المقالات
السياسة
مخاطر النزاعات القبليـة على الوحدة الوطنية
مخاطر النزاعات القبليـة على الوحدة الوطنية
07-27-2015 01:13 PM


السودان يُعتبر من الدول الكبرى من حيث المساحة في أفريقيا والوطن العربي يجاوره عدد من الدول منها مصر وأثيوبيا وليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وكينيا وأريتريا، ويطل على واجهة بحرية طولها 644 كيلومتر على البحر الأحمر الممر العالمي للملاحة الدولية. ومن أهم الدول امتلاكاً للثروة الحيوانية خاصة في إقليم دارفور وكردفان، كما فيه إمكانية اقتصادية كبيرة وموارد طبيعية ومخزون نفطي تجاري إضافة إلى المعادن خاصة اليورانيوم والحديد والذهب، كما فيه مخزون مائي مياه جوفية ومطرية ويمر عبره نهر النيل، كما فيه تنوّع ثقافي ومئات القبائل تداخلت وانصهرت مع بعضها لمئات السنوات بعضها له تداخلات مع دول الجوار، حيث تُعتبر الحضارة والثقافة السودانية من أقدم الحضارات من ممالك إسلامية ومسيحية والحضارة المروية، والسودان تُعتبر حضارته ألفية تمخضت نتاج عملية تاريخية طويلة اجتماعية وثقافية ومادية مما جعل التكوين الوطني في السودان الشمالي ذو طابع ثقافي عربي وأفريقي وإسلامي، تمايزاته درجية حيث تُعتبر اللغة العربية هي اللغة الشعبية والرسمية مع وجود لهجات محلية، هذه هي عناصر الشخصية السودانية الوطنية والقومية ولم تكن عناصر اللون والعرق والسلالة والدم والخصائص الوراثية من ضمن العوامل التي تحدّد الانتماء الوطني والقومي، لأن نقاء العنصر لا وجود له في العصر الحديث ولأن قيمة الفرد كإنسان أو هويته الجماعية لا تتأثر بأصله السلالي.
إن الرصيد الإيجابي لتطور النضال الوطني ينبغي أن يشدّنا للسقف الوطني والوحدة، فالوطنية هي السقف العالي للنهوض بالأوطان وهي أكبر من المكوّنات الإقليمية والجهوية والقبلية التي أُعيد إنتاجها في العقود الماضية نتاج سلبيات وأخطاء الحكومات المتعاقبة مرحلة ما بعد الاستقلال إضافة إلى أخطاء القوى السياسية وأزمات النُخب إضافة لسياسات الظاهرة الاستعمارية والتي ساهمت في وضع حواجز نفسية واجتماعية واقتصادية خاصة سياسة المناطق المقفولة عام 1925 فصاعداً. يقول البروفيسور صديق تاور في دراسته (رؤية حول الحرب والسلام في جبال النوبة) .. إن نقطة التحوّل الجوهرية في مسيرة إقليم جبال النوبة وسكانه كجزء من السودان وشعبه والتي يكون لها تأثيرها الكبير على تطوره الاجتماعي والسياسي إلى اليوم هي تطبيق قانون المناطق المقفولة لسنة 1925م والذي استهدفت به أقاليم سودانية ثلاثة هي جنوب السودان وجنوب النيل الأزرق وجبال النوبة وهو قانون تم تطبيقه على أساس التصنيف العرقي للمجتمع بقصد تعويق التطور الطبيعي والتفاعل العفوي بين مكوّنات المجتمع السوداني.
فمعروف أن الاستعمار استهدف السودان في هويته وثقافته واقتصاده، إن مخطّط تفتيت السودان مرّ من خلال اتفاق نيفاشا المشؤوم والذي أفضى إلى فصل جنوب السودان وإقامة دولته المستقلة عام 2011م ووُضعت بروتوكولات مفخّخة لمنطقة جبال النوبة وأبيي وجنوب النيل الأزرق والتي فتحت الطريق أمام شهية بعض دُعاة الفتنة والتقسيم لرفع شعارات تدعوا لحكم ذاتي في دارفور أو جبال النوبة أو جنوب النيل الأزرق واستفتاء لأبيي رغم وجودها الأصيل في كردفان منذ 1905م حتى الاستقلال1/1/1956م حتى اليوم.
علينا أن ننتبه من خطورة التماهي مع نظرية سياسة ضرب أسفل الجدار وسياسة شد الأطراف حتى قطعها بإعادة رسم خارطة جديدة للأطراف المستهدفة لا تقوم فيها دولة مركزية قوية وتفعيل تلك الخارطة على مقاسات عصبوية وقبلية أو طائفية أو اثنية يمتنع معها قيام نظم سياسية قوية. إن مشروع تعميق النعرات العنصرية القبلية أو الجهوية أو الطائفية في السودان أو اليمن أو العراق أو ليبيا يندرج تحت سياسة التفتيت حيث تم تجنيد له رموز سياسية ومنظمات مجتمع مدني وعملاء وكُتاب وصحفيين يعملون من أجل اختراق الحياة السياسية والثقافية ويروّجون لمفاهيم الانفصال والحكم الذاتي ثم تقرير المصير، وإننا نتساءل لماذا طرحت بعض الحركات المسلحة تقرير المصير أو لماذا تبنّى الوسيط الأفريقي ثابوامبيكي مقترح الحركة الشعبية للتفاوض حول مسألة الحكم الذاتي للمناطق الثلاثة، كما علينا أن نفكّر بشكل جدّي في قرار مجلس السلم والأمن الأفريقي رقم (456) والذي يدعو للتسوية السياسية في إطار شروط أخطرها انتهاك السيادة وتمرير مشروع التفتيت للمناطق الثلاثة. لذلك علينا فهم خطورة مخططات التفتيت والتجزئة وربط ما يدور من تصاعد النزاعات القبلية في دارفور وكردفان وشرق السودان. علينا الوقوف في تداعيات انفصال الجنوب الذي ساهم في تنامي الميول الانفصالية وإقامة دولة معادية والدخول في صراع الحدود والذي لم يُحسم 80% منه، بل الجنوب نفسه دخل في نزاعات حرب أهلية خطيرة بين سلفاكير ميارديت رئيس حكومة الجنوب الذي ينتمي للدينكا ونائبه د. رياك مشار الذي ينتمي للنوير، حيث أخذت الحرب الطابع القبلي والمناطقي كانت ضحاياها بالآلاف، هذا إضافة للأزمة المعيشية والاقتصادية الطاحنة التي يعيشها شعبنا في السودان الشمالي والجنوبي.
هكذا صنع الغرب الامبريالي دولة فاشلة في الجنوب وفي الشمال، أي استخدام منهج التحكّم في الدول والمجتمع وصناعة مجموعات غير تابعة للدولة تمارس الفوضوية والعنف المسلح كما هو الآن في دارفور والجنوب. بل وفرض التوقيع على اتفاقيات مذلة كما هو في اتفاقيات نيفاشا وأبوجا وانجمينا وحسكنيتة وأم جرس وفي أديس أبابا وغيرها.
يقول البروفيسور ماكس مانوارينج المحاضر في مركز الدراسات الأمريكية لقادة الجيش الأمريكي في توصيفه لحرب الجيل الرابع .. إن الدولة الفاشلة ليست بحدث بل هي عملية مصنوعة، هدفنا هو التحكّم عن بُعد، لم نعد بالضرورة إرسال قوات نظامية في حرب الجيل الرابع، أي عدم الاعتماد على الحروب التقليدية بل اعتمادهم على سياسة الإكراه وزعزعة استقرار الدول واستخدام القدرات العقلية والذكية في الحروب.
ما هي أسباب تصاعد النزاعات القبلية في السودان؟
علينا النظر بعمق لماذا تزايدت وتيرة النزاعات القبلية في السودان خاصة في دارفور وكردفان وجنوب النيل الأزرق وشرق السودان باعتبار أن مناطق السودان الأخرى في الوسط والشمال لم تتخذ طابع العنف المسلّح. هذه النزاعات خلّفت آلاف الضحايا وملايين النازحين وآلاف المهاجرين خاصة منذ 2003م اندلاع الحرب في دارفور.
هنالك أسباب سياسية واقتصادية وراء النزاعات القبلية والجهوية وهي ضعف الخدمات والتنمية الغير متوازنة وفشل الحكومات المتعاقبة مرحلة ما بعد الاستقلال في عدم تحقيق أي نمو اقتصادي أو تقديم بنية تحتية أساسية خاصة خدمات التعليم والصحة والمياه والطرق والكهرباء وعدم تحقيق الأمن، بل نلاحظ أن تدهوراً خطيراً في مناطق النزاعات لأن أغلب هذه المجموعات تتنافس حول موارد شحيحة سواء كانت مصادر المياه أو المراعي أو الزراعة، هذا إضافة إلى ضعف الوعي الذي يشكّل عاملاً مهماً حيث ظلّت تلك المجتمعات محافظة على واقعها التقليدي إضافة إلى ضعف الإدارة الأهلية وخطورة تسييسها خاصة في العقدين الماضيين من حقبة الإنقاذ، حيث تدخلت الحكومة في المركز والولايات بصورة مباشرة في النزاعات القبلية بل هنالك تشكيك في حيادية الجهات التي أشرفت على المؤتمرات خاصة نزاع الرزيقات والمعاليا، والبرتي والأبالة، ودينكا نقوك والمسيرية، وغيرها. إن خطورة تسييس الإدارة الأهلية وعدم استقلاليتها أفقدها مشروعية القبول والكفاءة والاحترام كما للأسف ظهرت مجموعات أصبحت تستثمر في النزاعات القبلية ما يسمى بتجار الحرب وهم إما تجار سلاح أو لاستقطاب سياسي أو انتخابي. هذه المجموعات تصنع الحروب لاستمرار مصالحها. كما من أهم تصاعد أسباب القبلية هو ضعف الديمقراطية حيث كانت تمارس الديمقراطية عبر الأحزاب وهي أرقى صيغة وصلت لها البشرية والوطنية السودانية أي البرنامج الحزبي، ولكن للأسف عدم وجود تداول سلمي للسلطة وحريات يكفلها الدستور والقانون جعل هنالك ردّة ورجوع للقبلية حتى بعض الأحزاب والحركات التي ظهرت بعد 30 يونيو 1989م أغلبها جهوي. للأسف حتى نظم الحكم المحلي والفدرالي أعادت القبلية بشكل خطير مما جعل في دارفور مثلاً عشرات المحليات ولكل قبيلة محلية بل قُسّم السودان إلى ثمانية عشر ولاية، دارفور وحدها شُكّلت لخمسة ولايات على أساس جهوي وقبلي مما جعل الانتماء للإقليم ثم الوطن السودان ضعيفاً.
يقول بروفيسور عبده مختار موسى من خلال ورقته التي قدّمها عن النزاعات القبلية في الجامعة الإسلامية أن فترات الصراع القبلي في دارفور كانت متباعدة منذ 1932م لم يحدث نزاع إلاّ في عام 1956م أي أربعة وعشرين عاماً، ثم حدث نزاع عام 1957م بين قبائل عربية الميدوب والزيادية والكبابيش، ثم لم يحدث نزاع إلا في عام 1964م في حقبة الستينيات كان نزاع واحد كل عام ولم تسجّل الإحصائيات أي صراع قبلي في الأعوام 1969، 1970، 1971م، 1972، 1973م.
بدأت النزاعات بعد حل الإدارة الأهلية عام 1971م وقال البروف عبده في فترة السبعينات والثمانينات هنالك زيادة قليلة ولكن منذ 1989م الذي شهد أربعة نزاعات قبلية ثم توالت النزاعات في التسعينات بوتيرة أعلى، وأن النزاعات تضاعفت في عهد الإنقاذ بسبب تسييس الإدارة الأهلية. وقال أن من جملة 85 عاماً فترة رصد الصراعات القبلية في السودان 1930م حتى 2015م نجد أن فترة نظام الإنقاذ شهدت 73 صراعاً قبلياً مقارنة بـ 23 نزاع خلال ستين عاماً سابقة للإنقاذ.
حقيقة أن الحروب الأهلية والتي أصبحت ظاهرة خطيرة بل مهدّدة لوحدة الوطن من الواضح أن أغلب هذه الحروب مصنوعة لها أبعاد داخلية وخارجية، بل منفذاً للتدخلات الخارجية والتدويل (نزاع المسيرية ودينكا نقوك مثلاً). وإنني أتساءل من أين لهذه القبائل التسليح والتنظيم والتحشيد الغير مسبوق، بل كأن الدولة أصبحت دويلات للقبائل، بل هنالك قبائل تمتلك سلاحاً خطيراً لا يوجد في القوات النظامية.
هنالك نزاعات أصبحت عصية على الحل لأنها مصنوعة كنزاع الرزيقات والمعاليا، والبرتي والزيادية، والتعايشة والسلامات، والبني هلبة والقمر، والبني حسين والأبالة، والمسيرية ودينكا نقوك.

لماذا فشلت مؤتمرات الصلح وكيفية الحل؟
الملاحظ أن أغلب مؤتمرات الصلح التي رعتها الحكومة قد فشلت لأنها كانت تظاهرة سياسية وإعلامية ولم تناقش القضايا الحقيقية لهذه النزاعات التي وصلت مرحلة الأزمة ومهدّدة لوحدة الوطن والنسيج الاجتماعي. فما هي العوامل التي ساعدت في تطورها وتسارع خطاها خاصة الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحريات العامة وخطورة البيئة والتصحّر والجفاف وتداعيات انفصال الجنوب والتدخلات الخارجية وغيرها. لذلك علينا النظر في خصائص الأزمة بمنظور علمي ومستقبلي، فأزمة النزاعات هي تعبير عن فشل إداري للحكم المحلي والفيدرالي ناتج عن سوء للفهم والإدراك والتقدير، بل الإدارات العشوائية تكون سبباً للأزمات المصنوعة ومحطماً للكيان الإداري، فالأزمة المصنوعة لها أبعادها لا يمكن حلّها إلاّ باعتماد منهج تشخيصي للأزمات، أي المنهج الوصفي التحليلي والتاريخي والبيئي ومنهج الدراسات المقارنة، أي نقاش قلب الأزمة وكيانها ومحيطها، إضافة لاعتماد المنهج المتكامل لإدارة أزمات النزاعات المسلحة. كما علينا استخدام منهج مراحل الأزمات أي مرحلة اختراق جذور الأزمة فلا يمكن فهم الأزمة إلاّ من خلال الاختراق والمعلومات وبناء مركز داخل كيان الأزمة حتى يمكن الوصول إلى لب الأزمة وكسر حواجز المجهول وتحويل نوع النزاع إلى نزاع معلوم يتم عن طريق استقطاب العناصر العاملة في الطرف الآخر وتجنيدها لصالح الكيان الإداري والحصول على أكبر قدر من المعلومات. فعشرات المؤتمرات فشلت لأنها تُركت لعمل الأجاويد والترضيات والكسب السياسي حيث ما عادت المواعين والآليات التقليدية في مقدورها حل أزمة النزاعات القبلية الآن، فهنالك أصابع داخلية وخارجية متورّطة في النزاعات لتغبيش وعي هذه المجموعات وتركها تغرق في الفتنة والدائرة الشرّيرة.
علينا العمل من أجل وقف الحروب المناطقية والأهلية خاصة في دارفور وكردفان وشرق السودان وجنوب النيل الأزرق.
يجب تكوين آلية وطنية من شخصيات إدارية وسياسية وقانونية واقتصادية وأهلية تتمتع بالنزاهة والثقة من أجل وقف الحروب واحتواء النزاعات.
علينا تفكيك المليشيات وضبط حركة التسليح ونزع السلاح من القبائل وأن تكون القوات النظامية الجيش والشرطة هي الجهة الوحيدة لحمل السلاح.
يجب اعتماد برنامج خدمات إسعافي مرحلي للخدمات مع ضرورة قيام المشروعات التنموية الزراعية والحيوانية والصناعية الإستراتيجية.
يجب حل النزاعات الحدودية بين دول الجوار خاصةً مع السودان الجنوبي على ضوء حدود 1/1/1956م مع ضرورة تفعيل اتفاق الحريات الأربعة مع مصر وجنوب السودان.
علينا فضح ومنع التدخلات الخارجية في شئون الوطن والاختراقات القبلية والمناطقية.
يجب تطوير صيغ الإدارة الأهلية وتعزيز دورها المجتمعي واستقلاليتها والابتعاد عن تسييسها.
ضرورة نشر ثقافة السلام والتعايش السلمي والتآخي القبلي.
يجب إطلاق الحريات العامة ورفع حالة الطوارئ في الولايات.
علينا فضح دعاوي الحكم الذاتي وتقرير المصير وهي مدخل لتفتيت الأوطان، فالمظالم المناطقية هي مظالم جدّية ومشروعة تحتاج لسلطة وطنية عادلة ومؤمنة بالشعب والتنمية المتوازنة.
على الدولة المركزية والولائية تحمل مسئوليتها لحفظ الأمن وحماية مواطنيها ومعالجة كافة أسباب النزاعات القبلية والمناطقية.
علينا محاربة الفساد المالي والإداري ومراجعة موازنات الولايات ومنع سياسة التجنيب المالي التي أفسدت البلاد والعباد.
يجب فتح تحقيق في كل انتهاكات حقوق الإنسان ومحاسبة ومحاكمة المتورّطين في الحروب الأهلية.

[email protected]



تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2171

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1310753 [الجلاسي]
0.00/5 (0 صوت)

07-29-2015 03:46 AM
أخوي البخيت .. من الدول كبيرة المساحه
و حدود مع كينيا .. دا كان زمان إنت وين

[الجلاسي]

البخيــت النعيم عمر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة