حرب الوثائق
03-17-2011 09:16 PM

حرب الوثائق

فيصل محمد صالح

اشتدت حرب الوثائق بين المؤتمر الوطني وحكومة الشمال من جهة، والحركة الشعبية وحكومة الجنوب من جهة أخرى، وأعادتنا مرة أخرى إلى أجواء التوتر والعصبية. وتحاول الحركة إثبات أن حكومة الشمال تدعم الحركات المتمردة في الجنوب، وعلى رأسها حركة الجنرال جورج أطور، بينما تنفي الحكومة ذلك وترد بحرب مماثلة.
قيمة الوثائق، إن صحت، في تسجيل موقف قانوني قوي، ربما تتبعه شكوى أمام الجهات الراعية لاتفاق السلام، أو المنظمات الإقليمية والدولية، لكن القراءة السياسية وتحليل المواقف لمعرفة ما إذا كان طرف سياسي يدعم أطراف متمردة في أماكن أخرى، لا يحتاج لوثائق بقدر ما يحتاج لمعرفة بالمواقف السياسية وطريقة تصرف الأطراف الأخرى وسوابقها. وبهذه القراءة لا يستبعد المرء إمكانية دعم الحكومة السودانية لأطراف متمردة في الجنوب، مثلما لا يستبعد أيضا دعم حكومة الجنوب لأطراف متمردة في دارفور ومناطق أخرى.
وأي قراءة لسلوك الأطراف المختلفة سيؤيد هذا الزعم، فرغم الخطابات السياسية المنمقة في اللقاءات الجماهيرية والمؤتمرات، والحديث الناعم هنا وهناك، إلا أن العقلية المسيطرة للأسف الشديد، هي عقلية متشابهة تستثمر في الفتن والشقاقات، وتعتقد أن مصلحة كل طرف في عدم استقرار الطرف الآخر.
لكن أخطر ما في الأمر هو أن الحركة الشعبية تجتر تجربة خصمها اللدود المؤتمر الوطني، وتمضي في إثره، حذوك النعل بالنعل، في صرف الأنظار عن المشاكل الداخلية ومسبباتها، والقاء اللوم على المكون الخارجي، الدافع والمحرك من وراء الستار. تحاول الحركة الشعبية إغفال أن في الجنوب كما كبيرا من المشاكل ورصيد من الأزمات يمكن استثماره في أية لحظة، من الخلافات والتحيزات القبلية، لانتشار السلاح ووجود الميليشيات، للفساد الحكومي واضطراب جدول الأولويات، للقصور البين في الإمكانيات مقارنة بالطموحات والآمال الكبيرة التي يحملها شعب الجنوب. في ظل مثل هذه الظروف تحتاج القيادة السياسية للحكمة والتبصر والحنكة السياسية للعبور فوق حقل الألغام، والعمل اليومي الدؤوب لمواجهة جذور المشاكل.
لا يتوقع أحد أن تحل هذه المشاكل بين يوم وآخر، ولا أن تظهر ثمار المعالجات قريبا، لكنه يتوقع سلوكا سياسيا يعترف بالمشاكل ويعمل على مواجهتها، بدلا من استلاف نظرية المؤامرة وتعليق المسؤولية على الاطراف الخارجية. لقد ظل المؤتمر الوطني يستخدم هذا التفسير في أزمة دارفور، وصدق نفسه وصدقته بعض الأطراف الإقليمية، في أن كل أزمة دارفور تتلخص في تآمر خارجي من بعض الدول العظمى. وكانت النتيجة أن تم اهمال كل طرق المعالجة الراشدة، وإضاعة فرص الحل عندما كان ميسورا، بالاعتراف بالمشاكل والأخطاء الحقيقية والعمل على معالجتها، حتى تفاقمت الأزمة وتدولت حقيقة ولم يعد أحد قادر على إمساكها من قرونها.
ليس للجنرال جورج أطور تاريخ مع الشمال، عموما، وهو قائد تاريخي بالحركة الشعبية والجيش الشعبي، وبدأ تمرده لأسباب داخلية، بعد الانتخابات. ومن الممكن متابعة وتحليل أسباب تمرده واستمرار حربه ضد حكومة الجنوب ورده لما حدث أيام الانتخابات من انتهاكات، ثم الطبيعة القبلية لتكوين الجيش الشعبي والتسيب وغياب الانضباط في صفوفه، مع إهمال حكومة الجنوب للتمرد في بدايته والاعتماد على دحره بالإجراءات الأمنية والعسكرية. هنا مكمن الأزمة، وهنا أيضا يكمن الحل، أما دعم حكومة الشمال له، وهو عندي ظن غالب، فهو أمر طارئ يمكن وقفه عبر حل الأزمة من جذورها ...وكفى.

الاخبار


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2620

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#113809 [Motassim Abdel Hamid ]
0.00/5 (0 صوت)

03-19-2011 04:17 PM
That’s true. Same as my thoughts but the question how we can tackle this once for ever


#113701 [sayed hassan]
0.00/5 (0 صوت)

03-19-2011 01:05 PM
دائما ما تكتب بدرجة عالية من التحليل البعيد عن الميل أو الغرض نقول دائما لعله مرة تسوقك الحمية للقبيلة الحمراء( بالتأكيد ليس المريخ) كنت أود من الصحافه عامة أن تكون ايضا واعية بمهام جسيمه مثلا هذه الوثائق أن كانت حقيقة أما أنتعرض على الصحافة وأما أن لاتقبل الصحافة بالكلام فيها أن كانت أمن دوله فعلى الاخوه في الحركة التوجه بها فورا الى اللجان الضامنه لاتفاق السلام . وان كانت أستهلاك محلي كما ترى ونرى فلا داعي لشغل السودان بها وكل طرف عليه أن يسعى لمصلحة مواطنيه ولا يصارع طواحين الهواء التى تعشش في مخيلته .
وبصراحة تامه هذا الباقان منذ أيام التجمع (المرحوم) وهو يرى أن كل الناس دونه حتى يجد نفسه أنه دون الناس أجمعين


#113322 [هشام مامون]
0.00/5 (0 صوت)

03-18-2011 12:54 PM
بارك الله فيك كلام منطقى ومفيد ويعبر عن مايجول فى خاطرى ولكن السؤال الى متى تدوم هذة الدوامة


فيصل محمد صالح
فيصل محمد صالح

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة