المقالات
السياسة
سَلامْتَك عَمْ أحمد أبوعشرة، وبلا كَشَرَة!
سَلامْتَك عَمْ أحمد أبوعشرة، وبلا كَشَرَة!
08-11-2015 09:17 AM


العم الحبيب/ أحمد وداعة الله "أبوعشرة"، رجلٌ ساهم فى تشكِيلِ وجدَان أجيال عديدة من أبناء فاشر السلطان، حاضرة إقليم دارفور فى الزمن السمِح.
عندما إنتقلتُ إلى الفاشر، بشكل نهائى، من الجنينة دار أندوكة فى حوالى العام 1979م بعد أن أديت أمتحان الثانوية العامة، المؤهِل لدخول الثانوية العليا، كان لا بّدَ لى من البحث والتنقيب عن أصدقاء فى حَيِّنا "الربع الخامس".
وكانت الخيارات عديدة ومتنوعة، فكان صديق العمر الذى قضينا مع بعضنا، ثلاثةَ عقودٍ ونيف لا يفرِقنا شيء، توأم الروح عبد المولى آدم حمَّاد، هى علاقة صداقة نشأت وإستمرت وإمتدت فى إطار وضع إجتماعى طبيعى لو أخذنا فى الإعتبار أننا ننتمِى لنفس الرابط العرقى. وكذلك علائق صداقة وزمالة حميمة للغاية مع أبنا الجيران والأهل من حولنا يجب ذكر بعضهم للتوثيق اللازم، فنحن شعب يفتقر إلى التوثيق.
أذكر إبن خالى وصديقى/ احمد أبكر آدم بخيت (كورنينغ)، وصديقنا المشترك/ كمال صالح على"شوت" ولاحقاً، أبو الجاز وعبد الرحمن هرى"منقستو" اللذان إنتقلا إلى الرفيقِ الأعلى فى شرخِ الشباب.. وكنا نمضى جُلَّ الوقت فى بيت ناس أحمد كورنينغ (كان المربوع الشرقى من بيتهم خاص بالأولاد والضيوف).. وأذكر أنَّ الشهيد الملك / موسى، ملك عموم "الأرتاج" كان ينزل ضيفاً فى هذا المنزل. وكان يعامِلنا بحميمية وأريحية ولطف كبير لدرجة كنّا ندَّعِى أنه كان صديقنا، وكنّا نحتَفِى جداً بمقدمه من حاضرة مملكتِه "أم حراز".
ولكن الأخُوَّة والصداقة التى لم تكن عادية، هى تلك التى ربطتنا بأبناء عَمِّنا الحاج/ أحمد وداعة الله "أبوعشرة". هاشم و وداعة الله ومحمد (زيدان).. ألخ. لم يكن منزل عمَّنا أبوعشرة جاراً ملاصِقاً لنا، كان يفصل بيننا ثلاثة شوراع من ناحِيَة الغرب، ولكِنّنا جميعاً نفتح فى شارعٍ كبير"شارع البقر".
توطّدت العلاقة بيننا وبين أبناء العم أبوعشرة وإزدهرت وتوثقت بسرعة خيالية، وتزاورنا فى البيوت، وأخذ أهلينا عِلمَاً بعمق العلاقة والصداقة وباركوها، فصِرنا إخوة نقضى معظم وقتنا مع بعضنا. ونعلب كرة القدم فى فريق الحَى"فريق الجوهرة"، وفى المساء نقضى وقتنا بـ نادى الجوهرة غرب المدرسة الشرقية(أ)الإبتدائية. وكنّا نترافق فى الذهاب والعودة لكل المناسبات والمحافل الأخرى.
مضت الأيام وامتحنّا الشهادة الثانوية ودخلنا الجامعة فى العام 83-1984م وسافرنا سوياً وعلى ظهر لورى وآحِد وَفرَه لنا العم أبوعشرة. سافرنا على ظهرِه أكثر من عشرين طالباَ من أولاد الفاشر، وصلنا الخرطوم ونزلنا فى إستاد الهلال/ امدرمان، ثم إفترقنا، ذهب كلٍ إلى منزلِ ذويِّه.
ثمَّ تمَّ توزيعنا فى الجامعات والكليات المختلفة وتوطدت علاقتنا أكثر. ولا بُدَّ من ذكرِ بعض أسماء الدفعة من أولاد الفاشر للتوثيق:على مصطفى أسد "جُلَّة"وشيخ الشُلَّة، جمال عوض الله"ضَلَن"، أمين أبو اليمن، هاشم أبو عشرة، وداعة الله أبوعشرة، عبد المولى آدم حماد، طارق، عبد الرحيم إدريس دوسة "عصفور"، النور عبد الرحمن حماد، وجَبْرَة، .. وآخرين.
تخرَّجنا جميعنا فى الميعاد المحدد بين الأعوام 1987-1988م وتفرقت بنا سبل الحياة وانتهى عسل أيام الدراسة التى لم نكن نفترق فيها أبداً. وكنَّا فى أيام الخميس، نهاية الأسبوع، نقضيها سوياً. وارتبطت دفعتنا هذه بقيادة ثورة مارس/ أبريل 1985م وإذكر عند إشتداد جذوة الثورة وقربها من التحقق والنجاح، قامت السلطات بقفل جامعة الخرطوم وطُرِدَ الطلاب من داخليات "البركس" وكذلك الأطراف، كان ذلك فى حوالى يوم 29 مارس 1985م فإنتقل طلاب الخرطوم إلى جامعة أم درمان الإسلامية وكانت "الداخلية" بمدينة الفتيحاب، المجمع المركزى الحالى، وخاضوا مجتمعين غِمار الثورة إنطلاقاً من هناك حتى إنبلج فجرها فى السادس من أبريل. فتحققَت ثورة مارس ماسِك كتف أبريل، أعظم شعب وأعظم جيل، ذاك جيلُنا.
والآن إلى جزء من سيرة الوالد أحمد أبو عشرة اطال الله عمره، جزء من فضائله لا يعرفها أناسٌ كُثر، أما بقية سيرته العطِرة فأهل الفاشر أولى بسردِها مِنّى. وحتى لا أقلِق أحباب عم أحمد وهم فى كلٍ مكان من هذه الدنيا، انقل للذين لم يعلموا بعد، أن العم أحمد قد تعرض إلى شقٍ فى فخذِ رجله إثر سقوطه متعثراً بعتبة الباب فى منزله بالعزوزاب/ الخرطوم. وقد اجرِيت له عملية جراحية ناجحة وهو الآن فى طورِ العلاج، وقد غادر المستشفى إلى البيت.
وللذين يطالعون هذا على صفحتى فى"فيس بوك" سيجدون صُوَر تطمئنهم على صحة عمَّك ابوعشرة وهو يلوح كعادته بقبضته دليل العزم والعافية ومنح المعنويات. قال لى أحدهم: ذهبنا نعُودَه ونمنحه معنويات، ولكنَّا عُدْنَا وقد منحنا هو معنوياتٍ تكفينا لعذا العام والذى يليه، ذلك هو عم أحمد الذى عرفناه أربعين عاماً وزيادة.
عندما قررنا السفر إلى الخرطوم للجامعة فى بداية يونيو 1983م نادانى عم أحمد وأمرنى بالآتى: كل "البُطَان" النجحوا السنة وماشين الخرطوم للجامعة كلموهم يجهزوا للسفر الخميس الجاى والعربية جاهزة. وفعلاً ذلك ما حدث، اللورى "شالنا" من أمام منزله فى حَيِّنا، وذلك الرجل الجُمّوُعِى سيد اللورى حلف يمين قدام عمِّك زول يطلع مليم من جيبو لأكل ولا شراب من هنا للخرطوم مافى!
لم تكن سفرية عادية، بل كانت رحلة سياحية رائعة وخالدة فى ذاكرتِنا. وكان كلما تقدمنا داخل كردفان "الغَرَّة" كانت الأمطار تهطل بغزارة مُرحِّبَة بمقدمنا الميمون. ويصعب السير على اللورى"النيسان" وكنَّا نأكل أطيب الطعام، ونشرب اللبن الحليب، ونغنّى فرحين مستمتعِين برحلةٍ تاريخية، سياحية وجميلة.
ثمَّ أكملنا دراسة الجامعة وتخرَّجْنَا. وكان عَمْ أحمد أبوعشرة قد ترك الفاشر أبوزكريا وإنتقل بأسرته إلى الخرطوم وإستقر به المقام بالعزوزاب/ جنوب الخرطوم. وأعتقد أنَّ السبب الرئيسى الذى عَجَّل برحيله من فاشر السلطان حيث كان من أميز أعيانِها ورمز من رموزِ المدينة الموقرين، ظاهرة التطبيق التعسفى والظالم لقوانين سبتمبر 83 على أعيان مدينة الفاشر.
وأذكر جيداً ونحن نقضى إجازة السنة الأولى جامعة بمدينتِنا العزيزة الفاشر، كانت محاكم الطوارئ التى تنفِذ قوانين سبتمبر الجائرة تُصدِر أحكاماً مُجْحِفَة Arbitrary لم يألفها أهل فاشر السلطان، وتم جلد بعض أعيان المدينة بالسوط! ولماذا؟ لأنهم خالفوا دون علم أو قصد أمر محلى صادر من المجلس البلدى، يقضى بالإعلان عن السلع التموينية ومواد البناء التى بحوزتهم فى المتاجر أو المخازن! ولمَّا لم يتمكَّن بعض كبار أعيان المدنية من الوفاء بما جاء فى الأمر الإدارى البسيط، تم القبض عليهم وإقتيادهم إلى محكمة "الطوارئ" برئاسة قاضى إسمه أدم صالح سبيل، حيث أصدر أحكاماً صادِمة، مُهِينة ومُذِلة، ولا تليق بأهلِ الفاشر أبو زكريا. حيث حكم ذلك القاضى كِبار تُجَّار الفاشر الذين قام إقتصاد الإقليم على أكتافهم وأثروا الإقتصاد الوطنى، بأحكامٍ غريبة ضِمْنِها الجلد بالسوط على رؤوس الأشهاد كانهم أتوا موبقاً من الموبقات المُهلِكَة.
وما كان لأولئك الكِرام أن يرضوا بالذل، فباعوا متاعهم وعروضِ تجارتهم وعقاراتهم وغادروا مدينتهم الحبيبة إحتجاجاً على ما تعرَّضوا له بإسم الدين وقوانين السماء!.
وعَمْ أحمد أبوعشرة كان ضمن الذين تربص بهم ذلك القاضى بإتهامه بموجب ذلك الأمر الإدارى. وذهبنا جميعاً نزِفّه كالعريس يوم عُرسِه إلى جلسة محاكمة"المهاتما غاندى" الفاشر.. وكان خِلافاً لرفاقِه من أعيان المدينة، قد أعدَّ دُفوعَاً مُفحِمَة لتلك التهم الباطلة، وكان غير مسموحاً للمحامين الترافع المباشرعن موكليهم فى تلك المحاكم.
ولمَّا جاءت لحظة تقديم دفاعِه، انتَصَبَ أبوعشرة كالطود، كنخلة باسِقَة فى جروف "المَقَّل" الجزيرة التى أنجبته ثم أهدته منذ شرخ شبابه الباكر لعاصمة سلاطين دارفور الفاشر أبو زكريا أدَّاب العاصى. قدَّم دفاعه الساطع سارِداً طبيعة عمله فى هذه المدينة قائلاً: أنا أحمد وداعة الله "أبوعشرة" صاحب أفران، أزود (18) مصلحة حكومية ومدرسة بخُبزِ الرغيف، إضافة إلى أهل حارتى والحارات المجاورة. فضلاً عن عموم سوق الفاشر ومجموعة من المطاعم يأخذون حاجتهم من الرغيف من أفرانى. ثم أننى رئيس مجلس أباء لعدد من المدارس المختلفة، وكذلك عضو لجنة سوق الفاشر والمستشفى الملكى. ومِثلِى لا يخزِّن الغذاء من أهل الفاشر، ولكن ظللتُ أسْهِم فى توفيره لهم سنين عدداً. والدقيق الذى كان موجوداً فى مخازن أفرانى هو حِصَّة ذلك اليوم وكان سيتم خبزه، وبأخذه بواسطة سلطاتكم تسببتم فى حرمان كافة الجهات التى ذكرت آنفاً من حصتهم من الرغيف ذلك اليوم والذى يليه.. وبالتالى جعلتم حياتهم صعبة دون سبب معقول، بهذا أرُدّ على تُهمِكُم الموجهة لى، وإنَّى غير مذنب. ثم جلس وعمّ صمتٌ رهيب، كأن الناس على رؤوسِهم الطير!.
وبعد لحظات عصيبة، والناسُ يتنقلون بأبصارِهم يُمْنَّة ويُسْرَة، نحو بعضهم البعض. كأنهم يسألون أنفسهم فى صمت: ماذا حَلَّ بفاشر السلطان وآباءها وأعيانها وكِبارِها؟ حُزنٌ خيَّمَ علينا كسحابٍ ثِقَال. أمّا أنا وهاشم أبوعشرة صديقى العزيز فكانت مشكلتِنا أكبر! فنحن قد درسنا السنة الأولى قانون وعُدْنَا إلى مدينتنا نُبَاهِى بما درسنا، ونبِزُ أقرانِنا أننا رجال القانون والعدل والقسط للزمن القادم. وأجمل جميلات الفاشر يعشمّن مِنّا بالوداد؟ لكن بارت سلعتِنا ورُدَّت إلينا بضاعتنا، بسبب تلك المحاكم سيئة السُمعَة. فقضينا باقى الإجازة أنا وهاشم أخى (نبارِى) الحِيط.
نطَقَ ذلك القاضى بالحُكم: "تُشطب الدعوى الجنائية فى مواجهة المتهم أحمد وداعة الله أبوعشرة، ويطلق سراحه فوراً، وتُسلّم المعروضات للمتهم!"
فضجَّتِ القاعة بالهُتَاف ليس فرحاً بالحكم، ولكن بإنفضاض ذلك الموقف"البايخ" الذى وضعهم فيه قوانين سبتمر 83، ومحاكم طوارئها، وقضاتِها.
عُدْنَا نزِفّ عمنا البطل أحمد أبو عشرة، حبابك عشرة عمَّاه، وبلا كَشَرَة. أسرع الجميع بتوزيع الحلوى والإعتذار لعم أحمد لما جَرَىَ، كأنهم هُمْ من وضعوه فى ذلك الموقف السخيف. وذُبِحت الذبائح وأكل الناس الشواء اللذيذ إنتاج ذلك الفرن الذى نعلمه نحن أولاد الحى جيداً. ولكن، رأيتُ ذلك اليوم طيفاً غريباً يعلو وجّه عم أحمد أبوعشرة، ولاحظت كم مَرَّة أنه يُحَدِّق بعيداً فى اللا شيء، وأجزم أنه قرر فى ذلك اليوم مغادرة المدينة التى أحبها وخدمها بحب وولاء فريد. سوف يأتى اليوم الذى يؤرَّخ فيه لهذا الرجل الأمَّة، وحياته فى مدينة فاشر السلطان، بل خيره على عموم إقليم دارفور.
وأختم هذه الخاطِرَة بقصة إنسانية قوامها محبَّة وإلفة عجيبة، نشأت بين أسرة عمَّنا أبوعشرة وجيرانهم فى العزوزاب أصلهم من منطقة "أبيي"
حكى لى هاشم الذى سافر الأسبوع الماضى من "جدة/ السعودية" حيث يعمل إلى الخرطوم للوقوف والإشراف على حالة الوالد فور سماعة بواقعة السقوط والإصابة بكسر فى الفخذ.. حكى لى أن تلك الأسرة المجاورة لهم فتحوا بيتهم لإستقبال ضيوف عم أحمد الذين هُمْ بعدد الحَصَى من دارفور حيث أفنى عمره، وأهله من الشمالية ومعارفه فى الخرطوم والولايات الأخرى. وكيف أن الأستاذة الراقية اللطيفة/ سوزى جاستين دينق، سليلة تلك الأسرة الكريمة وحفيدة سلطان دينكا نقوك/ دينق مجوك قد إستلمت مراسم الزيارة وإستقبال و وداع زوار عَمْ أحمد. وكيف أنها كانت تشرف عليه وتواسيه وتخفف عنه وتقف على خدمته رغم وجود بنات أبوعشرة بجواره.
حدثنى هاشم بشكل مؤثر جداً، كيف أنَّ الأميرة/ سوزى، خريجة جامعة جوبا، الناشطة الإجتماعية الجريئة، وأسرتها الكريمة قاموا بإعداد كل طعام "الكرامة" التى أقيمت الجمعة الماضية بمناسبة سلامة ونجاح العملية الجراحية للعم أبوعشرة وقدموه للضيوف والزوار دون كللٍ أو ملل، وما اكثر زوار أبوعشرة.
بَقِىَ أن نكرر أن هذه الأسرة الكريمة هى أسرة الدكتور/ جاستن دينق مجوك، من أوائل الضباط الإداريين، وقد نال درجة الدكتوراة فى فرنسا، وهو شقيق العالم والكاتب القدير خبير الأمم المتحدة د.فرنسيس دينق، والأستاذة الإنسانة سوزى هى بنت عَمْ الرفيق/ دينق ألور! فقلت لهاشم مواسياً ومخففاً عليه، الطيور على أشكالها تقع. والكِرام بتعارفوا دون وسيط، ولمّا أكثر من مدحِ ما قامت به تلك الأسرة الفاضلة، قلتُ له: "البنت دى وأسرتها يا هاشم لو عملوا أقل من كدا ما تكون حفيدة السلطان دينق مجوك! فبُهِتَ الذى إمتدح وشكر."
تركتُ أخى ورفيق دربى هاشم، لأتصِل بالوالد الحبيب أبوعشرة أكفِر له الوعكة الصحية، ووجدته هو من يرفع معنوياتى، ويخفف عنى الألم الذى أجده بسبب إصابته. ترك محنته التى هو فيه وطفق يسأل عن حالى وأحوالى بنفس طريقته المحبوبة والمألوفة. لله درَّك من رجلٍ تمنح الأمل والرجاء فى أحلك الظروف.
تركته، وجال بخاطرى صُوَرْ متداخلة ومُربِكَة، وسط دموعٍ لست أدرى سبباً لغزارةِ هطلِها غير إحساسى بأننى لن أستطيع السفر كما فعل هاشم لأعُودَ هذا الأب الودود، وأعمل واجباً طالما أشعر بحتمِيَّته.
ولكنى ضحِكْتُ فى خِضمِّ تلك اللحظة الدقيقة، لأن الشريط مَرَّ بمحطة فارقة فى تاريخ عطاء هذا الأب الحبيب، ذلك: أنّه بعدَ حوالى عام ونيف من تخرجِنا، أرسل عَمْ أحمد هاشماً فى طلبى، أن أحضر برفقتِه مخفوراً وفى الحال. فجئناه كما طلب، بعد أنْ خمنَّا سبب هذا الإستدعاء العاجل! وبعد غداء مُعتبر تناولناه، أصغينا أنا وهاشم ووداعة الله، ليكشف لنا "عمَّك" سر ذلك الإجتماع، فقال لنا ما معناه: يا "بُطان" إنتو اليوم إتخرجتوا وبقيتوا جاهزين للتوظيف، وأنا عايزكم تجيبوا لى شهاداتكم كلها بكرة عشان أنا ماشى بيها "لشيخ على" دا يشوف ليكم وظائف! .. قرَّبْنَا نقول ليهو ما بدواخلنا من إستحالة ذلك، ولكن الحميمية والثقة التى كان يتحدث بها إلينا كان شيئاً لا يوصَف بالكلمات.
وفعلاً أحضرنا له ما طلب من شهادات، وذهب بها إلى"شيخ على" ولكن عاد عم أحمد بِخُفى حُنين. وهذه المَرَّة طلب من هاشم أن يرافقه إلى أم درمان حيث أنا. يومها رأيت أبوعشرة لأول وآخر مرّة فى حياتى، مهزوماً مطأطأ الرأس، ويائساً يجرجر الهموم الثِقال، كأنه لم يكُن هو!. فكنا، أنا وهاشم، نبحث عن كلماتٍ نواسيه بها فلم نجد. وقلنا كلاماً لا معنى له فى إطار أن هؤلاء "الكيزان" لا يعرفون القرابة ولا العشم ولا نواميس الطبيعة البشرية الأخرى، بس أنت كوز أم لا ؟ وخفف عنه ذلك بعض الشيء، وإندهش لأننا ما كنّا ننتظر من "شيخ على" ذاك خيراً.
وإبتسم عَمْ أحمدعندما قلت له أننى قد تم قبولى مستشاراً بوزارة العدل! فمازحنى قائلاً "لعَلْ يا زول ما تبقى لينا زى قاضى الفاشر داك؟" فقلت له مسرعاً لا لا انا ما ببقى زيو أبداً.. فنظر إلى هاشم بحزنٍ عميق يحْجٍبه ببسمة دائمة تعلو وجهه، وأضاف: "لكن أنا كنت دايركم الإتنين فى الخارجية، تبقوا سفراء تخدموا بلدكم دى"، وعَمَّ صَمْتٌ حزِين.
انتهى ذلك الإجتماع وتفرَّقنا، وبعد فترة قصيرة هاجر هاشم إلى السعودية، وتبعه توأم الروح عبد المولى، وبقيت أنا فى السودان لأننى لا افهم ولا أفكر بالخروج من السودان أبداً. وما خرجتُ إلا مُكْرَهَاً وسأعود إلى السودان فور زوال الظروف التى أكرهتنى على المغادرة.
وأخيراً: ياعم أحمد يا أبا عشرة- وبلا كشرة، يا حبيب ومُلهِم ناسَاً كُتَار، أنت تعلم كم يحبك أبناءك الكُثر، الذين إحتَرَقتَ طويلاً لتضيئ لهم سبل الحياة الحُرَّة الكريمة العامرة بالخير. وبقوة الحُب والتقدير والإمتنان الذى ظلَّ يَكِنّهُ لك طوال حياته إبنك المقدم، الشهيد طيار/ إسماعيل عبد الله هارون، الذى ما حَطّت طائرته مطار الفاشر إلا وخَفَّ سِرَاعَاً إلى سوق الفاشر حيث متجَرَك العامِر، لأداء التحية العسكرية لك، حُبَّاً ووفَاء! وبنفس العزم والقوة التى قهرتَ بها، وطوّعت صعاب الحياة، وحولّتَ كل مظاهر الشرّ إلى الخيرِ والفضيلة، أقهَرْ هذه الوعكة الصحية وأركلها بعيداً، ثم أنهض وإنتصِب كالطود الأشمّ. وأحمل عصاكَ التى تتوكأ عليها، كمَا كَلِيم الله سيدنا موسى عليه السلام. ثم أخرج إلى حيث الخير تحرِثه كعادتك، والله يعصِمُكَ من الناس.
ونحنُ أبناءك الكُثر، نوعِدُك بأنّا قادمون إليك، نحتمى بحِمَاك، وننهلُ من عطفِك وكرمِك، وحسن خُلقك وقيمَك النبيلة النادِرة، وطيبتك التى وسعت الجميع.
اللهم أشفِ العَمْ أبوعشرة شفاءً لا يغادِرُ سَقَمَاً.. آمين.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1934

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1319261 [محمد أحمد الريح]
0.00/5 (0 صوت)

08-11-2015 05:07 PM
الأخ غبد العزيز

بعد التحية

لك جزيل الشكر على هذا المقال الرائع الذي يبين معدنك الأصيل ووفاءك لهذ الرجل النبيل.
فى العام 1991 تم إيداعنا بسجن شالا لقضاء الحكم التعسفى الذى طبّقته علينا حكومة الإنقاذ الظالمة.ونسبة لترحيلنا من سجن كوبر بدون سابق إنذار فلم نتمكن من الإتصال بأسرنا لإحضار بعض الإحتياجات ومتطلبات الإعاشة والنقود.وبعد أيام من إستقرارنا بالسجن طلبنا من إدارة السجون بالفاشر أن تسمح لمجموعة منا بالذهاب لسوق الفاشر لشراء بعض الإحتياجات الخاصة وبعض المواد التموينية.
كان الرجل الفاضل الشجاع العميد سجون حسين مدنى هو المدير العام لسجون الولاية فأذن لنا بالخروج رغما عن الإجراءات التعسفية التى حاول أن يفرضها علينا حاكم الولاية آنذاك المدعو الطيب سيخة. كلّف العميد حسين ضابط السجون الممتاز الرائد حسن عبد الكريم بمرافقتنا لقضاء حوائجنا.

إصطحبنا الرائد حسن رأسا لتاجر فى السوق وطلبنا منه الأشياء التى نريدها وأخبرناه بأننا لآنملك ثمنها بالكامل وسنعطيه ما معنا من المال لحين وصول تحويلاتنا من الخرطوم.

كان صاحب هذا المتجر هو العم أبوعشرة الذى أصر على عدم دفع المبلغ وبإصرارنا الشديدتقبل المبلغ البسيط الذى كان معنا وطلبنا منه فتح حساب بإسمنا لتلبية طلباتنا المستقبليةحينما نحتاجها.وعلى مدى الأعوام التى قضيناها بشالا كان العم أبو عشرة وإبنه محمد يقفون على جميع مستلزماتنا بتفان وإخلاص.

فى جميع أشهر رمضان التى مرّت علينا بالسجن كان العم أبوعشرة يلح على إدارة السجون لإحضار فطوره ومشاركتنا الفطور بالسجن.

العم أبو عشرة من الرجال المحترمين النادرين جزاه الله عنا كل خير ونسأل الله الكريم أن يمن عليه بتمام الصحة والعافية وأن يعطيه المزيد من الخير والبركة وطول العمر وأن يبارك له في أولاده وعموم أسرته.

أرجو من الأخ عبد العزيز أن يزودنى بتلفون العم أبو عشرة وعنوان سكنه بالخرطوم لكى أتمكن من زيارته فى أول ذهاب لى إلى السودان مع فائق الشكر والتقدير.
أرسل لى على الإيميل: [email protected]

[محمد أحمد الريح]

ردود على محمد أحمد الريح
[ibrahim abdallah osman] 08-14-2015 10:00 PM
العم ابوعشره من الرجال الذين كان لهم دور فى الحراك الاجتماعى بمدينه الفاشر وهو فى الحقيقه فقد لهذه المدينه وذلك بترحاله والاستقرار بالعاصمه ودين علينا ان نقول لعمنا الحبيب كفاره وربنا يعطيك طول العمر بقدر عطائك.


عبد العزيز عثمان سام
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة