المقالات
السياسة
التغرب اللا واعي أو الوعي الكئيب...الحركة الإسلامية السودانية
التغرب اللا واعي أو الوعي الكئيب...الحركة الإسلامية السودانية
08-06-2015 07:36 PM


إذا راقبت الحراك للحركة الإسلامية السودانية، تلاحظ دون أن تبذل مجهودا كبيرا الحيرة التي يقع فيها ما يطلق عليهم مفكري الحركة الإسلامية في السودان. إبتداء بعرابها الترابي في طرحه للنظام الخالف، وبعض شذراته التي يسميها فتاوى تجديد. هذه الحيرة والتشنج كما يقول داريوش شايغان، ناتجة عن صدمة الحداثة لحضارات تقليدية لم تشارك في عرس الحداثة. لذلك يظهر هذا التشنج عن صدمة الحداثة في التغرب اللا واعي في طرح الإسلاميين أوما يعرف بالوعي الكئيب.

فالحركة الإسلامية السودانية كلما حاولت أن تطرح كهنوتها السياسي، و الإقتصادي، والإجتماعي, أو كل ما طرحت خطابها الإسلامي، فهي تمارس الخضوع للحضارة الغربية في وعي كئيب ناتج عن صدمة الحداثة. وهو ممر إلزامي ستمشيهالحركات الإسلاميةشاءت أم أبت. فعقل الحركات الإسلامية يماثل أساطير بطليموس في علم الفلك إذا ما قورنت بالثورة العلمية لكوبرنك كممثل للحداثة.
ويتضح ذلك في طرح داريوش شايغان في كتابه "ما الثورة الدينيه؟", ويوضح فيه تشنج الحضارات التقليدية من صدمة الحداثة حينما واجهتها. يقول داريوش شايغان، تعيش الحضارات التقليدية مأزقا حقيقيا، متأتيا من أنها فقدت بناها الفكرية الكبرى. ويكبر مأزق هذه الحضارات، لأنها لم تشارك في صنع هذه الحداثة. ولأن التحديث نفسه بداء مرادفا للتغريب، ما جعل من الحداثة جرحا نرجسيا للحضارات التقليدية.
الذي يجعلك تتألم من حالة الوضع الثقافي في السودان لم يك طرح الإسلاميين، ولكن قدرتهم على شل مقدرات الآخرين، وحبسهم في معترك الهوية، وإبقائهم في سجن فكرة سحر العالم الذي قد زال. وإلا لماذا يكتب الأستاذ صلاح شعيب مثلا مقالا عن الهوية، ودماء حروبها, ولم تعجبه فلسفة الحرية في سؤال الوجود؟ أو كما كتب أيضا دكتور حيدر ابراهيم علي عن نجاح خطاب الحركة الإسلامية بقيادة الترابي، وفشلت بعض الخطابات الإسلامية التي تعتبر متقدمة مقارنة مع خطاب حركة الترابي الإسلامية؟
وحيدر ابراهيم علي نفسه ينتقد في خطاب الحركة الإسلامية منذ خمسة وعشرين عام. وهنا يبدو أن أدوات حيدر لنقد الخطاب الإسلامي لم تأتي أكلها بعد, أم أنها دون المستوى الذي يكبح شهيه الترابي في طرح النظام الخالف؟ وتلميذه عبد الوهاب الأفندي كإسلامي يخوض في الساحة الفكرية, مع خالد موسى دفع الله بلا منازل يجندلهم بنقد يزعزع خطابهم, ويتجاوزه, كما حدث للإسلاميين في تونس حينما إنحنى الغنوشي للعاصفة؟
لا أشك في قدرة حيدر ابراهيم علي وصلاح شعيب، ولكن ينبغي أن يتقدما خطوة للخروج من حقل مجال مغنطيس الهوية كما كتب صلاح شعيب مقاله الأخير في الراكوبة. أما دكتور حيدر، فلا ينبغي أن يسجن أفكاره في نقد الإسلام السياسي كحضارة تقليدية في مواجهة الحداثة وعلى مدي ما يقارب الثلاثة عقود، ثم تكون النتيجة في مقاله الأخير في الراكوبة وكأن الذي ينام في تلافيف عقل الإسلاميين هو نفس الفكر الذي ينام في عقله هو كمعارض.
وإلا كيف يتحدث حيدر ابراهيم علي عن أفكار محمد عبده، وعلي شريعتي؟ ففكر محمد عبده قد تجازوه فكر طه حسين ومشروعه وتخطاه بمراحل. والآن مشروع طه حسين نفسه قد تجاوزه وتخطاه التقدم الحاصل اليوم في أفكار الدراسات الإنسانية والمجتمع. وهي دراسة الظاهرة الدينية، وفقا لعلم النفس، وعلمالإجتماع، والأنثروبولوجيا، واللسانيات. فلا يخلو أي مجتمع بشري من الظاهرة الدينية.
بعد التنوير، قد أصبح العقل واحدا، والمعرفة واحدة. وقد أصبحت للحرية بعدا لا يعطي أي مجال لهويات متوهمة مازال غبار معاركها لا يشق في السودان! ومازالت شواهد قبور مدارسها لم تصبح دارسة بعد- كمدرسة الغابة والصحراء, ومدرسة الخرطوم, وأبادماك. فعلى صلاح شعيب، وحيدر ابراهيم، أن يتفاديا قبور مدرسة الخرطوم، ومدرسة الغابة والصحراء, وأبادماك, و يتجاوزوها بطرح يخرج من وحل الهوية, و من وحل نقد الحركة الإسلامية فقط! بل على حيدر ابراهيم أن يطرح نقدا، وتجاوزأ. أي أن يأتي حيدر ابراهيم علي بما يتجاوز فكر الحركة الإسلامية، كما يقول كثير من الدارسين عن النقد والتجاوز بتقوية الوظيفة النقدية للعلوم لإجتماعية.
فعلي الوردي عالم الإجتماع العراقي مثلا، في سوسيولوجيا الدين، يقول الغرض من علم الإجتماع هو "دراسة العلاقات المتبادلة بين الدين والمجتمع، وأشكال التفاعلات التي تحدث بينهما. وان العديد من الكتاب درسوا المسيحية، و اليهودية، على هذا المنوال. بينما يوجد نقص كبير في الدراسات الإجتماعية للإسلام". فكما رأينا, فكر علي الوردي لا ينطلق من حقائق مطلقة في حقل الإجتماع. كذلك إنتقد علي الوردي كتابات أحمد أمين، وقال لا يمكن تصنيفها ضمن العمل السوسيولوجي، لأنه ينتمي الى المدرسة القديمة، أي مدرسة الخطاء والصواب.
فنقد حيدر نقد لم يصحب معه التجاوز للخطاب الإسلامي. فداريوش شيغان ينتقد حتي علي شريعتي، الذي تحدث عنه حيدر بأن خطابه متقدم. لماذا تتقدم كتابات داريوش شايغان على كتابات حيدر ابراهيم علي، وكل منهم يرزح بلده تحت نير خطاب إسلامي منغلق؟فإيران شايغان تنام تحت ليل عباءة ولاية الفقيه، وسودان حيدر تحت ليل يسري فيه خطاب الترابي، وفكرة الخلافة.
عندما نتفحص كتابات حيدر ابراهيم علي عن نقد الإسلاميين ونقارنها بكتابات داريوش شيغان، نجدها لا تختلف في رقمها الذري عن كتابات صلاح شعيب عن الهوية، وبشكل يوضح كسادا فكريا في الساحة السودانية قد جسدته مدرسة الغابة والصحراء، وأبادماك منذ خمسة عقود دون أن تقدم نقدا، وتجاوزا، مقارنة بكتابات داريوش شايغان في مقارباتها الواضحة بشأن الحداثة، والحضارات التقليدية التي تعاني من تشنج صدمة الحداثة.
أما كتابات حيدر حينما يقدم كتابات علي شريعتي، والنورسي، ومحمد عبده، كأنه يرجع الى فكر التلفيق الذي يتحدث عن فكرة الإصالة، والمعاصرة! وهنا يكون حيدر قد إستخدم رجله كسلاح ضد الإسلاميين، ولم يدري أن الرجل سلاح ذو حدين في المعركة. فحينما يتحدث عن خطاب علي شريعتي، ومحمد عبده، يكون الإسلاميين قد قبضوا على رجل حيدر، وسوف يسقطونه بفكرة الأصالةوالمعاصرة.
وهنا يظهر الفرق بين كتابات حيدر ابراهيم علي، وداريوش شايغان. وكأن حيدر لم يتذكر إنتصار شيوخ الأزهر على محمد عبده حينما نجحوا في إبعاده من محاضراته في الأزهر! فعلى حيدر ألا يستغرب في نجاح خطاب الترابي إذا كان هو نفسه يقف في مكان محمد عبده الذي أبعدوه شيوخ الأزهر. ومحمد عبده حينما أبعدوه من الأزهر كان مركز حديثه عن الأصالة والمعاصرة!
صحيح كان علي شريعتي ،في دين ضد الدين، متقدما على خطاب الإسلاميين المنغلق. تماما كما كان محمد عبده متقدما على شيوخ الأزهر، ولكن يظل هذا التقدم في حقل الصراع ما بين الأصالة والمعاصرة كما في حالة محمد عبده. ويظل كل من محمد عبده، وعلي شريعتي, من حضارات تقليدية، لم تساهم في عرس الحداثة. وهدف الحداثة هو تحرير الإنسان من قداسة المقدس، وجلالة السلطة. أو تحرير الإنسان من وصاية الدين. وبالتالي التأكيد على زوال سحر العالم الذي يريد أن يكرسه الخطاب الديني، كما تحدث عن ذلك داريوش شايغان، ومن قبله ماكس فيبر، ومارسيل غوشيه.
هاشم صالح، تلميذ محمد أركون، كتب في جريدة الشرق الأوسط عن داريوش شايغان مرددا قوله عن الحضارة الغربية. فهي وحدها - أي الحضارة الغربية- التي إستطاعت تحقيق الخروج الكامل من الأصولية الدينية. وهي وحدها التي حققت إستقلالية العقل، بالقياس الى النقل، والفلسفة بالقياس الى الدين. وهذا الذي لم تستطع تحمله بقية الحضارات التقليدية! إنه كالمعجزة.
فمتى يخرخ قلم المثقف السوداني من حقل مغنطيس الهوية, كما كتب صلاح شعيب عن الهوية, وكما كتب حيدر ابراهيم علي عن إنتصار حركه الترابي على خطابات إسلامية أكثر تقدما من خطاب حركة الترابي؟
طبعا لا ننسى اليوم الإنحراف الكبير الذي نتج من خيانة أوروبا للتنوير، و رغما ذا تظل الحضارة الغربية جرحا نرجسيا لحضارات تقليدية لم تشارك في عرس الحداثة كما يقول داريوش شايغان.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1797

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




طاهر عمر
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة