المقالات
منوعات
قصة قصيرة - كبوات صغيرة.. انتصارات مؤجلة
قصة قصيرة - كبوات صغيرة.. انتصارات مؤجلة
08-29-2015 06:03 PM

أبي كان رجلا طيبا في الاربعين من عمره...يعمل مزارعا ..ينتظر الخريف عاما بعد عام. لديه حمار يذهب به الي سوق القرية . يقضي الامسيات في قراءة الراتب وشرب القهوة ولعب السيجة ويستمع للمدائح والاغاني احيانا...وفي منتصف الليالي يأتي الي البيت راضيا بحياته الرتيبة .. يأوي لفراشه وهو ملئ بالزهد والرضا..
أمي عكسه تماما .. طموحة ومشاكسه ولها تطلعات لاتحد... كانت طويلة ونحيفة وتقنعك بان لها اخلاق ملاك ، عيناها عسيليتان وانفها الشامخ...تحس بكبريائها واحلامها التي لاتعرف الفشل.
عشت في طقس من المناقرات وكان انطباعي ان الايام ستسير الي الأفضل ولكن خابت توقعاتي...مما اورثني نوعا من اللامبالاة...امي تقول لي لا تتشائم.انظر للجانب المضئ من الحياة...عرفت امراض التايفويد واليرقان والملاريا...وان تظل محملقا في السقف اليوم بطوله دون اكل...تقول امي ان جل العظماء عاشوا فقراء ونجحوا في تخطي الصعاب وتودني ان اكون مثلهم...علي بالمثابرة واليقظة..وان اخذت صفات والدي فعليها العوض...وعليّ تقدير العواقب الوخيمه...
كان والدي يقول ان أمي عنيده ومبذره...ويودني ان اتفادي كل ذلك لاصير رجلا يشرفه. امي مليئة بالتفاؤل رغم ان العالم لايجنح للخير...اوالعدل.. .ولكنني ساواصل الحكاية ...
كافح ابي وامي في بناء اسرة مستقرة...في المزرعة قبض ابي علي ثعبان صغير جز رأسه بسكين كان يحملها في ذراعه.وقال ان الثعبان عارض وانزاح. كنا نتشبث بممتلكاتنا القليلة...سحارة للملابس وسريرين ومنضدة عليها اكواب الشاي..ذهبت وامي مع ابي للمزرعة..كان ابي يقود حماره.. ظل صامتا طول الطريق ووالدتي تثرثر علي الرغم من ان والدي أصيب بداء الصمت وكأنه فقد شهيته للحياة..كان لايعرف تناول العقاقير وانما يستعمل الاعشاب في علاجات البطن والجروح والصداع...كنا نربي بعض الماعز والدجاج ...اتذكر ان لي كلب كان ابي لا يحبه .كنت وقتها قد دخلت المدرسة وكنت اذهب مع ابي للمزرعة...
القرية عالم جميل بطيورها وبرك الماء في فصل الخريف..حيث المطر يجعل الحياة اكثر بهجة...كان ابي يسألني ماذا اود ان أكون عندما اصير كبيرا...هذا ما ساحكي عنه لاحقا...كان ابي يعلمني اسماء كثير من الحشرات واسماء الحشائش ويقص علي اشياء مدهشة عن النساء وعالم الكبار المعقد ..كان يعتقد في الشياه التي تولد بساق زائده او ميلاد طفل بسته اصابع ...يتفائل بذلك وتراوده فكرة انه سيدركه الغني...يوما ما...كان ابي نادرا ما يعارض امي التي ان اقتنعت بفكرة تقف عليها صامدة...قالت لأبي ان يعمل تاجرا..ابي يعرف طموحاتها ، في البدء وافقها ولكنه لم يفعل !
الي ان اتي ذلك الغريب الذي اشتري منه والدي واقيا (حجاب) لوقف الضرب من السلاح..والدي انفق فيه كل مدخراته دون ان يخبر امي بذلك...عند الظهيرة بينما كنت العب مع الاطفال ...دائما ما تشدني الفروق بيننا واحس بالأسي...الصبايا يتقافزن ويلعبن بالحجلة...دائما ما يفشل ابي في مشاريعه الصغيرة ..امي تعزي ذلك لتشاؤمه..عند العيد قامت امي بتبليط ارضية المنزل وطلاء الجدران ..في ذات يوم علق والدي الحجاب الذي الذي اشتراه لاحدي الدجاجات بالمنزل ...صحوت علي صوت طلق ناري والدجاجة البائسه مصروعة ...لقت حتفها ..لم ينفعها الحجاب الذي فقد فيه والدي كل مدخراته..امي تصرخ مرتجفه وهي تلعن حظها العاثر...كان أبي يصوب نظرة غضب اليها ويقذف في وجهها اناء مملؤ بالماء...وهي تجهش بالبكاء فشرعت معها بكورال من العويل لم يتوقف الا بعد ذهاب والدي لجماعة السيجة..!
كان من سخرية الاقدار ان تحصل امور كثيرة غامضة وانا في العاشرة ادون تصرفات حيرتني حينها...امي بعصبيتها ووالدي بصمته اصاباني بقلق مقيم...كانا دائما ما يتحاشيان التعامل بعنف امامي ..التماعات عيني ابي عندما يغضب وكان نادرا ما يغضب كان يقول لها من الخطأ ان نختلف امام الصغار...امي تضحك بسخريتها المعهوده وهو يراجعها ..احس مرات بدفء العلاقة بينهما...امي دائما ما تدحرج الامور للحافة وهو يميل للتوازن...خاصة في وجود احد المعارف..وتمر الايام بطيئة رتيبه.. و بدا أبي محبطا ومجهدا في جعل عشه سعيدا..اختفت ابتسامته الوضاءه ..كان دائما مايغمز لي مخفيا حنقه ...اورثني روح التصميم وان احلم لاخر المدي..وصرت لوقت طويل اقلب تجاربه وخبراته...ويدمي قلبي لهذا الاب الذي لم يعرف الانتصار وامامي معركة الحياة المستمرة....!

سوبا شرق..
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 993

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1330927 [mohd]
0.00/5 (0 صوت)

08-30-2015 01:28 PM
لصديق ممارسة وتجربة كبيرة وطويلة في كتابة القصة القصيرة وله اسلوبه السردي الجميل الخاص من عمق تجربة سنين طويلةززنشر كثيرا ولكنه لا يهتم بالنشر في الصحافة الالكترونيةززنرجو ان نراه كثيرا صوتا متفردا في قصه وحكيه

[mohd]

#1330511 [عبدالحميد البرنس]
0.00/5 (0 صوت)

08-29-2015 09:35 PM
يا لك من قاصّ متمكن من أدواته، وأكثر، يكتب، لا بجودة تلك الأدوات، بل جوهريا بما يسكب في تلك الأدوات من ثراء إنساني، وهذا (في ظني) ما يتبقى في الأخير من أية كتابة، بعد زوال صاحبها والشروط الأخرى المشكلة لها عمقا تاريخيا وبعدا مجتمعيا وثقافيا.

[عبدالحميد البرنس]

صديق الحلو
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة