المقالات
منوعات
إبراهيم الكامل آل عكود .. تعجلت الرحيل
إبراهيم الكامل آل عكود .. تعجلت الرحيل
08-04-2015 12:40 PM


وإنك لنجم يهتدي صحبه به ، إذا حال من بين النجوم سحاب. بك كانت بلادي تطاق ، وعُشرة الأحباء مرقد ضيقٍ ينتهي به العُمر . ركِبتَ خير مركِبٍ ، وصاحبت أنتَ أولاً الكتاب . لا يستريح المرء إلا بتقفي آثارك، ففرسُك تواعد الريح دوماً بالانطلاق . خير وطنٍ عرفناه هم من السُمر ، أحفاد " رماة الحدق " . بهم تضيء الدنيا وأرضهم نسميها في وجداننا الوطن . فلا بركة إلا بهم ،و خير الزاد صحبةٌ خيِّرة ،. كأن المنيّة قد تعجلت خطوها قبل أن نلتقي مرة أخرى من بعد عشر سنوات. كنت يا سيدي تقول لي دائماً ( إنك لم تقتنع بصيد الفرائس الطبيعية بين الحيوانات من آكلة اللحوم وآكلة العشب ، رغم علمك بكثرة إنجاب الأخيرة وقلّة وجود المفترسات ، وقلت لي إنك لو كنت أسداً لمِتّ من الجوع !
أي جوع هذا الذي يفرقنا الآن ؟! . أضحت الأشجار التي نستظل بها تُساقِط علينا أوراقها ، وتلهبُنا الشمس من حيث لم نحتسب . وإنه لمكر الدنيا ومكيدتها التي تختار لنا إظلام النهار وبكاء الليل .

(1)

تركتنا سيدي للذكريات صدى السنين الحاكي ، وذهبت بعيداً في غيبتِك الكبرى . اتسعت خروق أنفسنا عن الرتق .وجفّت كلمات تصطرع ولا تجد وصفاً دقيقاً لنُبل شخصكم الكريم وتنوع ذخيرتكم من الشعر والنثر والترجمة والرسم ، غير أن المولى أوجدك بيننا مثل شهاب حام في سمواتنا ذات برهة كونية ، وسبحنا ننظرك في أنفسنا وفي الآفاق . وحريٌّ بنا أن نفرح أنا كُنا شركاء بسطة مجلسك ، ومن بطانتك التي أحببت . انتشرنا بجوارك ذات يوم ، ونحمد مولانا الذي بك كفانا عن غوائل الدهر . ونثر علينا محبتك ذات برهة زمان ، ولا ينقطع شكرنا عن تلك المنحة الربانية أن كنتَ بعضاً منا ، وجفا الزمان أن يمتعنا كما أحببنا أن نكون .

(2)

بلغني فراقك من رسالة حميمة من صديقنا" أبوذر آل عكود ". قطرات من الدمع السخي تلاحق بعضها تعيد توازننا النفسي ، وهي مشقة البُعاد الذي ليس لنا يدٌ فيه، وكنتُ قبل أيام أبحث عن بعض الأبيات الشِعرية التي أهديتها ابنتي قبل أعوام ، عندما كانت طفلة تسكُن معي في غيبة المنافي ، ولم أجد ما كتبتَ أنتَ لها . وذاكرة الأرض والسماء أكبر من قدرتنا على النسيان ، وسوف نجدها في مٌقبل الأيام ،إن شاء المولى. وإن رحيلك الأبدي امتحان للنفس عجيب ، وليست أغراضه خافية علينا .
لم أزل أُقلب سفرك الداوي ( المدارات والمعابر ) علني أطيب من بعد فراق هو قسمتنا في هذه الحياة .

(3)

التقيت " إبراهيم " في صفحة من صفحات المنافي ، واستطعمت حينها مائدة السماء .
سمعت رنيناً يهبط من فوقها ، و ( أجليت النَظر يا صَاحِ ) ، واكتحَلَت برؤيتك العيون . كُنت من قبل قد تَطلّعت لقبسٍ من سِفرك الأول . ومن يشتَمّ البعض يُفتتَن ، ويطمع أن ينبسط له الرزق . فمن السماء هبطت عليَّ مائدة ، وقد بَخُلت عَلى من سألوا الأنبياء عليها من قبل . سُبحان من يُجري الأرزاق على هواه . استطعمت ولم أزل أستقطع لنفسي ما شاء الوقت ، وأقرأ من سِفرٍ في منزلة رحيق عمرٍ ، يعجز القلم أن يستجلي كنوزه .
مرحى .. مرحى ، يقول "إبراهيم" إنه سِفره الأول ! .
استكتب أبو الفرج الأصفهاني نفسه خمسين عاماً ، حتى كتب الأغاني . وهذا السِفر أجده يذَّكرني بمنـزلة من منازله . يصغُر سفر "إبراهيم" حجماً عن أي من مجلدات الأغاني ، لكنه كثيف المحتوى ، غنيٌ بكنوزه . لم يجمع الأشعار والأخبار كما فعل الأصفهاني ، بل جلس عند كل نص من نصوصه جلسة عابد ٍ، زينت له الدنيا من حوله آيةً من نعم المولى ، يجلي غموضها ويدخل ملكوت كاتبها ويلبس روحه حتى ينقلها للغة الأخرى .
لقد تخير " إبراهيم " مادته للترجمة من النفيس المنظوم ، و من المموسق ، والمقدس ، ونقل لنا من شِعره الفصيح والعامي وافترش لنا أرائكَ نتكئ عليها لننهل .إنها لمفخرة لي ، أن يتطوَّف من حولي مُذنبٌ فوّاح بعِطر الثقافة البَهي. لن نقدر على شُكر من جعل السماء بأنوارها المتلألئة في قبضة أيدينا ، ويسر " لآل عكود" أن تكون منحة المولى لسليل أنسابهم . نِعم الأرواح حين تأتلِف .

قلت له : ـ
فارع الطول أنت مُشرِق الطَلعة . بسمتك ترسم لُطف ملامحك النبيلة . تبدو كأخٍ صدوق يكبُرني فقدته زماناً ثم التقيته في مساء يوم من أيام المنافي .
رد ببسمة ، وعلى وجهه أرى ارتباكاً لا يناسب ثقل تجربته و عُمره ، وتلك من بشائر التواضُع . هو عيب استشرت جرثومته و ملأت كل خلايانا المُبدعة . جلسنا ولم يترك لنا الوهج الذي بيننا مجالاً لنتعرّف قشور بعضنا فدلَفنا إلى اللُب . بدأنا بالمِزاح ، وتقلَّبت نفسي في نعيم أن يُصادِق المرء جمال المزهرية المورقة وهي في عُمر العطاء السخي ، فتُفرد من روائحها ، وتمُد إليّ فرح الدنيا يضحك طفولةً .

(4)

قلت : ـ
ــ إذن ( المدارات والمعابر ) هو سِفرك الأول .
قال : ــ
ـ نعم هو الأول و هنالِك ديوانا شِعر ينتظران النشر . كَوْني هو الذي تكاثف ، عَسيرة هي الكِتابة في موطننا . تَعذبتُ وأنا أصحِح المُسوَّدة ، المرة تلو الأخرى . ضاقت بي الدنيا قبل أن يخرج السِفر إلى النور ، ولم يزل عندي موضع مُراجعة ، وشيئاً من حتى !.
قلت له : ـ
ــ ربما نحن في السودان حديثي عهد بالنشر . سبقتنا القاهرة وبيروت وحلب و دمشق .
قاطعني : ـ
ــ الأزمة في تصحيح اللغة والإخراج والصقل !
لحظة صمت نَهضَت بيننا ، وانعطف بنا الحديث لشأنٍ آخر .
قلت : ـ
ــ حَدِثني أنت عن الكتابة وخواطرها ، و هواتف الذهن التي تُطارد من يكتبون . أهي تُطاردك ؟
قال : ـ
ــ كأنك تقصد خَمر الكِتابة ، وسُكر اللغة ، فعندما أصعد عتبات الخيال الحالِم ، تهبط عليَّ الخواطِر هبوط النسور على القوارِض .
قلت له : ـ
ــ إنها خاطرة غريبة الأطوار تعتريني مثلك هذه الأيام .لا وصف لملامحها الغريبة ، حين تتملّك الروح والجسد . لا وقت تتخيره هي للهبوط عليَّ .حتى نَـزف السماء لَه مواسم ، لكن تلك الخاطرة تتسلل إلى الذهن كقَدرٍ استعذبت سكِينه مواضِع الرخَاوة وغاصَتْ . تهبط عقلك هبوط ملاكٍ في هِزة كونيةٍ ترتجُ لها الأفلاك ويتمدد الكون في فراغه السحيق . هذا عسير عليّ . أصحو فجأة من حلمٍ يذبحني وأنا أتخبط من انفلات الروح وقت مُفارقة الجسد . أركل بقدميَّ كأنني أتشبث بالحياة . عسير أن يهوى المرء قاتلِه . يُكسر سُنن الأحياء في حُب البقاء و كره الفناء .
قال إبراهيم : ـ
ــ نعم ، أنت الصادق . كأنك قد وصفت ما بي . أحسست أن الخاطِرة أمر كَوْني حين يهبط يستوطن ذهني . يحُثني لأكتُبْ ، وعندما أفعل تسترسل اللغة في نـزف متقلِب الألوان و الملامِح . لوحة مُتحركة ملؤها الأحمر والأبيض والأصفر والأسود والتركُواز ، وعجائب تتخلق بين استراحات الرمادي حين يستعصي الصفاء والود بين الجميع . أقلق هوَّ ليلي و تَهيبته .
قُلتْ :ـ
ــ أراك سيدي وأنت في عُمر تجاوز الخمسين ، كنخل فارِع الطول حين تُداعِبه الريح يضحك . فجذوره قد استشرت شرايينها تُمسِك بعروق الذهب في صخر الأرض .أعرف من يقول اترك في جيب سُترتك مُفكرةً صغيرة على الحِمل ، ناعمة رشيقة في رفقتك حتى وأنت نائم ، وعند هبوط صرخة الخواطر ، انـزع نفسك من النوم وامسِك القلم واتبِع الأوامِر .

(5)

قال إبراهيم : ـ
ــ أذكر في زمان قديم كُنت أعرف سيدة أجنبية تعشق مثل هذه الخواطر ، وتجلس في حضرتها جلوس الطفولة أمام الجَّد حين يقُص من أحسن قصصه التي تُلهِب الخيال . كان قلمها يُطيع الخواطر المجنونة و ينقل الشِعر والنثر . يهبط ذهباً لامِعاً برياحه الشيطانية يلتهب بالتمرُد ، حتى عبثت تلك الخواطر بذهنها ، وأسرجتْ بُراق الأحلام وطافت الآفاق ، استعصى عليها العودة لعالمنا . كانت تلك مأساة مُجلجلة .كَتبتْ تلك السيدة أسفاراً تُـذهل العقول . ترمي الأحجار في البِرك النائمة ، وتلون أقصان الخيال بألوان الدنيا الساحِرة . إياك يا عبد الله أن تستجيب لتلك الخواطر فتتملكك وتُبعدك عن القريب والحبيب . استجِب قدر المُستطاع ، ولا تُسلس لها قيادك كل الوقت . إنها تضرِم نارها حزاماً حولك حتى يستعصِي علينا أن نُعيدك لدنيانا . أنت تعرف الشاعِر إدريس محمد جمّاع ، فعند تآلفه مع تلك الخواطِر سرقت دَنياه ، وسرقته عنا . قبل غيبته الكُبرى نفث غُبار الشِعر ندياً حنيناً دافقاً ، واستغرقت نفسه محبة لا شواطئ لها . أمطرنا جمَّاع ترياقاً يُقينا شاطحات الخيال ، وغاب هو شهيد سِحرها .
قلت لإبراهيم : ـ
ــ يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني : ( الخاطرة تُغري بالانفلات ) .
إنني أعرف مخاطِر الإبحار معها . دعني أعود لنهجِك ، حين قلت لي إنك تستنهِض روح الفنان الذي صاغ النص قبل ترجمته ، تسبح قليلاً في عوالمه . تتقمص روحه ، وترقب كيف استجمع هو الخيال ساعة الخلق . الفكرة ، وحبائل اللغة و النص ، ثم حُلول الروح قبل بدأ الترجمة . إنه عِشق غريب على سَمعي ، عصيٌّ على فَهمي . إنني لست شاعراً لأحكُم . أنت تُقربني من الصفاء ودنياه السَاكِنة المُتأمِلة . أتَعشق النص أولاً أم تُصادق الحُلم ؟ . قُل لي كيف تحول النص عندك من عامية شِعر البُطانة القديم إلى الإنجليزية ثم إلى العربية الفصيحة عندما ترجمت الشِعر من ( مُسدار الصيد ) للشاعر الفخيم محمد أحمد عوض الكريم أبو سِن ( الحاردلو ) ؟ . هل لك أن تنشِدني النص أولاً ثم ترجمتك للإنجليزية شِعراً ، ومن ثم النقل إلى العربية الفُصحى شِعراً أيضا . اسمعني كل ذلك بنغم "الدُوباي" وريح أهل البُطانة كما وعدتني .
ضحك "إبراهيم" و أنشد بمخارج الأصوات الريَّانة بخبرته في التدريس ، منذ مراحله الوسيطة والثانوية ومن ثم الجامعية . الأحرف عنده تتراقص وتتموسق . الهبوط والصعود والتأرجُح ، المد والإدغام والخلخلة والقلقلة والإخفاء والإظهار . سينمائية تتقمصه بكل ألوانها الطروب حين يقول : ـ
ــ دوبيت الطبيعة ( من مُسدار الصيد ) للشاعر الحاردلو بلهجة قبيلة الشكرية :

الشَّم خَوَّخَتْ بَرَدَنْ لَيالي الـــحَرَّهْ
والبَرَّاقْ بَرقْ مِنْ مِنّا جَابَ القـــِرِّه
شوفْ عيني الصِّقيرْ بِجْناحُو كَفَتَ الفِرِّهْ
تَلْقاها أمْ خُدودْ الليلهْ مَرَقَتْ بـــَرَّهْ

( أم خدود : الغَزالة )
وبالإنجليزية :

HARDALLO QUARTET OF NATURE

The sun leant squashy …
Scorch suddenly abated ;
Lightning then flashed …
Breezed freshly floated ;
Glimpsed I of a hawk..
Lashing a dove , unawaited
The cheekiest of gazelles..
Now leaves caverns dilated..


عبدالله الشقليني
4 أغسطس 2015

[email protected]




تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2244

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1401912 [Shihab]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2016 05:32 PM
رحمه الله وطيب ثراه

[Shihab]

#1315608 [أبو حسن]
0.00/5 (0 صوت)

08-05-2015 10:30 AM
رحم الله إبراهيم الكامل فقد كأن أحد زملائنا بمعهد المعلمين العالي حبث كان من الدفعة الثالثة عندما دخلنا المعهد ... رحمه الله فقد كان نشطا ومحبوبا وقياديا في تنظيمه السياسي وبين أبناء دفعته ... تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته

[أبو حسن]

#1315099 [محمد أحمد الريح الفكى]
0.00/5 (0 صوت)

08-04-2015 03:46 PM
نسأل الله له الرحمة والرضوان

أحر التعازي لك ولمحبيه

[محمد أحمد الريح الفكى]

عبدالله الشقليني
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة