المقالات
السياسة
مقتطفات من كتاب "المجتمعات الإسلامية من واقع الممارسات العملية"
مقتطفات من كتاب "المجتمعات الإسلامية من واقع الممارسات العملية"
08-05-2015 09:46 PM


مقتطفات من كتاب "المجتمعات الإسلامية من واقع الممارسات العملية"
"From the book “Islamic Societies in Practice
بروفيسور: كارولين فلوهر - لوبان Professor Carolyn Fluehr - Lobban
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة لبعض ما ورد عن السودان في كتاب للبروفيسور كارولين فلوهر - لوبان عن المجتمعات الإسلامية وممارساتها، نشرته جامعة فلوريدا في طبعته الثانية في عام 2005م.
وعملت بروفيسور فلوهر - لوبان أستاذة لعلم الأنثروبولوجي في كلية رود آيلند بالولايات المتحدة لأكثر من أربعين عاما قبل تقاعدها في 2012م. وتنقلت في بلدان العالم للدراسة أو البحث، وقضت في السودان ومصر عددا من السنوات لتعلم اللغة العربية ولإنجاز دراستها العليا. وصادف وجودها في السودان آنذاك حدوث انقلاب 19 يوليو 1971م ثم عودة نميري للحكم، وكانت آنذاك تعمل أيضا مراسلة لبعض الصحف. وساهمت بروفيسور فلوور - لوبان وزوجها ريتشارد لوبان في إنشاء جمعية الدراسات السودانية – الأمريكية في عام 1984م، ونشرت منفردة، وبالاشتراك، عددا من المقالات والكتب عن السودان وغيره من البلدان الي قامت بدراستها.

المترجم
********* **********

حينما قدمت وزوجي إلى السودان في عام 1970م كانت لدينا بعض المعرفة الأساسية بحروف اللغة العربية وأصواتها. غير أن معرفتنا بلغة التخاطب كانت محدودة جدا. وبما أن غالب المعلومات التي يستخلصها طالب علم الأنثروبولوجي في أثناء عمله الحقلي تعتمد على السماع والملاحظة، فقد كان الالمام بقدر معقول من اللغة العربية بالسماع من لوازم العملية البحثية في البلاد العربية. وكان على طالب الأنثروبولوجي أيضا فهم الاستخدام السياقي contextual use للعبارات والجمل التي ينطق بها القوم الذين تجرى عليهم الدراسة وهم في مزاج معين. وهذا بالطبع أمر في غاية الأهمية لفهم القيمة الثقافية لما يسمعه ذلك الطالب. ومن خير الأمثلة للكلمات التي يمكن تحليل قيمها الثقافية كلمة "عيب"، إذ أنها كلمة ذاخرة بالمعاني الثقافية المتباينة. فقد تستخدم لتأنيب طفل، أو نقد سياسي، وقد يستعملها قاضٍ لتوبيخ شيخ كبير ارتكب فعلا مشينا، وقد تصف حال الطلاق من زوج بسبب عنة أصابته. لذا فإن الفهم التام للسياق الثقافي للغة ما يعيننا في فهم الاختلافات الدقيقة nuances في تلك اللغة وثقافتها.
ومن عيوب تعلم اللغة سماعيا هو تأخر المعرفة بالقراءة والكتابة، وغلبة الرغبة في المحادثة والتفاعل البشري عند المتعلم على الرغبة في تعلم القراءة (من أجل قراءة الصحف مثلا). فيلجأ المرء لسماع أخبار العالم من أفواه الناس عند غلبة استخدام اللغة في الحديث دون القراءة والكتابة.
ولكل ما سبق ذكره، قمت وزوجي ريتشارد بتعلم أساسيات قواعد العربية وبنيتها اللغوية، وبدأنا في الاستقرار في حياتنا (الجديدة) بالخرطوم، نتحدث بالإنجليزية في البيت، وبالعربية خارجه. وأيقنت أننا في ذلك الوضع كنا أشبه بطفلين صغيرين يحاولان استكشاف وفهم المعاني اللغوية لعالميهما. ولا ريب أننا كنا قد ارتكبنا ما الله وحده به عليم من الأخطاء السخيفة والمحرجة عند بداية مرحلة تعلمنا للغة المخاطبة الدارجة السودانية. فكنت مثلا أجد صعوبة في التفريق بين كلمات مثل جبنة وكبدة وزبدة، والتي كانت تبدو لأذني غير المدربة متشابهة جدا. لذا كنت كثيرا ما أطلب واحدة من تلك الأطعمة بينما يكون مقصدي غيرها. وكنت كثيرا ما أخلط في استخدام صيغة المفرد والمثنى والجمع لكلمات كثيرة، وكان هذا مما يثير الابتسام أو الضحك عند من يستمعون إلي من السودانيين. فكلمة "فنجان" المفردة مثلا تصبح "فنجانان أو فنجانين" في صيغة المثنى، و"فناجين" عند الحديث عن ثلاثة أو أكثر منها، ثم تعود لتغدو "فنجان" عند الحديث عن أكثر من عشرة منها. وبالنسبة لكلمة "بيت"، فصيغة المثنى "بيتان"، ولكننا لم نكن نعلم أن جمع هذا الاسم هو "بيوت"! وكنا نتبادل أحيانا دوري المعلم والطالب عندما نسمع سودانيا يتحدث الإنجليزية وينطق كلمة Pepsi هكذا Bepsi، أو ينطق كلمة port وكأنها bort فنصحح له النطق بألطف طريقة ممكنة، لعلمنا بعدم وجود الحرف الساكن P في اللغة العربية.
وعلى وجه العموم فقد مرت شهور تعلمنا للعربية بيسر وسلاسة بفضل صبر وكرم من قاموا على تعليمنا. وبعد مرور نصف عام على بدء تعلمنا للغة، قابلنا مصادفة الرئيس جعفر نميري، وسعدنا بأن تحدثنا معه في ذلك اللقاء السريع باللغة العربية دون التفوه بكلمة إنجليزية واحدة. وفي تلك الأيام أعطينا أسماء عربية تركت أثرا طيبا في نفوس من عرفنا من السودانيين، وساعدت كثيرا منهم على حفظ اسمينا. فسميت أنا بـ "مهيرة بنت عبود"، وهو اسم لامرأة شايقية اشتهرت تاريخيا منذ القرن التاسع عشر لدفعها للرجال المترددين في قتال الغزاة الأتراك – المصريين بزغاريدها الحماسية، وتقدمها لصفوف المقاتلين وهي على ظهر ناقتها. وظلت قصة تلك المرأة تأسرني وتثير خيالي. وكنت في غاية السعادة أن حملت اسم تلك البطلة. ثم قمت فيما بعد بدراسة حالة "مهيرة بنت عبود" في إطار أوسع وأشمل هو إطار دراسة "السيدة المنتصرة “Lady of victory” cult والتي سادت في مجتمعات أخرى من العالم العربي وشمال إفريقيا. وكان الاسم الذي اختير لزوجي ريتشارد هو "عبد الفضيل الماظ"، وهو أحد ثوار حركة "اللواء الأبيض" التي قامت في 1924م ضد الاستعمار البريطاني. وكان لاختيار ذلك الاسم معنى ومغزى ورمزية خاصة، لا سيما وأن الرجل كان من أبناء الجنوب، وحارب – كغيره من الجنوبيين - مع الشماليين ضد عدو واحد (وهو الاستعمار). ولم ينشغل الشماليون والجنوبيون في تلك الأيام بالحرب ضد بعضهم البعض.
وفي السودان (كما في مصر وتونس) تطورت الكلمات والتعابير ودخلت لغة المخاطبة المحلية كلمات لتعبر عن القيم الثقافية المختلفة. فمعروف أن للمصريين أسلوبا ومنهجا رسميا وهرميا في التواصل مع الأغراب أو الأجانب، ويستعملون معهم بكثرة كلمات ذات أصل تركي مثل "أفندي" و "أفندم".
لقد تحصلت على أكثر ما تعلمته من ذخيرة لغوية عربية مما كنت أسمعه من النساء اللواتي كنت أقضي معهن غالب وقتي. لذا كنت قد تعلمت أن أحيي من أقابلهن من النساء بكلمات مثل "ازيك" أو "كيف الحال" أكثر من كلمات التحية الرسمية "السلام عليكم" التي يستخدمها الرجال عادة. وفي الآونة الأخيرة، وفي سياق الصحوة الإسلامية صار الرجال والنساء يستخدمون معا التحية الإسلامية التقليدية "السلام عليكم" وردها "وعليكم السلام". وكما هو واضح فالتحية وردها يأتيان في صيغة الجمع، ربما لأنهما لا تشمل الشخص المخاطب فقط، بل عائلته أيضا (ورد عند بعض الفقهاء أن صيغة الجمع في السلام ورده سببه هو أنهما للشخص ومن معه من الملائكة. المترجم).
أما بالنسبة لسكننا فقد كنا، ومنذ سنوات، نسعى لنكون جزءا من حياة مجتمعية. فقد سكنا في الخرطوم في معدية / ذهبية/ مركب في النيل houseboat، ثم أقمنا في أمدرمان مع عدد من العائلات عندما كان الحصول على سكن مناسب أمرا صعبا. وسكنا أيضا في شقق في أطراف المدينة، وفي وسط المدينة المزدحم بالباعة والمشترين. وكان لذلك فوائد جمة لبحثينا ولتفاعلنا وصلتنا مع الناس الذين كنا نجري عليهم أبحاثنا. وكان كل ما يقوله المواطنون البسطاء العاديون في سيارات الأجرة والحافلات والقطارات في المدن، وما نسمعه في أحاديثهم من التذمر من فساد الحكومة أو قلة كفاءتها، أو ما تلتقطه آذاننا من أفواه النساء وهن يقفن أمام محل الجَزَّارِ ويشتكين من ضياع الساعات الطوال في انتظار الخبز منذ الخامسة صباحا يترك فينا أثرا قويا لتجربة مثيرة لا تنسى.
وعلى الرغم من صعوبة أن تكون مواطنا أمريكيا بالسودان في بداية السبعينيات (أيام حرب فيتنام) أو بتونس (قبيل اندلاع حرب الخليج) إلا أنه يجب القول بأننا لم نواجه عداءً صريحا ومباشرا لنا أو لأمريكا إلا في حالات نادرة جدا. ومن يدري، فقد تكون معرفتنا باللغة العربية قد ساهمت في حمايتنا من كثير من الآراء الناقدة. بل إننا كثيرا ما كنا نسمع من كثير من السودانيين كلمات ثناء واعجاب (غير مستحقة بالطبع) على قدرتنا على الحديث بالعربية. وربما كان مرد ذلك أن كثيرا من الغربيين من الرحالة والسياح، وحتى المقيمين لفترات طويلة، كانوا لا يأبهون بتعلم اللغة العربية. وكان السودانيون الذين يعبرون لنا عن اعجابهم بطلاقتنا في الحديث بلغتهم يمطروننا، بعد كلمات الثناء والاعجاب، بكثير من الأسئلة عما إذا كانت لنا أصولا عربية، أو أن لنا عبقرية خاصة في تعلم اللغات، أو أننا جواسيس! وتفهمنا مصدر عجبهم وتعجبهم من معرفتنا باللغة العربية وهم يرون مقدار الإهمال وضعف التقويم الذي يبديه الغربيون للغتهم (وفي تونس تبديه كذلك طبقة المهنيون ورجال الأعمال التونسيون المتغربون). وكان من العسير تفسير معرفتنا بالعربية لبعض الذين قابلناهم لأول مرة بأن مردها هو رغبتنا الصادقة في دراسة ثقافتهم وتاريخهم.
وكان لوجود أطفال معنا في الحقل فائدة كبيرة. فقد جئنا للسودان بين عامي 1970 – 1972م وكنا حينها متزوجين حديثا وطالبي دراسات عليا. وعندما عدنا للسودان في عام 1975م كنا ما زلنا لم ننجب أطفالا. وعزز ذلك الشكوك عند كثير من السودانيين بأننا لسنا متزوجين كما كنا ندعي. غير أننا لما عدنا للبلاد مرة أخرى وفي معيتنا طفلة جميلة ذات شعر أحمر عمرها عامين ونصف العام زالت تلك الشكوك، وصار الناس ينظرون إلينا باعتبارنا عائلة، وأكد وجود الطفلة معنا "شرعيتنا". وأضاف لنا وجود طفلة في وسط مجتمع مسلم منظورا جديدا. فقد كانت طفلتنا جوزينا قد بدأت في تعلم الكلام عندما أخذناها للخرطوم، لذا فقد كانت تستاء قليلا عندما نتحدث بالعربية (التي لا تفهمها بالطبع) بسبب أننا كنا نقاسم عائلة أحد الأصدقاء السودانيين مسكنه في انتظار العثور على سكن مناسب، وكنا نتحدث معهم بالعربية. وربما على سبيل الاحتجاج، اخترعت صغيرتنا رطانة gibberish خاصة بها لا يفهمها غيرها وألعاب حيواناتها المحشوة.
وعندما استقرينا في شقتنا بالسوق العربي في الخرطوم صارت جوزينا ماهرة جدا في محاكاة كثير مما كانت تسمعه وتراه من تفاصيل الحياة اليومية في الشارع أو من شرفة الشقة. فكانت تقلد النساء السودانيات في ملبسهن وتضع على جسدها بطانيها الصغيرة بينما كانت تمسك بأطراف تلك البطانية بأسنانها، تماما كما كانت تشاهد النساء السودانيات يصلحن من أثوابهن في المواصلات العامة التي كنا نستخدمها. وذات يوم أثارت جوزينا عجبنا عندما أحضرت منشفة حمام (بشكير) وقامت أمامنا بوضعهاعلى الأرض وأداء كل حركات صلاة المسلمين ولكن في صمت. أين تعلمت ذلك؟ يبدو أنها كانت تراقب من الشرفة تجار السوق العربي وهم يؤدون صلاة العصر جماعة قبل فتح محلاتهم.
ولعل تلك الطفلة الصغيرة قد استوعبت كثيرا من الممارسات الإسلامية في الحياة اليومية دون أن يلقنها أحد ذلك. لم تكن إلا طفلة صغيرة تحاول فهم ما حولها. لقد كانت تستيقظ عندما تسمع آذان الفجر ثم تغفو بعده قليلا حتى تشرق الشمس، ثم تسمعه أربع مرات أخرى كل يوم وهي في دارها أو في خارجها. ولا ريب أن ذلك ترك في نفسها أثرا كبيرا. بل لقد كانت تغطي أذنيها بيديها الصغيرتين مقلدة المؤذن وهو ينادي للصلاة على شاشة التلفاز، وتردد معه "الله هاقبر" فنصححها بالقول: "لا ... لا ... الله أكبر" فتكرر الكلمتين ولكن بطريقتها الخاصة.
إن فضيلة الكرم في مجتمع يتسم بالمساواة egalitarian society كما في السودان أمر معروف وشائع ومقرَّظ في كل المجتمعات الإسلامية. وتعد مشاركة الآخرين (خاصة الفقراء) وتقديم العون لهم فضيلة إسلامية متوقعة من كل المسلمين والمسلمات. ويشعر المسلمون بمزيد من الخجل والأشفاق من تكاثر أعداد المشردين في شوارع المدن الكبرى بسبب قوة قيمة روابط العائلة الممتدة عندهم. فوجود شخص متشرد مؤشر على عدم وجود عائلة لذلك الشخص تقوم على أمره وتأخذ بيده، وهذا بالطبع يجعل الموقف السيء أكثر سوءا. ويعد المسلمون إعطاء أمثال اولئك المشردين بعض المال الزائد أمرا مطلوبا. وكانت جوزينا تطالبنا دوما بإعطائها قطعا معدنية لتمنحها للشحاذين والمتشردين في الشارع. وكان فعلها ذلك يقابل بابتسامات الرضى وكلمات الثناء والتقدير من الشحاذين ومن السَّابِلَة أيضا. واعتادت جوزينا عندما تشتري لنفسها بعض الحلوى أو العلكة أن تعطي بعضا منها للبائع قائلة له تلك الكلمة التي اعتادت سماعها كثيرا: "اتفضل"، معتقدة بأنها كانت تقوم بفعل صائب ثقافيا. وكان كثير من البائعين يتقبلون هديتها الصغيرة بابتسامات ممتدحة عريضة.
وكانت جوزينا قبل مقدمها معنا للسودان قد استوعبت قدرا كافيا من الثقافة الأمريكية، ولا شك أنها في السودان قد تعرضت لصدمة ثقافية. فلم تكن تقبل الفصل بين أبيها وأمها عندما يدعونا بعض الأصدقاء بشكل عائلي، وكانت في بادئ الأمر تأخذني لحيث يجلس والدها مع الرجال. وبعد عدد من المحاولات الفاشلة تعلمت (ربما بأكثر مما يجب) التقاليد الثقافية المرعية في مثل تلك الحالات، وكانت تطبقها حرفيا عندما يزورنا صديق لزوجي في صحبة عائلته، فتذهب بالأم وأطفالها إلى غرفة النوم مباشرة، وبالزوج إلى غرفة المعيشة.
وقاومت جوزينا تعلم اللغة (الجديدة) التي بدأنا فجأة في التخاطب بها، وكانت ترفض، وبشدة، أن تستجيب لطلبنا ترديد عبارات تحية القدوم أو الوداع باللغة العربية. وذات مرة كنا نسير في الطريق معها حين لقينا أحد المارة والذي عبر عن إعجابه بشعرها الأحمر وقال لها على سبيل الملاطفة إنها مثل "السكرة". غير أن العجب أخذ منا كل مأخذ حين سمعنا ردها الحاسم السريع عليه، وبلغة عربية مبينة: "أنا مش سكرة. أنا فلفل".
وبعد عامين من ذلك أحضرنا إلى القاهرة بنتينا. وكانت سن الصغرى منهما (واسمها نيكولا) نحو عام واحد، وكانت في بداية مرحلة تعلم اللغة والثقافة الأمريكية. ولم تتعرض نيكولا، للغرابة، فيما رأينا لأي "صدمة ثقافية" كالتي تعرضت له أختها الكبرى جوزينا، والتي كانت قد أتت للسودان في مرحلة عمرية أكبر. فتشبعت نيكولا باللهجة والثقافة المصرية المميزة (mannerism) للذين كنا نعيش في وسطهم، خاصة طباخنا العجوز حافظ، والذي كان يولي عناية خاصة بطعامها وتعليمها. وبدأت في التحدث بالعربية في ذات الوقت الذي بدأت فيه التحدث بالإنجليزية، ولم تبذل مجهودا يذكر في التفريق بين اللغتين. وكانت مغرمة بقول كلمة "لا NO !" باللغتين من أجل مزيد من التأثير المضاعف. وكانت بأول جمل نطقت بها نيكولا الكثير من الأفعال باللغة الإنجليزية، مطعمة بكثير من الأسماء بالعربية. وبدأت في الكلام ببعض الكلمات المهمة باللغة العربية، وظلت تلك الكلمات ملازمة لها وجزءا أصيلا من ذخيرتها اللغوية، ولوقت طويل بعد عودتنا للولايات المتحدة. وكانت أهم كلمة باللغة العربية لنيكولا هي كلمة "فوطة"، والتي كانت تقصد بها بطانيتها الصغيرة، وأيضا ضمير المتكلم "أنا"، الذي تستخدمه، وبكثرة، للتعريف بنفسها.
وكان طباخنا حافظ هو أول من لاحظ أن نيكولا تبدأ في الغناء – وفي انتظام عجيب - عندما تحس بالشبع. ولم يمض وقت طويل حتى بدأت نيكولا – مثلها أختها عندما كنا في الخرطوم - في تعلم حركات الصلاة وفي تقليد الآذان. ولكنها كانت أفضل حظا من جوزينا، حيث قام مسلم وعربي هذه المرة بإصلاح حركاتها ونطقها بالعربية.
وبعد سنوات طويلة من أيامنا بالقاهرة كانت نيكولا تزور مسجدا عتيقا بإسطنبول في رحلة مدرسية. وبعد الفراغ من جولة في المسجد طلبت من مشرفة الرحلة أن تبقى لبعض الوقت بمفردها في المسجد لتراقب المسلمين وهم يؤدون الصلاة. لا بد أن ذكرى أيام طفولتها الباكرة بالقاهرة ومنظر المصلين في كل مكان كانا يحومان في خيالها وعقلها.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1712

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1316488 [عاطف عبدالغفار]
0.00/5 (0 صوت)

08-06-2015 03:41 PM
جزيت خيرا ياهاشمي وترجمه رائعه وفقك الله

[عاطف عبدالغفار]

بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة