المقالات
السياسة
هل من تناقض بين العلم والدين؟
هل من تناقض بين العلم والدين؟
08-14-2015 09:55 AM

هل من تناقض بين العلم والدين؟
جيمي كارتر
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

تقديم: السطور التالية هي جزء من فصل في كتاب للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر (1930م - ) بعنوان عن "قيمنا المهددة: أزمة أمريكا الأخلاقية Our Endangered Values: America's Moral Crisis " يتناول فيه – ضمن أمور أخر- الصراع بين العلم والدين.
طافت ببالي وأنا أقرأ في هذا الجزء من الكتاب الحيرة التي تصيب الرجل (أو المرأة) في الغرب وهو يقرأ في المدرسة عن "كروية الأرض" و"نظرية النشوء والارتقاء" و"التطور" وعما يتعلمه منذ الصغر في البيت و الكنيسة، وما أستقر في وجدانه وضميره من مسلمات دينية قد لا تتوافق دوما مع "العلم الحديث" وفلسفته ومخرجاته وثماره. ويواجه علماء الدين وعلماء الدنيا عندنا ذات الحيرة بمحاولة التوفيق بين نصوص الكتاب الكريم والسنة المطهرة وبين العلم الحديث بمحاولة "إعادة تفسير الكلمات والنصوص" بما يتواءم مع ما يستجد من اختراعات و اكتشافات، وبالحديث عن "الإعجاز العلمي" ، بينما يهاجم آخرون هذا المنحى باعتباره "تكلفا مبالغا فيه" و"لزوم ما لا يلزم" و"تعسفا" لا يسنده علم ولا شرع، ويؤثرون قبول نصوص الدين باعتبارها نصوصا مقدسة لا ينبغي ربطها بما يستجد من اختراعات واكتشافات، إذ أن العلم الحديث في حالة حركة دائمة بين رفض أو قبول فرضيات ونظريات تثبت أو تقبل في وقت ما وقد تؤكد أو ترفض في وقت لاحق.
وهنا يدلي كارتر – وهو دارس الفيزياء المستمسك بأهداب مسيحيته - بآراء مثيرة للجدل حول علاقة الدين بالعلم.
المترجم
___________________________________
ظل أمر الصراع بين العلم والدين من الأمور المزمنة التي لم ينقطع حولها الجدل والنقاش في أرجاء المعمورة، خاصة في الولايات المتحدة الأميركية. لقد عملت في بداية السبعينيات (من القرن الماضي) في مجلس إدارة التعليم في مقاطعة سميتر الصغيرة في ولاية تنيسي وشهدت حينها ما أثارته من نقاشات وجدال ظلت حية ومحتدمة حثي يومنا هذا ما عرف بـ "محكمة القرد اسكوب" الشهيرة (هي محاكمة جرت في عام 1926 وعارض الشاكي فيها قانونا سابقا كان يقضي بألا تدرس في المدارس الحكومية أي نظرية تخالف قصة الخلق الإلهي للناس كما ورد في الإنجيل. المترجم). ولقد كنا ندرك في إدارة التعليم في ولاية جورجيا وغيرها من الولايات الجدال والصراع الذي دار ويدور حول تدريس نظرية التطور والارتقاء، بيد أننا أفلحنا في تحاشي الصراع حول هذا الأمر الشائك ربما بسبب انشغال الجميع بما هو أهم وأخطر وهو أمر التكامل العنصري في المدارس و السماح للتلاميذ الملونين بدخول ذات المدارس التي يرتادها التلاميذ البيض، وهو أمر لم يسمح بمزيد من نقاش أو جدال حول أي أمر آخر.
إنني أحمد الله علي أن هذا الانفصام بين الفريقين المتصارعين (فريق أنصار العلم وفريق أنصار الدين) لم يمثل بالنسبة لي أي مشكلة سياسية أو شخصية. فأنا حاصل على درجة عليا في الفيزياء وكنت من أوائل الذين عملوا في مجال استغلال الطاقة النووية للأغراض السلمية، وكنت أيضا شديد الرغبة في توسيع معارفي في العلوم الطبيعية (خاصة الفيزياء) وغيرها من العلوم، بيد أن شيئا من ذلك لم يمس شعرة من عقيدتي الدينية الراسخة، ولا غرو إذ أن عقيدتي ظلت محصنة منذ الطفولة الأولي بما كنت أردده من الإنجيل: "إن الإيمان الآن هو جوهر ما نصبو إليه وهو برهان الغيب الذي لا نراه" Hebrew 11.1
وكنت مقتنعا منذ الصغر بأننا لا نحتاج لدليل علمي لإثبات وجود الله أو كنه حقيقته. بل أنه في الواقع فكلما توفر دليل فيزيائي كاف ومقنع لإثبات أي نظرية أو رأي فإننا لا نحتاج لمعتقد كأساس لما نعتقد فيه. وحتى بالنسبة للذين ليست لهم معتقدات دينية محددة، فإن إحساسهم الداخلي في كل الأمور بما هو صحيح أو خطأ وما هو مستقيم وما هو معوج، وما يغمر أرواحهم من شعور بعظمة وروعة ما يرونه من جمال السماء الصافية أوغروب الشمس الآسر، أو تفتق زهرة فواحة أو خروج فراشة زاهية الألوان من شرنقتها أو ما نلاحظه من إتقان العامل لعمله أو إنبات حبة يابسة ... كل ذلك – وغيره - عندي براهين بالغة الكفاية علي أن الله خالق كل شيء.
وكان من البدهي عندي أن الإنجيل – علي وجه العموم- يمثل رسالة الله الروحية للبشرية. بيد أن من قاموا بكتابة النصوص الدينية لم يكونوا خبراء في علوم الأرض (الجيولوجيا) أو الأحياء أو الفضاء، ولم تتح لهم فرصة النظر في مجهر إليكتروني أو مجهر "هوبل" أو استخدام وسائل حديثة لتحديد عمر الكربون. ولم أنزعج أبدا لما ورد في الإنجيل من أن الأرض منبسطة أو أن لها أركانا أربعة، أو أن النجوم تتساقط علي الأرض مثل ثمر التين حين يسقط علي الأرض، أو أن الله قد خلق الكون في ستة أيام.
بالنسبة لي فأنه كلما تم تسجيل اكتشاف علمي مبتكر أو قدمت نظرية علمية جديدة وتم إثباتها بملاحظة الحقائق والتحقق منها كنت أعد ذلك مجرد "كشف للحجب" أتاحه الله للإنسان الخطاء صاحب العقل المحدود... ليس لابن آدم الخطاء أن يؤثر سلبا على ما خطه الخالق العظيم مطلق القدرة في هذا الكون الهائل.
معلوم أنه كلما اكتشف العلماء معلومات مبتكرة أو ملاحظات جديدة عن الطبيعة و ما فيها، فإن هذه الاكتشافات تختبر وتوضع تحت المجهر ويتم إثباتها وقبولها، أو يكشف عن خطلها و من ثم رفضها... هذه هي طريق "العلم" في الوصول إلي الحقائق. لا يمكننا إنكار وجود ملايين المجرات سحيقة البعد، أو ألا نقبل تطور الأنواع أو نظرية "الانفجار العظيم" لمجرد أنها لم ترد في الإنجيل. ولا يعني الإيمان بهذه الاكتشافات والظواهر إنكار وجود الله، إذ أنني شديد الإيمان بأن الله قد منحنا فرصة رائعة لندرس ونستقصي ونستكشف. وليس من المعقول في ظني تصور أن الإنجيل يحوي كل شيء في هذا العالم المادي أو أن يذكر كل الاكتشافات العلمية، ولا يعقل أن تكون مثل هذه الاكتشافات ضرورية لتكون كأساس لعقيدتنا المسيحية.
إن أحد كتابي المفضلين في مجال العلوم هو ستيفن جاي جولد Stephen Jay Gouldوالذي تبادلته معه بعض المكاتبات من زمن بعيد. كتب ذلك العالم في عام 1989 ما أحسبه أفضل كتبه وهو بعنوان:
"المواطن السجيل وطبيعة التاريخ: حياة رائعة Wonderful Life: The Burgess Shale and the Nature of History," لقد أعجبت أيما إعجاب بما أورده الكاتب من وصف رائع لمخلوقات عجيبة ظهرت علي سطح البسيطة عقب التحول المناخي الذي حدث في العالم قبل 500 مليون عام. كتب ستيفن جاي جولد عما أعقب ذلك من تطور لتلك الأنواع بما شبهه بشريط يدخل عبر آلة ميكانيكية ويخرج منها على صورة من الصور، وكأن الأمر أمر اعتباطي لا نظام فيه ولا تدبير. كتبت إلى ذلك الكاتب منبها إلى أنه لا بد من وجود أمر منطقي وقوة واعية تدبر وتنظم كل تلك العملية. لم يعبأ الرجل بالرد على مكتوبي، بل كتب مستهزئا بما بعثت له من رأي وذلك في مقاله الشهري في مجلة كان يصدرها (وضمن ذلك المقال أحد كتبه فيما بعد). وقبل عامين من وفاته في 2002 أرسل لي نسخة من كتابه "صخرة الأزمان"، وهو كتاب غاية في الإمتاع والفائدة قصد منه كاتبه المساهمة في حل قضية الصراع بين العلم والدين بما أسماه nonoverlapping magisteria هي عملية فصل الدين بالكلية عن العلم باعتبارهما شيئين مختلفين لكل منهما منطقه المميز ومنطقته الخاصة. فالعلم يعرف ويفسر العالم المادي (الطبيعي) بينما يختص الدين بالعالم الروحي، ولا ينبغي لأي منها التعدي والتدخل في شئون الآخر. كان ذلك المنحى في التفكير مقبولا بالنسبة لي. فأنا أؤمن بأن الدين ليس له من مكان في حصة العلوم بالمدرسة، بيد أن ذلك لا يمنع المسيحي المتدين من رفض مقولات تشارلس داروين وتفسيره لتطور الأنواع أو أي اكتشاف جيولوجي مفاده أن عمر هذه الأرض يفوق ستة ألف عام، بيد أن آراء ستيفن جاي جولد الفكرية لم توافق قط معتقدي الشخصي الذي لم يتزحزح عن أن الله هو خالق هذا الكون وأن النظريات العلمية (إن تم إثباتها) فإنه يجب القبول بها حتى وإن تصادمت حينا مع بعض ما ورد في الإنجيل عن الخلق وعن مراكز وتركيب الأرض والسموات والجنان.
لن نعدم في هذه الدنيا أناسا يصرون علي نوع واحد من المعرفة لا تتيح فرصة لنوع آخر، وأناسا يرون العلم نقيضا للدين، وأنهما لا يفسران أو يثبتان أحدهما الآخر. لا يزعجني هذا الأمر إذ أننا قد خلقنا أحرارا في التفكير نقبل ما نقبله ونرفض ما نرفضه، دون أن يعني ذلك حرمان الآخرين من حرية تدارس أي أمر أو أن نرضي أو نعارض أي أمر يوضع أمامنا كحقيقة ماثلة لا تقبل التأويل أو التحريف.
أختم بقصيدة كتبتها قبل سنوات عديدة تلخص الصعوبات التي أواجهها في فهم هذا العالم المحيط بنا (القصيدة من ترجمة الأستاذ القدير عبد المنعم خليفة، مع شكري للأستاذ محمد عثمان لعونه المقدر. المترجم).
تأملات في الخليقة وأسرارها
في محاولة لسبر غور قوانين الطبيعة
من خلال النماذج الدوارة ورسومات الصف المدرسي
كدت أن أصل إلى الإيمان
لولا أن جاءت جزيئات الذرة والدقائق النووية والجسيمات ضئيلة الكتلة
وهي تشير نحو اتجاه مضاد
وكأنها صورة منعكسة على صفحة مرآة
تخترق أديم الأرض محدثة ثقوبا
وهي لا تنحرف عن مسارها أبداً
*****
لقد استمعت إلى وجهات نظر متناقضة
عن العوالم العظمى وما دونها
وعن الانشطار العظيم الذي هو منشؤها كلها
وعن الفضاءات المقوسة والأبدية الاتساع
وربما عن اليويو ذي الدوران الهائل
والذي سوف يصل يوماً ما إلى نهايته
المتمثلة في الجاذبية الكونية
ثم يطير محلقاً مرة أخرى حيث يعيد الكرة من جديد
أو تنشطر أجزاؤه بقوة هائلة وفجاءة
وحينها .. وحينها تقع الواقعة الأخرى
فهل كل هذا مصادفة؟

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2425

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1321493 [المندهش]
5.00/5 (1 صوت)

08-15-2015 08:07 PM
سخرية ستيف جاى من كارتر تمثل الراى العلمى الصرف الذى لا يهادن لاى اسباب غير علميه . اما السيد كارتر رغم انه من دارسى علم الفيزياء و لكن رأيه هذا لا يمثل اهل العلم كما انه لا يمثل رجال الدين بل يمثل كارتر السياسى فقط . فكما هو معلوم ان موقف المرشح للرئاسه فى امريكا من الدين يحدد نجاحه او فشله فى الوصول للبيت الابيض . والحقيقه كارتر حاول فى رأيه هذا تقديم تسويه سياسيه للصراع بين العلم والدين حتى يتساكنا معا لارضاء العوام دون احراجهم كسياسين بينما يظل كل شخص محتفظ بقناعاته الشخصيه سرا وهذا امر لا يمكن ان يحدث حتى فى المجتمع الامريكى فمن الصعب تجاهل الفيل داخل الغرفه . يحدث هذا الصراع فى مجتمعات يمكنها تقبل فكرة ان الاناجيل كتبت بواسطة بشر وانها غير معصومه فما بالك فى العالم الاسلامى حيث يؤمن الناس ان الله يتحدث اللغه العربيه وكل حرف فى القران نطق به هو شخصيا وهو القائل ان الشمس تغرب فى عين حمئه وهو القائل ان هنالك سبع سماوات وسبع اراضى والارض مسطحه وثابته والشمس تجرى حولها والنجوم التى يعادل حجم الواحده منها الاض مئات المرات خلقها مصابيح لتضئ الارض وانها سوف تتساقط على الارض مثل الكرات يوم القيامه اى تسقط ملايين الجبال الضخمه على قطعة حجر . كل التصورات القرانيه للكون هى تصورات شخص جالس فى الارض وليس اى مكان اخر . لذلك من المستحيل مواءمتها مع العلم الذى يقول ان الارض هى ذرة غبار كونى لا قيمة لها فى هذا الكون الفسيح . الذين اسسوا للدين الاسلامى فى البدايه كانوامن العصبيه بمكان حيث لم يحسبوا حساب للمستقل ولم يتركوا للمسلمين خرم ابره لينفذوا منه لذلك المواجهه بين العلم والدين الاسلامى على وجه الخصوص حتميه ولا تقبل التعادل ولا شك انها كمواجهه بين برشلونه بكامل نجومه ومريخ ام مرحى الناقص وليس امام مشجعى ام مرحى الا تقبل النتيجه او اغلاق جميع وسائل الاعلام واذانهم ويتناسوا المباره فى حد ذاتها . وبذلك لن تكن امامهم اى فرصه للمشاركه فى اى منافسه اخرى ويكون الجلوس على مساطب المتفرجين هو مصيرهم الابدى تحياتى

[المندهش]

#1321160 [الدنقلاوي]
5.00/5 (1 صوت)

08-15-2015 08:29 AM
اختيار المقال رائع والترجمة مريحة وسلسة كالعادة.
آراء كارتر تثير قضية أساسية: هل الكتب السماوية منزلة من ألواح محفوظة أن هي رؤية وكلام الأنبياء لكيفية مرضاة الله وسبل طاعته؟
وهذا الأمر ليس خاص بالعهدين القديم والجديد فقط، ففي عام 1923 دار جدل في الأزهر بين العلماءارتقى لحد التكفير حول كروية الأرض أم تسطحها ( هل الأرض تشبه صينية الطعام أم كرة القدم) لأن البعض تمسك بالتفسير الحرفي لقول الله تعالى في القرءان (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴿30﴾ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا) ﴿31﴾ (النازعات) والدحي في اللغة هو التسطيح وليس التكوير، أما لو وسعنا المفارقة وأدخلنا الحديث الشريف فسنضيع بين العلم والدين، وقضايا كالجن والشياطين تبدو خيالية اليوم، فأنا لا أستطيع أن أقنع طفلي ذو السبعة سنوات بوجود الجن.... رؤية كارتر بها شيء من صوفية المسلمين (صوفية الحلاج وسعدي الشيرازي مش بلة الغائب)وقبالة اليهود لكنها صعبة على أهل التدين التقليدي وعامة المسلمين

[الدنقلاوي]

ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة