المقالات
منوعات
قصة قصيرة - الغابة
قصة قصيرة - الغابة
07-28-2015 12:26 AM

" و انت عرفتها كيف و وين و متين يا ولدى ؟ " هكذا ألقت زوجتى " شامة " بأسئلتها فى وجه وحيدنا " نادر " و هو يجلس أمامنا تحت راكوبتنا الفسيحة . الوقت أصيل لكن السخانة لا تزال تلفح وجوه الناس و الأشياء ، حتى شجرة النيم التى تتوسط دارنا تهدلت أغصانها كأنما بصق الزمان عليها شيخوخة مفاجئة ، بدت لى فى صمتها و كأنها راحت فى سبات عميق . صحت فى وجه زوجتى " يا ولية قفلى بوزك دا خلينا نفهم الحاصل شنو " . " هى زميلتى فى الكلية يا أبوى . أنا كلمتها . أها هى بت دغرية جدا . قالت لى بى الحرف الواحد " أكان داير تعرسنى الإسبوع الجاى تجيب أمك و أبوك و تجونا فى الغابة " .
..........
الشارع يكح أغبرة و السيارة البوسكى العجوز تتهادى خارجة بنا من قريتنا . بضع رجال و بضعة نسوة محشورون فيها كما الدجاج فى لورى " ود سعيد " و هو فى طريقه إلى سوق الجمعة فى المدينة البعيدة . أغوص فى خضم أفكارى : لطالما سمعت عن الغابة أقاصيص مبهمة غامضة . لا أحد يدرى ما يدور فى جوفها بالضبط ، لكن نساءها أشتهرن على أية حال بالجمال الصاعق . تخرجن إحداهن إلى حدود الغابة فتعود ووراءها يعوى جيش جرار من الخطاب الجوعى . نظرت إلى " شامة " بطرف عينى فى ضجر . عيناها صغيرتان كعينى سحلية و أنفها أفطس كأنما أعمل فيه أحدهم هرسا بحجر قاس . كيف تزوجت هذه المرأة الورطة ؟ ذاك واحد من ألغاز الوجود الكبرى . مضت ساعة و نصف . السيارة العرجاء تتهادى بنا كما حمار يظلع ، و النسوة يثرثرن كعادتهن مذ أغوى الشيطان آدم ، تلوح لنا طريق مشجورة أشجارا كثيفة . يلمحنا سابل ما فى فضول مشوب بحذر . ثمة لافتة كتب عليها بخط عريض " الغابة : مرحبا بك فى عالم البهاء " . نقترب منها . تدوى طلقة فى الفضاء فتتصايح النسوة كما قطيع دجاج هاجمه ثعلب ذو مسغبة . أصيح بهن " انكتمن بلا يخمكن " . يقترب منا رجل يرتدى قطعة جلد على وسطه و كأنه قدم لتوه من عصر ما قبل الكتابة ، يسألنا بحذر و هو يشد بندقيته على كتفه فى صرامة " إنتو منو و دايرين شنو؟ " . بصوت حاولت أن أجعله يبدو طبيعيا قلت له " إحنا من قرية العطيشانة و دايرين بيت ناس " مامون الضكر " . تنفرج أساريره برهة و هو يهتف بنا " حباب ضيوف الضكر ، بس لكن لازم نفتشكن نتأكد مافى ممنوعات " . " قلت بتردد " ممنوعتا شنو ؟ نحنا ضيوف بس " . قال الرجل فى صرامة " ممنوعات يعنى قطعة حشيش ، أغنية هابطة ، منشور حكومى ..كده " . فتشنا نحن الرجال بدقة بينما أكتفى بتحذير النساء شفاهة ، ثم أشار بيده فانطلقنا بعد أن قدم لنا شرحا موجزا عن كيفية العثور على البيت الذى نقصده . الأشجار داخل الغابة تبدو كثيفة عملاقة . مرت بنا إمرأتان تثرثران . و لدهشتنا لم تكونا ترتديان شيئا سوى قطعتين من جلد تمنطقتا بهما . نظرنا جميعا – رجال و نسواء – إلى النهود الشامخة فى صلف ثمار مانجو إستوائية تقف بغيظ على طرف غصن تنتظر من يقطفها . سال بعض الريال على صدورنا نحن الرجال ، و ربما لعن بعضنا الورطة التى أسموها زوجته ، أما من نسميهن ترفقا نساءنا فقد حوقلن و لعن فى صوت خفيض . قفز أمامنا قرد يضحك بسعادة . لمحنا جرذا ضخما يلاعب قطة فى حب . بعد دقائق لاحت لنا بقالة صغيرة . اقتربنا منها و طلبنا بعض الماء فأشار صاحبها الى اليسار قائلا " نحن لا نبيع الماء فالنيل على مسيرة نصف دقيقة من هنا " . دهشنا جميعا . عن أى نيل يتحدث ؟ ألا تقع قريتنا – العطيشانة التى خلفنهاا وراءنا بمئات الكيلومترات – على شاطئ النيل ؟ قلت للسائق أن يسير حيث أشار الرجل . إمتعضت النساء لكننى ألححت فى الأمر . بعد مسيرة دقيقة – تماما كما ذكر الرجل – وجد نيلا أمامنا . لم يكن هو النيل الذى نعرف ، إذ لا قاذورات هنا ملقاة على الشاطئ ، لا عساكر يجلدون البنات اللواتى تنحسر ثيابهن عن سيقانهن و هن يتمشين على الشاطئ و لا نساء من دارفور يتسولن بعد أن نزحن هربا من الحرب و سكن عند أطراف قريتنا . بدا لنا نيلا حقيقيا تعوم بداخله عشرات الجزر و يتترنح أمواجه سكرى بفعل أناشيد الصيادين و وشوشة النسائم و تغاريد الطيور التى تسافر فى الفضاء فوقه . إنتابتنا جميعا دهشة عظيمة . حتى " شامة " التى لا يدهشها شئ فى الكون تدلى فكها الأسفل بينما برقت عيناها الضيقتان كعينى السحلية فى انبهار . عدنا طريقنا متوغلين فى الغابة . ثمة لافتة قرب كل شجرة . لافتات متنوعة . فجأة بدأ صوت عذب كالدعاش يغنى . أطرقت فإذا به صوت "وردى " يتهادى " ومن صحية جروف النيل مع الموجة الصباحية " . بدأ لى صوت الفرعون أكثر عنفوانا و أكثر شبابا و لا أدرى لم خيل لى أن نافورة ماء ملون كانت تنبعث من بين طياته . عن يسارنا لاحت لوحة كتب عليها " إذاعة الغابة " . أما عن يميننا فلاحت لافتة أخرى كتب عليها " إلى المدرسة " . الصغار يركضون فى فرح لا متناه ، يتراشقون بالفواكه و الخضروات ، و ضحكاتهم تعلو إلى السحاب ، لا يرتدون – كما الكبار - سوى قطع الجلد التى تغطى الخصور ، و يحملون قطعا من جلد يكتبون عليها . النساء يسرن فائرات النهود بصورة لا متكلفة ، دون أن يلتفت الرجال إليهن و درويش يصيح فى حضرة نشوته الروحية . قفزت من السيارة و هرعت الى الشجرة الضخمة التى كتب عليها " الإذاعة " . لاحت لى فتحة مضيئة دلفت من خلالها . وجدت رجلا طويلا أمامه آلة ضخمة كآلة السفر عبر الزمن التى رأيناها فى مسلسل أمريكى ما . رحب بى فى دفء عجيب . سألته بفضول كيف عرف أننى غريب فرد فى بساطة " كل فرد منا يعرف سكان الغابة جميعا " ، ثم أشار إلى جلابيتى المتسخة فعلمت أنه ميزنى منها أيضا . سألته عما يفعل فقال فى بساطة " أنا أشرف على بث الأغانى الوطنية والعاطفية و البرامج الهادفة على مدار اليوم " . تلفت فوجدت مئات الأغانى لمحمد وردى و عثمان حسين و عبدالعزيز داؤود و غيرهم ووجدت أسطوانات لمحاضرات عن تاريخ السودان . أردف الرجل " لا نسمح لأحد بإستيراد أى أغان هابطة حرصا على تربية الناشئة " . خرجت منه و رأسى تضج بالأفكار . عدت إلى السيارة العجوز حيث إستقبلنى الجميع بالسباب و الأسئلة . لم أقل شيئا بل أشرت الى السائق بالتوغل . بعد دقائق - و بمساعدة صبى كان يركض أمامنا كما قرد سعيد – وصلنا إلى دار "مامون الضكر " . إستقبلنا الرجل بقامته الطويل و إبتسامته الأكثر طولا ، أما زوجته الجميلة التى جلست قربه فكانت جميلة جدا . حدثناهما عن الأمر فصاح بالعروس أن تأتى هامسا " لا بد من مشاورة صاحبة الرأى " . بعد قليل قدمت الصبية و جلست أمامنا . بدت لى فى بهاء الشمس . كان جميلة إلى درجة جلعتنى ألعن السنوات الثلاثين التى قضيتها محتملا " شامة " . و حين سألها أبوها عن رأيها أطرقت فى خجل غير مصطنع ثم ركضت بعيدا كما غزال غير مستأنس . ضحك " الضكر " ثم قال " المهر أربعة جنيهات و لا نريد شبكة ولا شيلة و لا يحزنون " . قلت بدهشة " أربعة جينهات فقط ؟ المهر عندنا صار ملايين عددا " . ضحك نسيب المستقبل و قال " لا علاقة لنا بما يدور خارج الغابة . نحن عالم منفصل . بل إن ساستكم لا يقمون إلينا مذ ذبحنا ذاك المرشح الكذوب و علقناه من قدميه على بوابة المتحف القديمة " .
...............
لكزة مؤلمة فى خاصرتى ، أعقبتها أخرى أشد إيلاما . صوت قبيح يأتينى من بعيد . لكزة ثالث تجعلنى أقفز عن فراشى كما قرد غير سعيد . أفتح عينى فألمح وجه " شامة " القبيح ، بعينيه اللتين تشبهان عينى السحلية ، و هى تصيح " يا راجل اصحى . ناس النفايات واقفين برة دايرين الرسوم الشهرية "
.............

مهدى يوسف ابراهيم ( [email protected] )
جدة



تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2323

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1310567 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

07-28-2015 06:36 PM
نسيت ان اضيف شكري لمهدي يوسف علي هذه القصة، وتحريضي له بان يواصل مشروعه الادبي، فمن سنة يراعه تتطاير شرارات التجديد وطموح الهدف.

[سوداني]

ردود على سوداني
[مهدى يوسف ابراهيم] 03-18-2016 05:35 PM
شكرا يا صديقى ...انا فى غاية الامتنان لك .. تشجعيك لى لا يأت فقط من خلال كلماتك الداعمة لى نفسيا و لكن من خلال نقدك البناء المتحضر ...


#1310515 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

07-28-2015 04:56 PM
1. قصة طموحة حاولت ترويض التداعي الاحلامي dream sequence لسرد قصة سودانية. ولكن الطموح لم يتسامي ليجعل الواقع في الحلم مختلفا بصورة ساحرة وغريبة (كما هو الحال غالبا: وليفكر كل منا لوهلة في الغرائب التي حدثت له في الاحلام) عن الواقع _ اذا استثنينا اسقاط اللباس عن صدور الفتيات. كان في الامكان هنا اكثر مما كان.
2. الراوي "زودها" شويه في "ضفره" لزوجتة (ام نادر) ولبقية النساء! فرغم مصداقية ازدياد ضجر الرجل السوداني بزوجته بمرور الزمن وفعلها فيها، الا انها تظل تحتل مكانه محببه في قلبه اذا كانت اما اولاده تجعله يعاملها ويتحدث عنها باحترام اكثر من هذا الراوي.
3.تصويبات:
١.بضع رجال و بضعة = انا وبضع رجال و بضعة
٢. تخرجن إحداهن إلى حدود الغابة فتعود ووراءها يعوى جيش جرار من الخطاب الجوعى = تخرج إحداهن إلى حدود الغابة فتعود ووراءها يعوى جيش شبق جرار من الخطاب.
۳. السيارة العرجاء تتهادى بنا كما حمار يظلع = السيارة تتهادى بنا كما حمار يظلع
٤. مذ = منذ
٥. سال بعض الريال على صدورنا نحن الرجال ، و ربما لعن بعضنا الورطة التى أسموها زوجته ، أما من نسميهن ترفقا نساءنا فقد حوقلن و لعن فى صوت خفيض = سال بعض الريال منا نحن الرجال ، و ربما لعن بعضنا الورطة التى يسميها زوجته ، أما من نسميهن ترفقا نساءنا فقد حوقلن و لعن فى صوت خفيض
٦. إلى النهود الشامخة فى صلف ثمار مانجو إستوائية تقف بغيظ على طرف غصن تنتظر من يقطفها = إلى النهود الشامخة فى صلف ثمار مانجو إستوائية تنتظر بنفاذ صبر من يقطفها
٧. وجد نيلا أمامنا = وجدنا نيلا أمامنا
٨. و يحملون قطعا من جلد يكتبون عليها = و يحملون قطعا من جلد يبدو انها كراساتهم التي يكتبون عليها
٩. أما زوجته الجميلة التى جلست قربه فكانت جميلة جدا = أما زوجته التى جلست قربه فكانت جميلة جدا
١٠. لا يقمون إلينا مذ = لا يقدمون إلينا منذ

[سوداني]

ردود على سوداني
European Union [سوداني] 07-29-2015 05:48 PM
1. اري الآن جمال " اما زوجته الجميلة فكانت جميلة جدا"، واعتذر عن عدم الفهم
2. وجد نيلا أمامنا = وجدنا نيلا أمامنا: هنا نسيت ال (نا) من وجدنا، ليس اكثر
3. هذه الفقرة ديناميكة مليئة بالاحداث (الصغار يركضون فى فرح لا متناه ، يتراشقون بالفواكه و الخضروات ، و ضحكاتهم تعلو إلى السحاب ، لا يرتدون – كما الكبار - سوى قطع الجلد التى تغطى الخصور ، و يحملون قطعا من جلد يكتبون عليها) ولكني لا اظنك تقصد ان الصغار في ركضهم ورشقهم ي ك ت ب و ن؟ هذا المعني يمكن ان يفهم بالضرورة من الصياغة رغم اني لا اخالك ترمي اليه. لذا اقترحت التصويب. يمكنكك طبعا اعاده التصويب لاستبعاد كراسات او استبدالها بكلمة اخري.
4. 【لا أدرى سر تصويبك لعبارة الخطاب الجوعى واستبدالها بعبارة جيش شبق من الخطاب ...كلمة جوعى أقوى كثيرا】
الشبق هو الجوع الجنسي، وهو ما يرمي اليه الراوي هنا (جوع يمكن ان يفهم هنا كجوع لطعام مثلا!)

تحياتي

European Union [مهدى يوسف ابراهيم عيسى] 07-29-2015 04:03 AM
الحبيب سودانى
أشكرك جدا على تعليقك الضافى جدا . قرأت معظم النقاط التى أثرتها ، بعضها منطقى و بعضها ...لا أدرى . دعنى أقدم لك أمثلة منها :
- اما زوجته الجميلة فكانت جميلة جدا ...هذه الصورة مقصودة جدا و ليست حطأ ، و هى مباغتة شاعرية للقارئ ..
- وجدنا نيلا أمامنا ..كررتها أنت أخى كما هى !!
- يحملون قطعا من جلود يكتبون عليها ...العبارة كثيفة أكثر من عبارة يبدو أنها كراساتهم ..الغابة لا تعرف الكراسات اصلا و بالتالى فالعبارة التى فى القصة أكثر تكثيفا
- كلمة مذ هى نفسها كل منذ ..لا فرق بينهما فى المعنى !!
- لا أدرى سر تصويبك لعبارة الخطاب الجوعى واستبدالها بعبارة جيش شبق من الخطاب ...كلمة جوعى أقوى كثيرا ...

عموما أشكرك كثيرا على تصويباتك
تحياتى

United States [سوداني] 07-28-2015 11:19 PM
تصويب:
وفعلها = وفعله
اولاده = لاولاده


#1310329 [ابوبكر]
0.00/5 (0 صوت)

07-28-2015 12:47 PM
قصة جميلة شكرا استاذ مهدي

[ابوبكر]

مهدى يوسف ابراهيم عيسى
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة