المقريزي الذي نعتمد عليه في كل كتبنا ذكر لما ينبغي على المسلمين دفعه، بل الزم هذا النص النوبة بدفع الرقيق دون مقابل.
ذكرت المصادر العربية المبكرة أن نص الاتفاق الذي وقعه عبد الله بن سعد تعرض إلى عدد من التعديلات التي أعقبت الحروب أو الاتفاقيات بين الطرقين. فعلى سبل المثال: راجعه والي مصر الأموي عبد العزيز بن مروان عام 211هــ، كما راجعه الخليفتان العباسيان المهدي والمعتصم وعدلاه. (البلاذري والمقريزي في مسعد، المكتبة السودانية ص 27 و304 - 305) ونص المقريزي الذي نعتمد عليه هو ما وقعه عبد الله بن سعد عام 31 هـ، أى لم يحدث عليه تعديل أو تغيير.
ومع كل ما تقدم فإنه من المسلمات عندنا الرجوع إلى نص المقريزي الذي تخالف معلوماته كل ما ورد في المصادر الأخرى، ولا يخالجنا أدني شك في أنه هو النص الذي كتب عام 31 هـ. والسؤال الملح الذي يبرز هنا هو: كيف ولماذا اعتمدنا وركزنا فقط على هذا النص دون غيره؟ هل حدث ذلك عن عمد وقصد، أو لعدم الوصول إلى النصوص الأخرى؟
ونواصل ...



د أحمد الياس حسين [email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 5892

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1314723 [عثمان محجوب]
4.14/5 (8 صوت)

08-04-2015 09:09 AM
الأزمة الحقيقة في السودان هي أزمة هـــوية , لذا نرى ورأينا الصراع في الجنوب ودارفــور وجبال النوبة والأنيل الأزرق والأنقسنا ومؤامرة إغراق وداي حلفا دُرّة النيل ,,, إذا لابد من تصحيح المفاهيم وابراز التاريخ القديم والحضارة المشرقة للسودان والذي هو ملك من كل يعيش على تراب هذا البلد ,,, والمؤسف أن الحكومات المتعاقبة والمثقفين تجاهلوا عمدا هذا الإرث الثقافي والحضارة المضيئة , بل عمل بعضهم على محاربتها علناً , مما تسبب فيما نعانيه من كوارث ,,, التحية للدكتور على المجهود المقدر والإضاءات القيمة على تاريخنا

[عثمان محجوب]

#1308390 [عادل ابراهيم]
4.13/5 (7 صوت)

07-25-2015 08:47 AM
يا جماعة الى متى نكون أسارى للتاريخ خلونا من هذا التاريخ المزور نحن أبناء اليوم
اين نحن من الامم التى كانت خلفنا والآن تقدمت و سبقتنا بآلاف السنين.
ماذا نستفيد من التقوقع في تاريخ تخطته كل الأحداث. نحن نريد ثورة علمية اقتصادية
وليس تاريخية لا تفيدنا في شيء من امر ديننا و دنيانا. مضيعة للوقت و الجهد ليس إلا
ومعلوم في العلوم الاقتصادية ان اي مضيعة للوقت و الجهد فإنها مضيعة للإيرادات وزيادة
في التكاليف نتيجتها الحتمية الخسارة أنا شخصيا غير معترف بما جاء في كتب التاريخ
جملة وتفصيلا. يجب ان ننظر الى الامام وليس الإمام بمعنى ان لا ندع التاريخ هو إمامنا.
و الله رقبتنا التوت و اتعسمت من النظر الى الوراء ( التاريخ ) دعونا نتقدم الى الامام.

[عادل ابراهيم]

#1308012 [إندستين]
4.12/5 (10 صوت)

07-24-2015 11:04 AM
ده الكان ناقصنا يا دكتور الهناء.ايه العبقريه دى .انسى الكتب دى كلها واحرقها من دماغك حتى الزمن تجاوزها.واتحفنا بموضوع حيوى .وبطلواالبيزنطيه المتقوعين فيه. لاتقدم ولاتاخر.صحصوا معنا حبه

[إندستين]

#1307738 [محمد حسن فرح]
4.13/5 (8 صوت)

07-23-2015 09:37 PM
انا اخبرك ،، حدث عن قصد من العروبيين المعقدين من كلمة الرقيق .. تقشر جلود السودنيين عند ذكر هالاتفاقية المشينة للسودان ... لهذا يصر السوداني ان يكون عربيا وليس نوبيا سودانيا لان ذا يعني انهم عبيد ورقيق

[محمد حسن فرح]

د. أحمد الياس حسين
د. أحمد الياس حسين

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة