المقالات
السياسة
تهجين السلطة في سودان الحكم الثنائي
تهجين السلطة في سودان الحكم الثنائي
08-10-2015 01:21 AM

تهجين السلطة في سودان الحكم الثنائي
The creolization of authority in condominium Sudan
بروفيسور جيستن ويليس Professor Justin Willis
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة لبعض ما ورد في مقال عن "تهجين السلطة في سودان الحكم الثنائي" للبروفيسور جيستن ويليس، نشر في عام 2005م بالعدد السادس والأربعين من مجلة التاريخ الإفريقي Journal of African History.
ولبروفيسور ويليس - بحسب ما جاء في صفحته في موقع جامعة درم - اهتمام خاص بالتاريخ الأرشيفي والشفاهي لمنطقة شرق أفريقيا (التي تشمل كينيا وأوغندا وتنزانيا والسودان) وبالتغيرات الاجتماعية التي حدثت فيها في القرنين الأخيرين. وأجرى الرجل أيضا أبحاثا في التاريخ الثقافي للانتخابات في شرق أفريقيا، والتاريخ الاجتماعي للمشروبات الكحولية فيها.

المترجم
**** **** **** **** ****

سأورد هنا بعض الحكايات عن سوء استخدام السلطات في بعض أحكام صدرت في أزمان ماضية، لم يكن للمواطنين أن يتقبلوها أو يتحملوها لو كانوا يعلمون ما كان يحدث فعلا.
لقد كان من عادات الإداريين البريطانيين الدالة على التكلف affectation أن يدخلوا في حديثهم بالإنجليزية بعض الكلمات بلغة الأهالي الذين يحكمونهم، بغض النظر عن مدي إجادتهم لتلك اللغة. وربما كانوا يفعلون ذلك تأكيدا لثقتهم في أنفسهم، وفي تمام سيطرتهم على هؤلاء البشر الغريبين exotic people، وأيضا لمحاولتهم الانضمام لعضوية قلة صفوية من البريطانيين الذي يعرفون البلاد ولغتها. وغدت إجادة اللغة "مهارة مقصورة على فئة قليلة esoteric skill". ومن المثير دراسة طبيعة واجبات الإداري البريطاني وسياسة حكومته المكتوبة بلغة، والتي يطلب منه تنفيذها عمليا بلغة أخرى، بل ويطلب منه أيضا تفسير تلك السياسة والتعليمات للقبائل بلغاتها. وليست القضية هنا قضية ترجمة (حرفية) لتلك السياسات أو التعليمات، بل إنها ظواهر جديدة بالكلية. فهنالك من الكلمات في تلك السياسات والتعليمات ما هو غير قابلة للترجمة، وهذا مؤشر على وجود مسافة بين عوالم المستعمر والمستعمرين – وهذا ما أسماه أحد الكتاب عملية "التهجين".
وفي هذه الورقة سنستخدم كلمة "حكم Hukum" للدلالة على مجموعة الأحكام القضائية التي حكمت بها "الإدارة الأهلية"، أو بعبارة أخرى هي القدرة على إصدار عقوبات عن محكمة معترف بها من قبل الحكومة. وتدل كلمة "الناس Nas" على الرعية (subjects) الذين ليس بيدهم سلطة ولا قوة. ونتناول هنا أيضا بعض أحكام واحد من أهم رجال الإدارة الأهلية بالسودان، ألا وهو علي التوم ناظر الكبابيش، الذي تصوره الكتابات البريطانية مثالا نموذجيا محبوبا (beau idéal) للزعيم الذي يحكم بالقوانين العرفية – وبكفاءة عالية – قبيلة رعوية غير قارة (مترحِّلة). وتشير الحكاية للمدى الذي بلغته أحكام ذلك الزعيم القبلي (وهنا سترد أيضا بعض جوانب التاريخ الافريقي ذات العلاقة).
قضية عبادي علي وزوجته خديجة
ذهب علي سالم بلال في مارس من عام 1936م إلى منطقة المرخ Marakh بشمال كردفان لجمع الضرائب. ولم يكن لذلك الرجل من وضع رسمي غير عضويته في محكمة الإدارة الأهلية، والتي كانت تعمل بتفويض من ناظر الكبابيش علي التوم. ولكن علي سالم بلال لم يكن رجلا عاديا، بل كان ابن سالم بلال رئيس المحكمة الثانوية المحلية، وابن أخت nephew الناظر علي التوم، أحد إخوان سالم بلال (المعنى ملتبس في النص الأصلي. المترجم)، والذي تقع تحت سيطرته الفعلية تلك المحكمة والمحاكم الأخرى بمنطقة دار الكبابيش الواسعة الممتدة، والتي تبلغ مساحتها 50000 ميل مربع (ذكر الكاتب هنا أن الإداري البريطاني فيليب هوق هو أفضل من كتب عن الكبابيش، وذلك في مذكراته في سودري، المحفوظة في جامعة درم بإنجلترا. المترجم).
لقد كان توظيف الأقرباء لأداء الأعمال الرسمية واحدا من أهم عناصر ركائز سياسة الناظر علي التوم. فقد كان يعتمد تماما على أقربائه في فرع النوراب، خاصة من نسل "أولاد فضل الله"، والذين احتكروا عضوية أكبر محكمة أهلية في دار الكبابيش. وعضد علي التوم من سلطته أيضا بتعيينه لعملاء من أصول مختلفة لا يمتون له بصلة قرابة، إلا أنهم كانوا عملاءه (زبائنه) الشخصيين personal clients، ومن فقراء الناس الذين نشأوا في كنفه من الصغر، وتولوا – بفضله – مناصب قضائية كبيرة في سائر دار الكبابيش. وكان البريطانيون يغضون الطرف، بل يشجعون، استخدام ذلك الناظر لحاشيته وعائلته في أعمال الدولة "الروتينية". وسجل شارلس دي ننسن أحد الإداريين البريطانيين في سودري، وأحد الراضين عن سياسة الناظر علي التوم بدار الكبابيش في مذكراته ما سمعه من محمد (شقيق ذلك الناظر) من عبارة ملتبسة المعاني نصها: "في شغل الحكومة ما في تعب".
إذن فقد كانت زيارة علي سالم بلال تلك للمرخ زيارة روتينية، وهي "روتينية" بالفعل لذلك الرجل والذي كان قد دأب على تحصيل الضرائب المستحقة من الأهالي بالمنطقة، وفوقها مبالغ تفوق ما هو مفروض عليهم فعلا، أو ما كان يسجله في دفتره الرسمي. وكان بعض الإداريين الأوربيين من ذوي الخبرة والدراية بالأحوال في دار الكبابيش يعلمون أن الأهالي كانوا يدفعون مكوسا (حبوبا من المزارعين وماشية من الرعاة الرحل) أكثر مما هو مفروض عليهم، ويعلمون أيضا أن الناظر حاز بتلك الأموال على ثروة هائلة، كان يستخدم جزءا منها في كسب ود أتباعه، وفي منح الهبات لمن كانوا يسعون للحصول على مساعدات شخصية منه. ولم يجرؤ أ أحد من أولئك الإداريين على محاولة منع تلك الممارسات (إلا واحدا منهم، ولفترة قصيرة جدا، ودون أن يصيب أي نجاح). وكان صغار الإداريين السودانيين المتحمسين من مساعدي مفتشي المراكز يبلغون عن مخالفات من نوع ما ذكرنا، غير أن البريطانيين كانوا لا يلقون بالا لتلك البلاغات.
وبالعودة لقصة صاحبنا علي سالم بلال، فقد ذهب للمرخ لجمع الضرائب، غير أن عينه وقعت هذه المرة على امرأة بالغة الجمال اسمها خديجة. وهنالك عدة روايات مختلفة عما حدث بعد رؤية الرجل لتلك الحسناء. فورد في إحدى الروايات أن الرجل قد سأل أولا عما إذا كانت تلك المرأة متزوجة أو مخطوبة. ولما أخبر بأنها ليست كذلك تقدم لوالدها ودفع مهرها ونادى المأذون وشاهدين. أما رواية خديجة نفسها فمختلفة جدا. فقد أكدت أنها ذكرت لمن جاء لخطبتها أنها متزوجة. وأضافت بأن علي سالم بلال مارس مع عائلتها صنوفا من الإرهاب والبلطجة والرشوة للشهادة زورا بأن زوجها الأول قد طلقها، وقبلوا منه مهرا قدره عشر جنيهات مصرية وعشر قطع من الملابس. وذكرت خديجة بحسب الوثائق الحكومية في يونيو 1936م ما نصه: "أتانى حامد علي وخالي محمد أحمد النعيم وأخبراني بأن علي سالم بلال يريد أن يتزوجني. فأخبرتهم بأني متزوجة من عبادي علي. غير أنهم قالوا لي إني علي سالم رجل صاحب سلطة ونفوذ وليس بإمكانهما رفض طلبه".
ومن العجيب أن علي سالم بلال لم يشك في الأمر حين هربت عروسه من الدار، وزعم أنه لم يكن على علم باحتجاجها، أو بأي مشكلة في زواجه منها. كل هذا مع أن والدتها أخبرت الجميع بأن ابنتها متزوجة من رجل ذهب في تلك الأيام لأمدرمان في مهمة تجارية، وقام على إثر ذلك بعض أهلها بإساءتها وضربها بالسياط عقابا لها على قولها الحق. ولما عاد الزوج من أمدرمان وجد أن رجلا اسمه علي سالم بلال قد قام بالزواج من زوجته والسكن في بيته، فهرع إلى الناظر علي التوم للاحتجاج وطلب الانصاف. وتتباين الروايات حول ما حدث بعد ذلك. فقد زعم عبادي علي في أقواله المسجلة بتاريخ 29/5/ 1935م أنه قدم شهودا من أهله يؤكدون أن زوجه خديجة ما زالت على ذمته. وقال أيضا إن الناظر علي التوم ذكر له بأن تلك المرأة لن ترجع إلى عصمته، وأعطاه باستخفاف جنيها واحدا على سبيل التعويض. وأكد في أقواله إن نسيبه قد تعرض هو الآخر للتهديد في المحكمة لإصراره على أن خديجة ما زالت على ذمة عبادي علي. ومن المثير والغريب أن هذا الجزء الأخير من شهادة علي عبادي لم يظهر في نص الترجمة الإنجليزية للأقوال. وردا على تلك المزاعم قال الناظر علي التوم أنه عقد جلسة رسمية في محكمة الكبابيش (وليس هنالك أي تسجيل لوقائع ما دار في تلك الجلسة) لبحث شكوى عبادي علي، وأن المحكمة لم تجد دليلا على أن الرجل متزوج بالفعل من خديجة.
وثار عبادي علي وغضب مما سمعه من حكم الناظر علي التوم، فغادر معسكر الناظر في غرب دار الكبابيش واتجه شرقا ليأخذ معه خديجة ويسافر بها لأمدرمان لمقابلة القاضي الشرعي. وأسقط في يد ذلك القاضي، ووجد نفسه في مأزق عسير بسبب عدم تمتعه بالصلاحية اللازمة للفصل في هذه القضية لأسباب كثيرة. غير أنه، رغم ذلك، أظهر انزعاجا كبيرا لما حدث للرجل دفعه لتحرير خطاب إلى السكرتير القضائي طالبا منه المشورة والنصح. وزاد الأمر تعقيدا أن الناظر علي التوم، وبعيد سماعه لاختطاف عبادي علي لخديجة وهروبه بها لأمدرمان، أبلغ الشرطة عن الرجل وطالب باعتقاله، بل اعتقل كل أفراد عائلة خديجة وأبلغهم بأنه لن يفرج عنهم حتى يعود عبادي وخديجة لدار الكبابيش. غير أن نائب السكرتير القضائي كان قد أصدر قرارا بعدم إجبار الرجل وزوجه على العودة، وخول القاضي الشرعي للبت في القضية، وأرسل في يوم 6/6/1936م مذكرة لمدير كردفان يستفسر فيها عما حدث في مديريته.
وأشعلت تلك القضية نيران احتكاك مزمن وحساسية مفرطة كانت قائمة بين السكرتير القضائي والسكرتير الإداري، إذ أن سياسة الاستقلال الذاتي (devolution) كانت قد منحت السكرتير الإداري ومن يعملون تحته (وحتى سنوات منتصف الثلاثينيات) سلطات قضائية واسعة. فوصف السكرتير الإداري ما قام به نائب السكرتير القضائي بأنه تدخل في شئونه وشئون من يعملون تحته. ولما عاد السكرتير القضائي من عطلته السنوية قام – مضطرا - بإصدار أمر ألغى بموجبه ما قام به نائبه، وأمر القاضي الشرعي بالتخلي عن النظر في تلك القضية. وكان ذلك أمرا مفروغا منه على كل حال، إذ لم يكن أمام ذلك القاضي إلا أقوال الشاكي عبادي علي. وأمر القاضي الرجل في يوم 5/8/1936م بالرجوع إلى دار الكبابيش وعرض شكواه أمام مساعد مفتش المركز شارلس دي بنسن، والذي سيستعين في فصل القضية بحكم القاضي الشرعي ببارا (لعدم وجود قاض شرعي في دار الكبابيش). وعند وصوله لدار الكبابيش أمر الرجل بوضع ضمان قدره 50 جنيها مصريا والتعهد بعدم مغادرة المنطقة مرة أخرى. وغادر مساعد مفتش المركز في دار الكبابيش مكتبه في جولة طويلة trek في كردفان دون أن يحدد موعدا للنظر في قضية عبادي علي. بل زعم لاحقا أنه كان قد أساء فهم التعليمات الصادرة إليه، وأنه قد فهم منها أنه أمر بعدم النظر في القضية مجددا. وأصاب اليأس عبادي بعد انتظار ثلاثة أشهر دون النظر في قضيته. وبعد أن مل من حياة التخفي مع زوجه عند بعض معارفه، ومع تطاول سجن الناظر لأهله، قرر الرجل الرجوع لأمدرمان مرة أخرى وتقديم عريضة للسكرتير القضائي. وهنا تبدل موقف مساعد مفتش المركز، فقال إنه أعاد قراءة التعليمات الصادرة له وأنه فهمها الآن، وسيحدد موعدا للنظر في الاستئناف المقدم من عبادي (ولم ينس أن يؤكد على عدم رضاه من تجاوز الرجل لتهده وفراره لأمدرمان).
واختلفت الروايات في ما حدث بعد ذلك. فقد قال مساعد مفتش المركز إنه، وبالتشاور مع مجلسه، توصل إلى أن عبادي كان بالفعل زوجا لخديجة عندما تقدم لها علي سالم بلال. ولكنه أضاف أيضا أن الأخير كان ضحية خداع بعض أفراد عائلة المرأة، والذين طمعوا في كسب بعض المال والتزلف لذلك الرجل الثري. وزعم مساعد مفتش المركز أن قاضي بارا الشرعي عجز عن إبداء رأي صريح في القضية فأعاده في 21/11/ 1936م على الفور لمدينته بناء على طلبه. وأتى فيليب هوق ليحل محل شارلس دي بنسن في وظيفة مساعد مفتش مركز، وأمر بإعادة التحقيق في مجمل القضية. وتوصلت الشرطة أخيرا إلى أن علي سالم بلال كان قد قدم رشوة لبعض أفراد عائلة خديجة ليشهدوا زورا بأنها غير متزوجة. وخلصت إلى أن على أهل خديجة أن يردوا ما دفعه علي سالم بلال لهم (وأرتفع هذه المرة مقدار ما دفعه إلى 31 جنيها مصريا و24 من الضأن)، وأوصت بإنزال العقاب على من تورط من أهل خديجة في خداع الرجل، وأن يحدد ذلك العقاب بواسطة محكمة الناظر علي التوم نفسه، وذلك تأكيدا لحكم القبيلة، وليشهد أفراد القبيلة مدى سلطة تلك المحكمة الأهلية. غير أن التوصية بالحكم علي الزوج (عبادي علي) بالسجن لعدم تقيده بالإجراءات الصحيحة للتقاضي لم تجد طريقها للتنفيذ.
وأثارت تلك القضية بعض الضجة في الخرطوم بعد اعتراف نائب السكرتير الإداري بأن ظلما بينا قد وقع على عبادي علي، وأن القضية قد حسمت الآن وليس هنالك من داعٍ لإعطائها حجما أكبر من حجمها.
لقد كانت تلك قضية مميزة لأنها أول قضية مثبتة في سجلات الحكومة يثيرها أحد أفراد قبيلة الكبابيش ضد زعيم قبيلته علي التوم، رغم أن كثيرين من غير رجال الكبابيش كانوا قد اشتكوا عديد المرات من سلوكه.
غير أن لما سردناه من قصة عبادي وزوجه قد تكون له أبعادا أكثر من كونها قصة ظلم فردي حاق برجل واحد في القبيلة. فالقصة قد تدلنا على أن السلام والأمن النسبي الذي ساد في دار الكبابيش تحت نظارة علي التوم كان له ثمن. وتدلنا كذلك على أن الإداريين البريطانيين كانوا على استعداد لغض الطرف عن كثير من المظالم من أجل الحفاظ على السلام والأمن الشامل في المنطقة، وعن محاولات الناظر علي التوم التحايل على قوانين الشريعة وتقاليد القبيلة التقليدية. وترشدنا القصة المذكورة إلى السبب الذي جعل رجال الكبابيش يحجمون عن الشكوى من ناظرهم للحكومة. وقد أثار بروفيسور طلال الأسد بعضا من تلك الأسئلة في كتاب ومقال له عن المنطقة ("عرب الكبابيش ...القوة والسلطة والرضى “The Kababish Arabs: Power, Authority and Consent، و"مذكرة عن تاريخ قبيلة الكبابيش A Note on the History of the Kababish Tribe". وقد عرض البروفيسور طلال الأسد سببين لقبول الكبابيش لحكم الناظر علي التوم. أولهما هو أنه ليس هنالك موافقة (consent) أصلا، فرجال الكبابيش يقبلون بحكم الناظر علي التوم كحكم شرعي (legitimate) بقدر ما كان يخدم مصلحتهم الأساس، والتي كانت تتلخص في الحفاظ على دائرة داخلية، تكون فيها الأسرة (وعلى رأسها الرجل) وحدة اقتصادية مستقلة. وركز بروفيسور الأسد أيضا على مفهوم "السلطة" أو "القدرة على الحكم" عند الكبابيش، والذين يؤمنون بأن "أولاد فضل الله" هم الذين بيدهم السلطة عند الكبابيش، وهذا يعطيهم الحق في امتلاكها. وزعم بروفيسور الأسد أيضا أن "الافتقار إلى المساواة الهيكلية الذي رعي سياسيا political structured inequality" كانت هي السائدة في أوساط هذه القبيلة. وتعطينا قصة عبادي علي وزوجه مثالا جيدا على تلك الظاهرة، وعلى التفاعل interaction بين المسئولين البريطانيين وطموحات علي التوم وعائلته. وهذا ما كون الأشكال الرسمية التي جسدت حكم الكبابيش، ودعا المسئولين البريطانيين لاستبعاد ذلك الحكم من دائرة أحكامهم الأخلاقية، وجعلهم يتخلون (ربما مؤقتا) عن بغضهم وكرههم الشديد للقوانين العرفية.
علي التوم: "الفارس الدمث المثالي"
كان علي التوم (أو AT كما كان البريطانيون يسمونه على سبيل الاختصار) منذ عام 1936م شخصية اسطورية. فالرجل سليل حكام توارثوا الحكم منذ عقود طويلة. وكان والده وعمه قد قتلا في عهد المهدية في ثمانينيات القرن التاسع عشر. وذكر اسم عمه في رواية تاريخية صدرت عام 1892م صدرت تحت عنوان " The Dash for Khartoum – A Tale of the Nile Expedition الزحف نحو الخرطوم: قصة حملة النيل". ونصب المستعمر البريطاني علي التوم حاكما على كردفان فور استيلائه عليها في 1900م، وعدوا ذلك "إعادة للأوضاع لما كانت عليه"، تماما كما سموا احتلالهم للسودان "استعادة السودان". ومنذ بداية القرن العشرين، وبعد فترة قصيرة من التردد والشك، بدأ نجم علي التوم وسمعته في الصعود والتألق، خاصة في أوساط الإداريين البريطانيين. وكان هؤلاء الإداريون مسحورين spellbound بالرجل ويتعاطفون معه ويتجاهلون كل الاتهامات التي كان يوجهها المتضررون منه ومن استغلاله للسلطة. فقد جاء في تقرير مدير كردفان يوم 24 يونيو1903م ما نصه: "إن علي التوم هو أفضل شيخ عرب أقابله في حياتي. فهو يحافظ على الأمن والهدوء والاستقرار في أوساط قبيلته، ويدفع ما يجمعه من مكوس بصورة منتظمة وفي المواعيد تماما. وبالإضافة لذلك فهو مطيع جدا (هكذا) لكل الأوامر التي أصدرها إليه". وكان الرجل ضمن وفد الولاء الذي سافر للندن في عام 1919م لتهنئة الملك جورج بالانتصار في الحرب العالمية الأولى، وأنعم عليه البريطانيون بـ "وسام فيكتوريا Victoria Order"، وبميدالية الزعماء الأفارقة Medal for African Chiefs وأخيرا بلقب "سير Knight of the Order of the British Empire” . لذا صار لقبه عند البريطانيين Sir AT. وظل كبار الإداريين يعدونه مستشارهم وكاتم اسرارهم (confidant) ومن الثقات المقربين. وبعثوا له بمدرس خاص لتأسيس مدرسة متنقلة لتعليم أولاده الرحل حتى لا يفسدهم تعليم المدينة (كان ذلك المدرس هو حسن نجيلة. المترجم)، بينما كان ناشئة الإداريين البريطانيين يسعون لنيل رضائه ويصلحون من هندامهم وربطات أعناقهم قبل لقائه. وقام مارتن دالي بتحرير مذكرات إداري بريطاني صغير في كردفان وردت فيها أدلة قاطعة لتغاضي الإداريين البريطانيين عن أفعال علي التوم المخالفة للقانون، وعن إخفائهم لكل الأدلة التي تثبت مخالفاته فيما يتعلق بتحصيل ضرائب من الأهالي تفوق ما هو مفروض عليهم، وعن استغلاله للمساجين في أداء أعماله الخاصة، وعن مقاومته الشديدة لمحاولات الحكومة منع الكبابيش من امتلاك الرقيق أو تسهيل عبور تجارته.
لقد ظل البريطانيون، ومنذ بدء حكمهم للسودان، يعتبرون ن قوانين القبائل العرفية هي ما ينبغي الركون إليها في حكم أقاليم السودان. وكانت كردفان هي أولى المديريات التي منحت فيها الحكومة الاستعمارية سلطة قضائية لرجال الإدارة الأهلية. غير أن الحكومة استثنت السير علي التوم من تلك القوانين بذريعة أن ذلك سيحد من "سلطاته العقابية / التأديبية punitive". وبعد سنوات العشرينيات ترسخت قوعد "الحكم غير المباشر" وغدا الناظر علي التوم كما جاء في تقرير المخابرات بتاريخ 12/12/1928م "خير مثال لزعيم إحدى قبائل العرب الرحل، فهو غير متعلم ولكنه مخلص ومؤثر". وكانت الحكومة البريطانية تؤمن بأن الحكم الذاتي (devolution) هو ما ينبغي أن يسود في أقاليم السودان. غير أنها كان تؤمن أيضا بأن ذلك لا ينبغي أن يعني تكوين "وحدات تقليدية صغيرة small traditional units" لأنها غير قابلة للحياة، وغير مجزية اقتصاديا، ولن تصمد طويلا أمام سيل التغيرات الاجتماعية الواسعة (التي حدثت أو ستحدث بالبلاد). وجاء في مذكرة لمدير مديرية كردفان صدرت في 20/1/ 1930م بأن المحاكم "ينبغي أن تجسد الأعراف والتقاليد – غير أنها يجب أيضا أن تساعد في إعادة صياغة وتشكيل الأعراف والتقاليد، وفي خلق "قبائل" أكبر".
وعلى الرغم من إصرار البريطانيين على منح زعماء القبائل سلطات قضائية، إلا أنهم كانوا يشكون في محاكم الإدارة الأهلية ولا يثقون بها كثيرا، وذلك خوفا من أن تدخل تلك المحاكم ثقافة سلطة culture authority قد تخرب ما هو معهود عند الناس من "تقاليد وأعراف". ومن عجب، فإن المسئولين البريطانيين، وخوفا من أن يؤدي محو الظلم والفساد لتخريب "التقاليد والأعراف" ببادية السودان، أصروا عمليا على السماح بقدر معين من هذا الفساد والظلم! فقد سجل ماكمايكل في خطاب له لمدير كردفان بتاريخ 23/3/ 1929م ما نصه: "لا يشك عاقل في أنه ستكون هنالك الكثير من المحسوبية والتحيز والفساد عندما تصبح الإدارة الأهلية أمرا روتينيا". وكان تقنين سلطات الإدارة الأهلية يعني بالضرورة تعريفها بصورة واضحة وتحديد اختصاصاتها وحدودها. وكان هذا ما يخشاه المستعمر البريطاني في حالة الناظر علي التوم، والذي كان لا يريد لتلك المحاكم أن تقلص من سلطة ذلك الناظر المطلقة في شمال كردفان. لذا استثناه البريطانيون من الشرط الذي وضعوه للمحاكم الأهلية من ضرورة رصد وتسجيل الغرامات المالية والأحكام التي تصدرها كتابة. وكان تفسير الإداريين البريطانيين لذلك الاستثناء لعلي التوم هو أنه يدير – وبكفاءة عالية - منطقة يقطنها عرب رحل، وتمثل سلطته بينهم تراتيبية اجتماعية social order معينة تحتقر القوانين والمراسيم والقواعد، ولا تعد ولا تعمل إلا بمفهوم الشرف، كما ذكر ذلك من قبل سي. أم. داوتي في مذكراته المعنونة: "Travels in Arabia Deserta" والصادر في عام 1881م. فهذه هي الصحراء، وهؤلاء هم عربها الرحل الذين لم تمتد إليهم يد الحضارة والمدنية بعد، والذين لا يؤمنون إلا بحكمة وعدالة احكام زعمائها الوراثيين الشرعيين، والذين كانوا يشاركونهم قيما مشتركة يحافظون عليها بنقاء وصفاء الحياة البدوية.
ونعى دوجلاس نيوبولد في إصدارة "يومية كردفان الشهرية" في شهر فبراير 1938م السير علي التوم، وسرد ببعض السطحية طرفا من سيرته. وجاء في ذلك النعي أيضا أن ذلك الزعيم القبلي " ATهو رجل بسيط في عاداته، مباشر في حديثه، لا يمل ولا يكل من الترحال، فهو يديم التنقل على ظهر بعيره، وهو خبير بالإبل ومراعيها وبعادات العرب الرحل وحقوقهم". ولم يكن أي إداري بريطاني يرغب في رفض أو مراجعة ما ينزله من أحكام وعقوبات في محكمته حتى لا ينتقص ذلك من سلطته في وسط أفراد قبيلته.
وكان الناظر علي التوم يعبر دوما عن نفوره من المحاكم النظامية / الرسمية، وعن خشيته من المراقبة. بل لقد كان يشك في أن المدرس الذي بعثته الحكومة لتعليم أبنائه قد يكون في الحقيقة جاسوسا (وهنا شكر الكاتب د. فدوى طه على ترجمتها له اجزءا من كتاب المدرس المقصود وعنوانه "ذكرياتي في البادية". المترجم). غير أنه لم يقاوم محاولة الحكومة ضبط وتنظيم حكمه. بل لقد عرض المساهمة في أي تكاليف إضافية يتطلبها إنشاء محاكم نظامية / رسمية في دار الكبابيش على نفقته الخاصة. ولا ريب أن علي التوم كان قد لاحظ أن غالب قبائل مديرية كردفان كانت قد استجابت لقرار الحكومة بإنشاء محاكم نظامية/ رسمية، وكان لا بد له من الاستجابة في نهاية المطاف، لا سيما مع ظهور قضايا كان يتهم فيها رجل من غير قبيلة الكبابيش بارتكاب جرم ما في دار الكبابيش، أو عندما يتهم رجل من الكبابيش بارتكاب جريمة ما في خارج ديار قبيلته ويمثل أمام محاكم نظامية في أرض قبيلة أخرى أكبر من قبيلته. وكان مدركا أيضا أن الحكم الاستعماري قد أعانه على توسيع سلطته وتعضيد زعامته وزيادة نفوذه وثروته الشخصية بتكليفه بجمع الضرائب من أبناء قبيلته وزيادتها كيفما شاء. ولم يكن بالطبع يرغب في فقدان كل ذلك، خاصة وهو محاط بقبائل ونظار قد يفوقونه قوة ونفوذا، وبأفراد قبائل كانوا قبل ظهور المهدية يعدون من أفراد قبيلته (الكبابيش) ولكنهم غدوا بعد المهدية قبيلة منفصلة، مثل الكواهلة.
وفي المفاوضات التي جرت بين البريطانيين وعلي التوم بين عامي 1931و1934م أظهر الرجل مهارة وبراعة تفاوضية عالية، حيث حصل على موافقة بأن يكون رئيسا لأكبر المحاكم في دار الكبابيش (والتي كونت لها ثلاثة فروع، ووعد أيضا بضم محكمة الكواهلة لمحاكمه في المستقبل القريب)، وأن يتلقى –كالنظار الآخرين – راتبا سنويا من الحكومة، وأن يكون راتبه أعلى من أي ناظر آخر (ومنح بالفعل 1450 جنيها مصريا)، وأن يحصل من تحته من المعاونين والوكلاء أيضا على رواتب حكومية مجزية. ومنح علي التوم صلاحيات قضائية واسعة لم تمنح لناظر من قبله، ولم يطالب – كغيره من النظار - بالاحتفاظ بسجل بالأحكام التي يصدرها أو الغرامات التي يفرضها. وطلب علي التوم من السلطات أن تسمح له بفرض عقوبات "مهينة slavish" على الذين يرتكبون مخالفات يسيرة، مثل جلب المياه من الآبار وقطع الأشجار للحصول على الحطب، دون أن تسجل تلك العقوبات في السجل الحكومي المخصص للأحكام. وكان رد الحكومة هو أن كل ما تطلبه منه هو تطبيق مبادئ العدالة بما يتفق مع تقاليد وأعراف الكبابيش في مثل هذه الحالات، شريطة أن يعمل على القضاء على الجريمة، وأن تظل القبيلة راضية.
وبهذا أقيم "حكم" علي التوم ... سلطة حاكمة ليست بالتقليدية، ولكنها أيضا لا تخضع لحكم القانون.
وكانت آخر نصائح المفتش البريطاني شارلس دي بينسن في مذكراته التي تركها لمن خلفه في المركز: "يجب أن لا نتدخل في محكمة السير علي التوم (Sir AT)، ربما إلا فيما يخص تسجيل القضايا التي ينظر فيها، والغرامات التي يفرضها (وإذا طبقت العدالة فربما لا يكون هنالك داعٍ للمقترح الأخير).


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1894

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1318219 [بدر الدين حامد الهاشمي]
0.00/5 (0 صوت)

08-10-2015 01:39 AM
تصحيح
لم ينس أن يؤكد على عدم رضاه من تجاوز الرجل لتهده وفراره لأمدرمان.

لم ينس أن يؤكد على عدم رضاه من تجاوز الرجل لتعهده وفراره لأمدرمان.

[بدر الدين حامد الهاشمي]

ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة