المقالات
السياسة

08-12-2015 11:50 PM


مع اقتراب الموعد الذي حدده وساطة الايقاد وشركاءها للتوقيع على اتفاق سلام شامل في منتصف اغسطس من الشهر المقبل و التي في حال تصافت نفوس اطراف الصراع فربما ستكون لحظة و يوم تاريخي سيسجل في دفاتر التمرحل التاريخي لجمهورية جنوب السودان من حالة حرب الى سلام ، و استقرار كما كانت يوم التوقيع على اتفاق اديس ابابا 1972م و تكوين الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان في العام 1983م والتوقيع على اتفاقية السلام الشامل في نيروبي 2005م و اعلان استقلال جنوب السودان في التاسع من يوليو 2011م تلكم الايام ستظل راسخة في ذاكرة الشعب الجنوبي .
ومع اقتراب تلك الموعد المضروب والمنتظر على احر من جمر اتخذ دكتور رياك مشار زعيم التمرد قرارات مصيرية ستحدد مستقبل تمرده ومستقبله السياسي وهو قرار إقالة اثنين من كبار جنرالاته المقاتلين ، شملت قارهوث قاركواث نائب رئيس هيئة الاركان للإمداد و الجنرال بيتر قديت نائب رئيس هيئة الاركان للعمليات ذاك الجنرال الذي اثقلت العقوبات الدولية كاهله ، فلقد سبق للاتحاد الاوروبي أن اصدرت لائحة عقوبات ، للأطراف الذين يعتقد بأنهم يعيقون عملية السلام وتلاها الولايات المتحدة ومن ثم انتهى به الامر في لائحة الامم المتحدة ، رغم أن العقوبات لا تؤثر به بصورة مباشرة غير أنه لابد يسائل نفسه لماذا اصبح هو الوحيد الذي يلاحقه الاتهامات في جانب حركة رياك ؟ عقب مؤتمر فقاك نقلت بعض وسائل الاعلام تسريبات عن خلافات كبيرة داخل حركة تمرد لكن سرعان ما سارعت الحركة لنفيها و تاكيد تماسكهم ووحدتهم .
وفي الــــ 20 من اكتوبر 2014م عندما وقعت فصائل الحركة الشعبية الثلاثة على اتفاق اطاري لتوحيد الحركة بحضور الرئيس كير و زعيم التمرد رياك في تنزانيا خرج العديد من قيادات التمرد وخاصة الجنرالات الكبار ومنهم نائب رئيس هيئة الاركان المقال قارهوث وندد بالاتفاق في بيان نشرت يوم 23 اكتوبر ووصفه بالاتفاق الذي لن يجلب السلام ، وقال جازماً بان الحركة الشعبية لا يمكن توحيده ابداً ، ووضع شروطاً للسلام وتوحيد الحركة ومنها إستقالة الرئيس كير والتي تعني استمرار الحرب الى ما لا نهاية ، ولقد اكد العديد من القادة الميدانيين في بيانات مختلفة بانهم سيواصلون الحرب في حال اختار مشار اتفاق اروشا وتوحيد الحركة وفي مؤتمر فقاك العام الماضي وصف قارهوث الحركة الشعبية بالحزب الدموي والذي لا يملك رؤية ، النقد الحاد لم تكن موجهاً الى الحركة الشعبية في جوبا بل كانت موجهة الى دكتور رياك باعتباره زعيم التمرد الذي ما زال يرى مستقبله السياسي كامناً في احد اركان الحزب الذي يصفه قارهوث بالدموي .
وعقب القرارات المصيرية التي اصدرها رياك خرج احد قادة التمرد وهو اللواء شايوت منيانق وفقاً لتصريحات صحفية نقلتها راديو تمازج في الخامس والعشرين ، مهدداً بالتمرد على زعيم التمرد وقال في حال اراد رياك العمل مع الرئيس كير وقبل أن يعود نائباً له فليذهب وحده ، ولقد اكد بان الكثيرين يشاركونه الراي والموقف ، ولقد ظل رياك يتعامل بحذر شديد مع تلك التطورات داخل تمرده ويعلم تماماً بان الكثيرين وسط قادته لم يعد يريد أن يسمع شيئاً اسمه الحركة الشعبية لتحرير السودان ، لكن كل المؤشرات كانت تدل على أن الامور ستصل و إن طال الزمن على ما الت اليه وهو حالة الطلاق بين رياك وقديت ، الذي يتبعه الكثيرين الذين يتفقون معه في ضرورة محاربة الحكومة حتى سقوطها و احلال مكانها حكومة اخرى بقيادة قديت او غيره ، ولقد تلقى رياك في الاونة الاخيرة العديد من الضربات الموجعة وخاصة إنشقاق المتحدث الرسمي باسمه لول رواي والعديدين منهم إما انهم غادروا التمرد او ربما في طريقهم لمغادرتها .
وحول التطورات داخل التمرد يقول رواي و كأنه ظل ينتظر ذلك لفترة ليبرهن انه اتخذ القرار السليم بمغادرته للتمرد ، ففي رايه فان رياك مشار لم يكن مؤهلاً ليقود التمرد لإفتقاده للمؤهلات القيادية اللازمة ، وبشماتة بالغة لخص رواي موقف التمرد بانها عبارة عن سفينة غارقة في عرض المحيط لا يمكن انتشالها ، ويعتقد وفقاً لبعض المراقبين و التسريبات الاعلامية بان الاثنين المطاح بهم كانوا يخططون للابتعاد عن حركة رياك وقيادة حركة تمرد اخر تحت مسمى حركة استقلال النوير ، ويعتقد بان ما جعل الخلافات تطفو للسطح في هذا التوقيت هو المقترح الذي سيقدمه ايقاد للاطراف حيث سيتم التوقيع على اتفاق في منتصف اغسطس وهم يرفضون أي اتفاق .
في شهر مايو 2015م الحالي كشف بعض المصادر في التمرد لأحد الصحف بان هنالك سخط و احباط وسط جنرالات التمرد لما وصفوه لعدم وجود رغبة كافية لدى رياك مشار في المقاتلة بإخلاص وانه لا يفعل كل ما بوسعه من اجل الاطاحة بالرئيس كير ، والإطاحة بالرئيس يعتبر واحد من اهم اولويات اولئك الجنرالات ، وفي اجتماع عقد في فقاك في شهر مايو كان قديت قد هاجم تهاون رياك مشار في التعامل عسكرياً مع القوات الحكومية وطالب في الاجتماع بتكثيف العمليات العسكرية ؛ وفي الاجتماع قال قديت لو قام رياك بتوفير العتاد الحربي اللازم فان احداً لن يوقفه في الوصول الى جوبا .
ولقد كشف قديت بانه كان ينبغي له التصرف كما فعل بعد احداث الخامس عشر من ديسمبر دفاعاً عن النوير الذين قتلوا واستهدفوا عرقياً وأنه لم يقاتل لكي يكون رياك رئيساً و انه لا يريد ذلك ، ويعتقد بان قديت قد التقى كبير وسطاء الايقاد سيوم مسفين قبل ما يقارب ثلاثة اسابيع تقريباً ، و يبدو قديت غاضباً من رياك لانه تخلى عن فكرة الاطاحة بالرئيس كير وقبل ان يعود نائباً لرئيس الحركة الشعبية ونائب لرئيس الجمهورية في حال التوصل لاتفاق ، و اتهم رياك بالأنانية ويستخدم دماء الابرياء لتحقيق اهدافه السياسية ، وبحيرة يتساءل قديت وفقاً لما نقلته بعض التقارير الصحفية حول كيف يريد رياك ان يوقع اتفاق للسلام نيابة عن التمرد بينما لا يوجد له أي قوات في ميدان العمليات ؟ .
وفي برقية بتاريخ العشرين من يونيو 2015م الى الرئيس السوداني عمر البشير موقعة من قبل الجنرال سايمون قتويج دوول رئيس هيئة الاركان ، ليس معروفاً إن كانت الخطاب قد وصلت الى الرئيس البشير بالفعل ام لا ام انها ظلت حبراً على ورق ؟ وفي مقدمة الخطاب كانت تهنئة الى الرئيس البشير بمناسبة فوزه في الانتخابات الرئاسية الاخيرة ونيله ثقة الشعب السوداني مرة اخرى ، وعبر الجنرال في الخطاب عن خيبة امله لمحاولات المحكمة الجنائية الدولية لاعتقال الرئيس البشير في جوهانسبرج ، ويضيف الخطاب بأنهم منذ بدء الاحداث في جوبا لم يستطيعوا الالتقاء به كرئيس للسودان باعتبارهم الجنرالات ( سايمون قتويج ، بيتر قديت ، قرهوث قاركواث ، قبريال تانقينج ) الذين يقودون الحرب ضد النظام الاثني كما وصفوها ، مشيدين بالدعم الذي ظل يقدمه الرئيس بشير لأبناء قبيلتهم الذين كانوا ضحايا للحرب في 15 ديسمبر 2015 ، مرجعين كل الفضل له في نجاة بعضهم في تلك الحرب لدعمه المتواصل و انهم لن ينسوا ذلك طيلة تاريخهم ، ومؤكدين بأنهم سيظلوا موالين للرئيس البشير وقيادته الحكيمة الى الابد و للأبد .
وفي ختام الخطاب ابلغوا الرئيس عن مدى امتعاضهم و احباطهم للطريقة التي يدير بها رياك مشار وتعبان دينق الحرب وذلك هو السبب الذي يجعل الامور في الميدان تسير ببطء شديد ، وكشفوا بانهم لا يريدون بان يدير السياسيين العمليات العسكرية والدعم لتحقيق اهداف سياسية ، وطالبوا بان يصل الدعم العسكري اليهم بصورة مباشرة وليس بقنوات اخرى . في حالة صحة الخطاب الموجه الى الرئيس السوداني ، و الارجح أنها صحيحة ، نظراً للاتهامات التي ظلت تتقدم بها الحكومة والجيش ضد السودان بدعم التمرد ولقد اكدت بعض المنظمات الدولية ذلك ايضاً .
وهذا أن دل فيدل على حالة الفوضى الذي يسود قيادات التمرد ، وعدم وجود نظم متبعة للمعاملات الادارية ، فقادة التمرد وفقاً لما جاء في الخطاب لا يمكنهم مخاطبة الرئيس بصورة مباشرة ، حتى لو كانت السودان تدعم التمرد والشيء الثاني يدل على أن ذلك يعتبر محاولة لسحب البساط من تحت رياك مشار ، لذلك لا يعتبر القرارات التي اصدرها رياك مفاجئة ، لان ذلك كان امراً طبيعياً ، فبعد ما يقارب من سنتين من المناورات ورفض للاتفاقات ومشروعات السلام التي ظل الوساطة يتقدم بها ، لا بد أن رياك قد عرف أن تلك المناورات لا يمكن ان تستمر الى الابد ، و انه بحاجة الى توقيع اتفاق للسلام يعيد اليه بريق السلطة .
لكن بوجود اشخاص مثل قديت وقارهوث لا يمكنه المضى الى الامام لتوقيع اتفاق للسلام ، فهولاء القادة يمثلون حجر عثرة امامه فما يريدانه هو الحرب بلا توقف ، فهو ( رياك ) يريد أن يعود الى السلطة بأسرع ما يمكن والبدء في مشروعه للوصول الى كرسي الرئاسة رغم أن كافة المؤشرات تشير بان ذلك اصبح صعب المنال ، لكن لا ضير من المحاولة بدلاً من وضع كافة خياراته ومشاريعه في سلة قديت والتي تعني المحاربة لقرابة العقد من الزمان كما حدث في التسعينات .
الوصول الى جوبا بقوة عسكرية كما ينتوي قديت ليس بالأمر السهل لأنها تعرض امن واستقرار منطقة القرن والشرق الافريقيين للخطر ، ودول عديدة لن يحبذ ذلك مثل كينيا و يوغندا و اثيوبيا لذلك ستعمل كل ما بوسعها لوقف مثل هذا الزحف العسكري نحو العاصمة . لقد كان ما حدث في الخامس عشر من ديسمبر خطأ التاريخ فالحروب الحديثة التي تدور في الدول وخاصة في القارة الافريقية تدور في مناطق بعيدة من العواصم ، ومهما بلغت ضراوة الحرب لا يسمح لها بالوصول الى العاصمة ، وهذا الخطأ لا بد انها ستكون في الحسبان حتى لا تتكرر .
د. رياك كرجل سياسي ونائب رئيس سابق يعلم كل تلك التناقضات الاقليمية والدولية لذلك لا يمكنه أن يحارب بجانب قديت الى ما لا نهاية فهو سيخسر من تلك الحرب سياسياً ، و قديت ليس له ما يخسره وليس متعجلاً لشيء ، بالإضافة الى ذلك في المستقبل ربما سيمثل قديت و الذين شملتهم قائمة العقوبات الدولية باتهامات تتعلق بجرائم حرب ربما سيمثلون عائقاً سياسياً وحملاً سياسياً ثقيلاً لذلك إن كانت هنالك طرق للتخلص منهم ، فالأفضل التخلص منهم وهذا ما فعله رياك في اخر المطاف عندما ادرك انه لم يعد بحاجة الى خدماتهم ، وربما تلقى مشار نصائح من اطراف دولية بضرورة التخلص منهم و ربما الحكومة ستحصل على نفس النصائح إن لم يحصل بعد من اطراف دولية . بعد التخلص من قديت و قارهوث يمكن القول بان التمرد سيكون مستعداً للتوقيع على اتفاق السلام في شهر اغسطس القادم حتى يتفادى ضغوطات الرجلين .
في شهر يونيو المنصرم وجه مبيور قرنق الناطق الرسمي باسم التمرد انتقادات عنيفة على التمرد نفسه ، وذلك بالتزامن مع تنفيذ اتفاق اروشا بين الحكومة ومجموعة المعتقلين السياسيين السابقين ، ولقد ذهب البعض الى أن مبيور ربما تم استقطابه من قبل المجموعة ، و أنه في طريقه الى جوبا برفقتهم لكن لم يكن الامر كذلك ، فلقد راى مبيور بان الامور لم تعد تسير كما ينبغي وفي احد منشوراته في صفحته على الفيسبوك قال بان الاشخاص الذين يعتقد بانهم يمارسون الفساد في جوبا هم موجودين ايضاً في التمرد ، و لقد اشار ايضاً بان الحرب لا يمكنها ان تستمر الى الابد والإصرار بضرورة محاكمة مرتكبي الجرائم التي صاحبت الحرب كشرط للسلام .
وذلك بالإشارة الى موقف حركتهم ، ومشيراً على أن جرائم الحرب العالمية مازالت لم تغلق ملفاتها حتى اليوم رغم مرور اكثر من ستون عاماً ، وبالتالي كان يرى بان التوصل الى سلام امر ضروري ومهم ، ولقد وجدت تلك التصريحات إدانة واسعة من قبل انصار التمرد باعتبارها خروجاً عن الموقف الرسمي للتمرد ، وطالب البعض مبيور بالانضمام الى الحكومة و اخرين طالبوه بالانضمام الى مجموعة عشرة و البعض طالبوه بعدم التعبير عن مواقفه الشخصية ولقد كان ما قام به لول رواي بالتفاوض مع الحكومة والتوصل معها لاتفاق ما زال في الاذهان .
تلك التطورات والتناقضات التي تموج بها التمرد يعكس مدى حالة الاحتقان التي يعيشها قادة التمرد حول ماذا يجب أن يحدث الاستمرار في الحرب غير معروفة النتائج أم القبول بالتسوية السلمية والقبول بالممارسة السياسية بدلاً من فوهات السلاح ، ما يحدث في التمرد هي عبارة عن صراع عنيف بين معسكرين معسكر يؤيد الحرب حتى النخاع ومعسكر اخر يدعوا للسلام حقناً للدماء . ليس هناك طريق اخر يمكن أن يسلكه الحكومة او التمرد غير طريق السلام ومهما طال الزمان او قصر فأن السلام هي مطلب الجميع ، و لا بد من الاستعطاف على معاناة الشعب ، وطي ملف الحرب وفتح صفحة جديدة من دفاتر السلام والاستقرار ، ليس مهماً ما سيؤول اليه الخلاف بين رياك وقديت ولكن على رياك قراءة المشهد السياسي و الاقليمي والدولي ببعد نظر واتخاذ القرار الصعب والذي لن يجد الترحيب من قبل الكثيرين من انصاره لكنها القرار الذي لابد من اتخاذها .
بعد سنة ونصف من التحالف والقتال ضد هدف مشترك بالنسبة لقديت ومن معه ورياك ومن معه إتخذ رياك قراراً مصيرياً ليضع نهاية لتحدي قديت لسلطته بإقالته ، وكذلك يوم امس الثلاثاء 11 اغسطس اعلن قديت انشقاقه عن رياك ليبدأ حلقة جديدة من الصراع في التمرد . فالسؤال المهم الذي يطرحه الجميع هل سيوقع رياك بعد كل تلك الانشقاقات إتفاق السلام في 17 اغسطس ام سيرفض مرة اخرى ؟ وهل سينضم قديت الى ركب الحكومة ام سيستمر في القتال ضدها وضد رياك ؟ الايام فقط كفيلة بالإجابة على تلك التساؤلات .



kurmtiok@yahoo.com


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2317

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1320879 [الوجيع]
0.00/5 (0 صوت)

08-14-2015 01:25 PM
كان الاولى بحكومتنا دعم النوير وتوحيدهم لاقامة دولتهم حيث تتركز بها جميع حقول النفط وايضا من باب المعاملة بالمثل

[الوجيع]

كور متيوك
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة