المقالات
منوعات
المبروك أحمدون
المبروك أحمدون
08-23-2015 11:32 AM



-1-
ربطت التومة أم الفنان إدريس أبراهيم حمارتها الغبشة المحملة بخرج العطرون أمام زريبة غنم عمي السني تحت شجرة الطلح الكبيرة أمام الدار، وقصدت بذلك حتى تعتلف حمارتها المتعبة بحمل العطرون من بقايا الكاويك وقش الدخن المهمل أمام الزريبة،، في الوقت الذى قفذت فيه نبوية بت عمي من ضهر دحشتها الزرقا بعد أن وصلت على التو من مدرسة دارالعوضة الإبتدائية،نبوية تريد أن تعلف دحشتها من قشها المدسوس فوق رأس راكوبة البهايم لكنها تخاف فضول التومة وتعريضها بالنبي والرسول لتعلف حمارتها أيضا،، قبل أن تسمع صوت أمها فاطنة الزينة المتقطع بسفة صعوط زاحمت فكها السفلي: يا نبويي يا بتي عليك الله أدي حمارة التومي شوية قش معاكي!!! تستسلم نبوية وتعلف الحمارتين معاً.
عندما رأين التومة تسلل البشر إلى وجوههن جميعاً، فاطنة الزينة، مريم بت عبدالله سالم، حبوبتي فاطنة الحرم وأمي حسونة بت ود حامد وكن جميعاً يتونسن تحت النيمة الكبيرة أمام دارنا الملاصق لبيت عمي السني!!! السرور يكمن في أن التومة تجوب حلال البلد لتبيع عطرونها وتجلب معها الأخبار من تبو والسير جنوبا إلى مشارف بيوض شمالا،، مروراً بالكيد وكمنار شرقاً،، حملت نبوية خرتاية الكراريس ودلفت إلى داخل المنزل،، وأتت التومة ناحية الحريم،، وقبل أن تنهي سلامها حق الله بق الله، قاطعتها بت عبدالله سالم وهي ترشف نفساً طويلا من سيجارة قمشة: أها يا أم إدريس خبر الحلال شنو...؟؟ أردفت أمي: إنشاء الله خبر الخير والنعيم،، أعقبت دعاها حبوبتي بت الحرم وقالت ياااامين...!!! عندها أجابت التومة: الليلة جبت ليكن خبر السرور،،، الحروم إتصلحن في القعدة على قول التومة، مريم أشعلت سيجارة قمشة تانية، فاطنة الزينة عمرت سفة طازة،، حبوبتي بت الحرم لا تسجر لا تصعط، أما أمي فما كنت أدري بأنها تصعط في ذلك الوقت الباكر في الطفولة لكنى كفشتها بعد سنينا عددا،، في صبيحة ذلك اليوم كنا أنهينا على التو أكل عصيدة بالروب وعندما إتت إلينا بالشاي رأيتها تظبط سفة من حقة والدي الذى كان يستعد ليزين لعمي السنى رأسه صلعة...!! بلد عجيبة الناس فيها ما هاميهم السعر كم، رجالها وحريمها يدخنوا القمشة ويسفوا التمباك.
التومة قالت: لاقتني كلودة بت خالتك يا فاطني الزيني وقالت لي أكلمك يوم الأحد تجيبي حريم الحلة والجنات في شخدشاب( شيخ دياب) عشان النضر،، سرتك قالت ليك أحمدون جنا ود الهمشرى أسق عشمانة نضره يوم الأحد،، وقالت حتجيكم يوم السبت من مغربية بدري تبيت معاكم ونمشوا كلكم شخدشاب سوى،، قالت ضابحين للجنا عتود،خلاص تم أربع سنة وبقا للطهاري..!!! أردفت فاطنة الزينة: صحي الجنا ببقى تم أربعة،، تقاطعها مريم: إنتي مسعولة من الخير يا فاطني، دحين الجنا ده تم أربعة، أها بقا ينضم والله لسه ما بنضم،، ترد بت الزينة: يخربني يا مريم الجنا لا بنضم لا شيء بس يعاين بى عيونو وصوابعو في خشمو،، تقاطعها بت الحرم يا لطيف،، ترد أمي الله يغطيه ويبرد حشا أمه!!!
تنتفض فاطنة الزينة وقد نسيت أن تعمل الأكل لنبوية بت المدرسة،، تسوق معاها التومة للداخل عشان تفك الريق ومعها شلة الحريم!!.
-2-
كل الحكي من الماضي بلسان فاطنة الزينة مرة عمي، أصلو كلودة مرة كرار بت خالتها وناس فريق(( أبو جندق)) كلهم أهلها، المرتين عارفات جنات الحلة كلهم، متين إتولدو ومتين عرسوا، بس مرة عمي دي دقست في ولادة أحمدون وما متأكدة إتولد متين،، قمنا وجينا ووعينا ولقينا أحمدون مولود وحايم بي عراقي من غير سروال...!!! تقول حبوبتي فاطنة الحرم: يا وليدي الجنا ده مولود حولين بعد بابكر جنا سعيد العندي أخد شامة بت عمتك أم الحسين ورحلها بابور تلودي...!! تردف أمي: أى تقول كدي...!! مريم بت سالم تقول إتولد سنة البحر الكبير...!! فاطنة الزينة تقاطعن: الجنا ده نديد محجوب ولد بت سعد.....!! ترجع في كلاما وتقول: شقانا النبي الخضر يا بت الحرم، الجنا ده إتولد نهارية اليوم المات فيه عجل حسن العندي،، يوم العجل قطع صريمته ونتر من الساقية الكان معلق فيها ووقع في الكوديق (بير الساقية) وكسر رقبته ومات في ساعتو...!!! ناس البلد بقولو أصل الراجل حق الشرق أبو عين حمرة،، جاء يوم راكب حمارتو السودة وكان ماشي جهة قرنتي،، ولمن وصل قصاد الساقية والعجل معلق فيها،، وقف من بعيد يعاين من فوق حمارتو في العجل، لا قال السلام لا قال ماشاء الله،، ولمن مشى وأدى ضهره الساقية،، العجل نتر طوالي، قطع صريمتو ووقع في البير ومات!!!!! وقالو أبو عين حمرة واصل مشواره وغرب والظاهر مر من ورا بيت الهمشري،، وسمع حرم مرة ود الهمشرى تتوجع بي أحمدون وما قال الله يخلصا بالسلامة،، ومن يوما إتولد الجنا درويش لا يعرف نضم لا فهم....!!
إتلمن حريم أبوجندق( القرنداب والعندياب) ومعهن جنات الحلة،، ورؤوسهن محملة جرادل بليلة ولقيمات وموية وكسرة،، وود الهمشري يحمل أمامه عتودا مليحا رادفا خلفه جناه أحمدون ذو الأربع سنوات، الجميع زحفوا جنوبا قاصدين قبة شيخ دياب بجوار المقابر الضاربة في القدم لإقامة النضر والتبريكات لأحمدون من شيخ القبة الذى يرقد في ثباته،، وأتت كلودة وفاطنة الزينة بحريم القلعة وأبعلق( الكجمة) وعيالهن لذات الغرض وعلى رؤوسهن مزيدا من المؤن تشريفا لأحمدون،،، إتلم الجميع وداروا حول القبة سبع دورات ومعهم العيال وأحمدون، ثم دردقوا أحمدون ومرمغوه داخل القبة،، قبل أن يتم ضبح العتود ويقفذ أحمدون فوقه سبع مرات أيضا،، زبح عتود النضر والجميع يهللون وينشدون بكلام لامعنى له ودعوات يريدون أن تتحقق ببركة شيخ قد شبع موتا ولا حول ولا قوة له بغير الله ،،، قضوا نهارهم يأكلون ويشربون ويمرحون بنضر أحمدون،، ومسيح عيالهم بالزيت وملىء جيوبهم باللقيمات والتمر ،، كان ذلك حال النسوة في ذلك الزمن المورق بعفويته!!! إنفض الجميع من حول القبة وورائهم شيخ دياب وتبريكاته ولسان حالهم القابلة في طهورة أحمدون!!!
نوى الجد الهمشرى أن تكون طهارة أحمدون حدثا فريدا خاصة وأن أحمدون باكورة عياله من أحد أبنائه وهو الحفيد الأول،، لذلك قرر أن يولم للحدث بثور سمين...!!! دعا أهل القرى جميعا ويوم الطهارة أسرجت الحمير من جميع القرى والنجوع صوب بيت الهمشري في أبو جندق،، أتى بالطهار (( ختم)) من قرنتي،، نحر الثور والشياه وخمرت أزيار الدكاي من وقت ليس بالقصير،، أكل الناس وشربوا نهارا وأقيم حفل راقص بمغناه على شرف أحمدون ليلا،،، تغنى حمودي بطنبوره،، وردد معه حسين ود نمر وودشميم والعندي حسن وصبيان الكيد وأبتة،، جابودي وعرضة إتجالد على وقعها عرب البشارية،، وزاد حماسهم زغرود النسوة ورقصهن المتفرد بشبال يوقع في القلوب عشقا!!!
-3-
إنتهى شهر رمضان وفرح الناس بمقدم عيد الفطر،، في البلد تذهب الحريم يوم العيد من دغش الرحمن لزيارة المقابر في شيخ دياب وخاصة اللائي لهن أزواج أو أقرباء ماتوا حديثا،، والرجال يذهبون لقطع جريد النخل وحملها للمقابر ومن ثم غرز جريدتين على كل قبر وبعدد الموتى من الأقرباء يكون عدد جريد النخل مضاعفا،، في ذلك الصباح كنت على حمار والدي رديفا خلفه وأمامه كوما من الجريد الأخضر،، وصلنا المقابر وقبل صلاة العيد بدأ والدي بغرز جريدتين على كل قبر،، يقرأ الفاتحة ثم يخبرني، هذا قبر والدي جدك سعيد، هذه أمي حبوبتك فرحين، هذا أخوي عمك أحمد كان معرس فرحين بت سالم ومات في أربعين عرسو الله يرحمو، هذا أخوي عمك عثمان كان معرس بت عجيب، هذه أختي عمتك أم الحسين أم شامة بت عمر،، وهكذا كنت أعرف قبور العائلة كلها في طفولتي،،،بعد غرز الجريد وقراءة الفاتحة للأموات طفنا على المعيدين وقد أصبحت ساحة المقابر عيدا وسوقا ومكانا للمتفلتين بلعب( الكشكوش) القمار،، كان عبده حبسة هو زعيم المقامرين ومعه آخرون وكل منهم قد ملك صندوقا فارغا كان في يوم ما مليئا بالشاى الكيني،، ثبت فوقه 6 أوراق من الكتشينة بعدد من 1 الى 6 وفي يده الزهرة بأرقامها الست وفنجانا ليكشكش به الزهرة ويقلبها،، تقامر الجميع ووضعوا ختة نقودهم على أرقام يمنون أنفسهم أن تفوز،،، وهكذا تسمع صياحهم وفوران دمهم من صبح الرحمن في عيد الله.
إشترينا حلوتنا ثم أخذنا الوالد لصلاة العيد بجوار المقابر الأخرى في شيخ طويل،، وبعد الصلاة أخذنا الوالد وعمي لمعايدة الأهل في أبوجندق( القرنداب والعندياب)،،، وهناك كان العيد حاضرا بإفطاره في مسيد القرنداب، دخلنا بيت بيت للمعايدة ثم أتينا للمسيد لتناول اللقمة والشاى،،، والمظهر والمنظر جميلا يجعلك فخورا بأنك تنتمي إلى هؤلاء الأهل الكرام،،،، وهناك وعينا على صلة القربى ووعينا على معرفة أحمدون منذ صبانا الباكر،، تشاهد أحمدون وقد تحلق حول الناس بعينين صغيرتين،،، مرتديا عراقياً جديداً فصل لتوه لكنه نزع لباسه وكأنه في عداء بأن يحتك أسفله بأي شيء من قطع القماش، فترى شيئه غير مواربا ولا يكترث به وقد سئم أهله من كثرة تأنيبه بذلك،،فقط إرتدى عراقيا قصيرا وبه جيبا من ناحيته اليسرى ولا ينتعل شيئا قد يقلل من حركته،،،تراه واقفا في ركن قصي من المسيد واضعا أصبعه في فمه أو يتحلق حول المعيدين بعيون ترصد المجهول...!! هذا ينقده خمسة قروش في جيبه كعيدية وذاك عشرة وآخر خمش طرادة من جزلانه ووضعها بجيبه،،،، وأحمدون لا يكترث بما يفعل ويقول هؤلاء الذين أتوا من المجهول لعالمه وتجمهروا في أرضه!!! يسالمه الناس ويشدون على يده بحنية لا تخطيء مقصدها،، لكن لا تسمع منه غير همهمة أو ضحكة لا معنى لها، لكنها بالتأكيد تعني في دواخله الكثير ولا أحد يفهمه سوى ذاته،،، يرى أحمدون دجاجة أو عصفورا أو دحشا تحاوم بالمكان فيترك الناس ويطارد ما رأى بحب وعشق لا مثيل له،، إنه عالمه الذى يفهمه ويجد ذاته فيه،، عالمه الذى يتعالى به وينتصر عليه، فماذا يفيده هؤلاء المتجولين بأرضه ولن يجد منهم سوى صخب لا يريده....!!! يدخل الناس إلى المسيد للمعايدة ويتخارجون لحال سبيلهم ويبقى أحمدون في ذاكرتهم عيدا لابد أن يتباركوا به ويزوروه كل موسم....!!! ذهبنا لمعايدة الأهل فى طريقنا إلى الديار راجعين وخلفنا أحمدون يقابض طيرا ويهش جرادا تزاحم على قناديل قصب الضرة المزروع بجوار الحلة.....!!
-4-
تمر الأيام والأعياد والسنوات،، يكبر الناس ويتزوجون ويتناقلون لكن المبروك أحمدون لايكبر كثيراً إلا برأسه وربما بشيئه بين فخذيه والذى يصر على عدم مواربته بسروال ليؤكد لمن حوله بأنه رجلاً قادراً أن يفقس مثل عيالهم الذين يزاحمون عالمه الخاص كل عام،، ظل قصيرا نحيلا لكنه دائب الحركة لا تفتر له همة.
جلس عثمان الزين وعمه الهمشري أمام الدار وبيد كل منهما سيجارة قمشة ينفثان دخانها في الهواء تارة بعد أخرى وأحمدون يتحاوم ويتجارى حولهما، يحادثانه فيهمهم بحديث لا معنى له، وعندما إقترب عوض عبدالله ملقياً عليهما تحية الصباح، تصايح المبروك وتقافذ في الهواء حوله وكأنه يريد أن يقول شيئا ما، وفي الوقت الذى كان جده الهمشري وعثمان الزين يضحكان من كيفية حراك أحمدون حول عوض عبدالله، سأل ود عبدالله عثمان الزين فيما يقول أحمدون،،، رد عليه ود الزين وهو يضحك بملء شدقيه حتى سال لعابه وتطايرت من فمه بقايا دخان عالق بالهواء، وقد ظهر فكه العلوي خاليا من أسنان وما تبقى منها ظهرت بصفرة لا تخطئها عين من كثرة ما دخن من قمشة على مر السنين...!! عثمان رد لعمه عوض بأن أحمدون طالب القرب ويريد يد بنته للزواج على سنة الله ورسوله....!! ضحك ود عبدالله قبل أن يجالسهما ويقول لعثمان في حضرة الهمشري الجد بأن يخبر أحمدون أن يلبس سرواله أولا حتى تقبل به العروس وأن يغطي شيئه حتى لا تقرشه سحلية فيخسر رأس ماله....!!! ضحك الجميع وقهقهوا عاليا حتى سقطت سيجارة القمشة من فم الهمشري وإنتابته قحة متقطعة حتى أدمعت عيناه، ثم أردف موجها حديثه لود عبدالله: شرقتني من الضحك الله يجازي محنك يا بعيد....!!! يختفي أحمدون من حولهم ويهرب إلى الداخل وكأنه فهم شيئا مما قاله ود عبدالله.
موسم الزراعة والحصاد في الحواشات جوار الحلة هو بمثابة موسم فرح وعيد لأحمدون، هو المبروك وبركة الحلة ومن يوم أن شب عن الطوق إختفى الماء المالح من القرية،، تراه يتجارى خلف مزارع يلهب بسوطه ظهر ثورين علقا بمحراث لحراثة الأرض، تجده يطارد وزيناً أتى من البعاد لينبش الأرض بما رحبت،، وبلوم أتى يتغنى بأطراف جداول الماء وزروع المريق والربيع الأخضر،، موسم يكثر فيه البهم فتجده يطارد حملاناً تفلتت من حضن أمهاتها، تجده يشاكس أباه وعثمان الزين وهما يحلبان ضروع أبقار ولود ليفوز بحليب طازج ودافيء ساعة المغربية،، فتلحظ شاربه أبيضا بشرب اللبن وهو العدروج الذى لم تنبت شنباته، ليس لسني عمره ولكن لضآلة حجمه وتكوينه البدني،، تنتفخ قناديل الذرة فيأتي الجراد مهاجرا في موسمه فيكمن حب أحمدون وعشقه لإصطياد كل ما تقدر عليه يداه الصغيرتين.
يأتي موسم الحصاد وقد شمر أهل القرية عن سواعدهم لحش الفول والقمح،، يمدون أيديهم لبعضهم البعض وقد تقاسموا الأيام فيما بينهم لإقامة فذوع الحش، في اليوم الأولانى لحش قمح فلان، اليوم التانى لعلان، ويوم لحواشة التيمان جنات ود نمر ،، وهكذا يقسمون الأيام فتجدهم في همتهم ونشاطهم وغناهم ومواوليهم ودوبيتهم لا تفتر لهم همة،، يحصدون ويأكلون ويمرحون،، ومعهم وبينهم أحمدون دهشة فرح بطعم الشهد والمنى!!!
يحصد الفتيان القمح بسواعدهم الأبية وتمدهم الفتيات والأمهات بالأكل والماء البارد فيأخذون راحتهم لتناول ما أحضر لهم،، يرى أحمدون نضارة الفتيات فيتجارى حواليهن ويتصايح بينهن كديك وجد مبتغاه في فراريج لن يقدر على إصطيادها،، ترحل الفتيات بعيدا ويلهث أحمدون ورائهن في اللاشىء،، ثم يرجع لمجلس الحصاد وهم يشربون الشاي ويدخنون القمشة وسف التمباك تحت راكوبة أقيمت خصيصا كمظلة لموسم الحصاد،، يتضاحكون على حال المبروك أحمدون وهم لا يفهمون مقصده، وكأن حاله يقول لهم ويذكرهم بحال الزين في رائعة عرس الزين للطيب صالح (( يا ناس الفذع هووووووووووووي.... أحمدون مكتول في حوش ودنمر))،،، يأتي أحمدون قبالة حسين ود نمر ضاحكاً مهمهما، فيمسكه حسين ويطبطب عليه ثم يقرصه من شيئه الذى تدلى طليقا،،،،، ويقول للجماعة بضحكته المعهودة: يا ناس هي الجنا ده بقى راجل تاااااااامي بعد ده لازم يلبس السروال غصب!!!! يقهقه الجميع بأصوات هوجاء فترى من شرقه دخان قمشته وحبس أنفاسه بقحة مكتومة وآخر سقطت سفته من فكه السفلي وسال لعابه من كثر ما ضحك،، وآخرون ثابوا إلى رشدهم فتسمعهم يرددون: إستافر الله، إستافر الله، الله يجازيك يا حسين،، وآخر شمر منتفضاً ليشد من عزيمة الرجال ليقوموا لحصادهم موجهاً حديثه بإتجاه من يضحكون ويتجادلون: يا الله يا جماعة صلوا على النبي وخلونا نكمل قبل النهارية ما تحر علينا،، قوموا باركوها الله يديكم العافية،، ينتفض الجميع يحملون معاولهم ومناجلهم لبدء الحش والحصاد من جديد،، وترى أحمدون وقد طارد دحشاً تسلل خفية ليقي أوده من سنابل قمح أخضر في الناحية الأخرى.
-5-
مرت الأيام والسنوات وكبر المبروك بسني عمره لكنه ظل نحيل القامة ضعيف البنية، إلا أنه قد أصبح أكثر هدوءا ورزانة، قلت حركته وشقاوة صغره وقد بلغ مبلغ الرجال شأواً مكتملاً بجلبابه وسرواله كسائر صبيان البلد،، الفتيان والفتيات الذين في عمره وأقل منه كلهم تزوجوا ومضوا إلى تفاصيل حياتهم،، لكن أحمدون ظل يلقي بنظراته إلى المجهول وقد إحتار في أهل البلد الذين يقاسمونه الحراك على أرضها، يسأل نفسه أسئلة لا أجابة لها في مخيلته: فلماذا لا يزوجونه مثل غيره من فتيان البلد وبناتها الذين خلفوا عيالاً يتجارون حوله ويملؤون فضائه ألقاً وصخباً...؟؟ لماذا يشهد كل عام أكثر من زيجة لصبايا يصغرونه ولا يفوز لنفسه بواحدة من نواضر الفريق....؟؟ كم سيمر من العمر حتى تقبله إحداهن على سنة الله ورسوله...؟ أسئلة ظل المبروك يرمي بها إلى المجهول في كل مناسبة سعيدة لتأهيل فتى وفتاة وكلما تحلقت حوله فتيات نواضر....!!وتستمر الحياة والمبروك بين أهل البلد يشاركهم أفراحهم وأتراحهم طوال نهارات أيامهم حتى يهلكه التعب فيلوذ بداره من مغرب الشمس كبهم المرعى ودجاج البوادي،، ثم يستيغظ من دغش الرحمن كأول شهد لإستمرارية الحياة بأهلها في تلك القرى،،،وهكذا تمر الأيام بأهل البلد وهم على سجيتهم وطيبتهم وتواصلهم الحميم،، ويبقى أحمدون بينهم كتمامة فرحهم وسعادتهم وبركة لزواد حالهم وأحوالهم،، يبقى رمزاً كفنارٍ لا يأتي ذكر البلد وإلا رجعت الذاكرة والمخيلة إليه،،، إنه المبروك أحمدون ود الهمشري.
...أبوناجى...

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1747

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1326878 [محمد حجازى عبد اللطيف]
0.00/5 (0 صوت)

08-24-2015 03:36 PM
استاذنا ابراهيم ابا ناجى ود سليمان --لك الود والتقدير
شكرا كبيرا لهذا السرد الذى ذهب بى بعيدا حيث البلد الراقده قفا بين تلال الشرق وخور ارقو ونهر النيل العظيم حيث عمودية العندى وفرسان الحوبه من صناديد البلد الباقين والراحلين والمرحلين والمرتحلين --رجعت بذاكرة خربه الا من بعض الذكريات الجميله التى هيجت اشجانها ومحوت عنها غبار السنين -- الم تكن البلد بخير وبركه عندما كان اولئك المباريك -- كان لكل حله او قريه مبروك مثل احمدون -- ان التجرد والتمعن الذى كتبت بها تلك الخواطر الجميله لم اتفاجأ بها لاننى اعرف ابا ناجى شاعرا فحلا وبالتالى كان هذا السرد الجميل ومؤكد بن من يزر تلك البقاع الطاهره يوما اصبح يعرف تفاصيلها من خلال التصوير الدرامى الفائق الحبك ---واصل يا جميل

[محمد حجازى عبد اللطيف]

ابراهيم سليمان أبوناجي
ابراهيم سليمان أبوناجي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة