المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.الطيب زين العابدين
الثورة الليبية بعد قرار مجلس الأمن
الثورة الليبية بعد قرار مجلس الأمن
03-20-2011 11:56 AM

الرأي23

الثورة الليبية بعد قرار مجلس الأمن

أ.د.الطيب زين العابدين

أصدر مجلس الأمن الدولي في وقت متأخر من مساء الخميس (17 /3) بعد ثلاثة أيام من المفاوضات الشاقة قراره المنتظر بحظر الطيران في الأجواء الليبية حماية للمدنيين من قصف طائرات كتائب القذافي التي استهدفتهم بلا رحمة طيلة الأسابيع الثلاثة الماضية. اشتمل القرار الذي جاء تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يسمح باستعمال القوة العسكرية لأن الأزمة الليبية تهدد السلم والأمن العالمي، على الفقرات التالية: الوقف الفوري لإطلاق النار وعدم استعمال العنف ضد المدنيين، حظر توريد السلاح للحكومة الليبية، تجميد أرصدة وممتلكات الحكومة الليبية والمسئولين فيها والإفراج عنها فيما بعد لمصلحة الشعب الليبي، احترام ليبيا للقانون الدولي والإنساني، حظر سفر المسئولين الليبيين، إدانة فرق المرتزقة الذين يدخلون ليبيا بقصد المشاركة في القتال لجانب النظام وطلب منعهم من السفر بواسطة حكوماتهم، حظر الطيران الليبي في كل الأجواء الليبية حماية للمدنيين عدا طائرات الإغاثة والمساعدات الإنسانية، تفويض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لاستعمال كل السبل الضرورية (بما فيها القوة العسكرية) من أجل حماية المدنيين وذلك بالتعاون الوثيق مع الأمين العام للأمم المتحدة ودول الجامعة العربية، استبعاد أية قوات احتلال أجنبي للأراضي الليبية فالمجلس يؤكد على سيادة واستقلال ووحدة الأراضي الليبية، يبقى مجلس الأمن مشتغلاً ومتابعاً لتطورات الأزمة الليبية. جاء القرار بطلب من بريطانيا وفرنسا ولبنان، وأيدته عشر دول في حين امتنعت كل من روسيا والصين وألمانيا والهند والبرازيل عن التصويت. ويعتبر القرار نصراً لكل من بريطانيا وفرنسا اللتان قادتا الحملة لإصدار القرار رغم التردد الأمريكي في البداية. وصف الأمين المساعد لوزارة الخارجية الليبية خالد الكعيم القرار بأنه تآمر على الشرعية الليبية ودعوة لذبح الشعب الليبي إلا أنه قال إن ليبيا مستعدة لوقف إطلاق النار ضد المتمردين ولكن القصف ظل جاريا في عدد من المناطق ضد الثوار في المدن المحاصرة بعد إعلان الحكومة وقف إطلاق النار ، وفي ذات الوقت صرح سيف الإسلام القذافي أن الحرب على المتمردين مستمرة. وسيدعو هذا الغموض والتذبذب في الموقف الليبي الرسمي إلى أن تبدأ كل من بريطانيا وفرنسا حملة قصف ضد المطارات والثكنات العسكرية الليبية بما فيها باب العزيزية التي يتحصن فيها القذافي وأبناؤه وضد معسكرات الكتائب الحكومية التي تحاصر وتهاجم بعض المدن التي استولى عليها الثوار. وحدد الرئيس الأمريكي بصورة واضحة أن ما يعنيه القرار هو وقف الحصار والتحرك تجاه عدد من المدن في شرق البلاد وغربها، وذلك رداً على تفسير الخارجية الليبية بأن وقف إطلاق النار لا صلة له بتحركات القوات العسكرية نحو بعض المدن بقصد (حمايتها) من المتمردين!
كان نظام حكم العقيد القذافي يعاني من ضعف التأييد الجماهيري له في أوساط الشعب الليبي عدا مدن محدودة هي طرابلس وسبها وسرت لذلك ما كان يستطيع السيطرة على المناطق التي يقتحمها عسكرياً، وكان تفوقه الوحيد يتمثل في عتاده الحربي الضارب المكون من الطائرات المقاتلة ومن الدبابات والراجمات والبواخر الحربية والمدافع الثقيلة التي لا يستطيع الثوار مواجهتها أو التغلب عليها حتى بعد أن انضمت إليهم قطاعات قليلة من الجيش، فالقطاعات الضاربة في جهاز الأمن والقوات الخاصة تقع كلها تحت تحكم وقيادة أبناء القذافي. وأهم نتائج قرار مجلس الأمن هي أن القذافي لا يستطيع بعد ذلك أن يستعمل أسلحته الفتاكة ضد جموع الثوار وإلا تعرض لمواجهة عسكرية دولية تقودها أمريكا وفرنسا وبريطانيا التي تتفوق عليه في كافة المجالات؛ وهذا ما أجبره على قبول قرار مجلس الأمن. وإذا توقفت طائرات النظام وراجماته ومدافعه فإن الثوار سيكتسحون المدن الليبية سلمياً الواحدة بعد الأخرى بما فيها العاصمة طرابلس، بل أتوقع أن يبدأ انهيار النظام من داخله بتخلي الكثيرين من أعوانه وضباطه وقواته عنه بعد أن يتضح لهم أن السفينة لا محالة غارقة بعد أيام أو أسابيع قليلة، كما ستبدأ الأغلبية الصامتة في المدن غير المحررة في التحرك ضد النظام الباطش. والنظام الليبي يقف في الوقت الحاضر معزولاً دولياً رغم ما أهدره القذافي من مليارات الدولارات في محاولة لكسب بعض الدول والجماعات، فليس هناك دولة واحدة تستطيع الدفاع عما يرتكبه نظام القذافي من مذابح ضد شعبه. بل إن بعض الدول العربية أبدت استعدادها للمشاركة في فرض الحظر الجوي على ليبيا مثل قطر والإمارات وربما السعودية. لقد بدأت الحلقة تضيق من حول القذافي ولن يستطيع الصمود طويلاً أمام الثورة الشعبية الداخلية وأمام الحصار الدولي المتزايد عليه من كل اتجاه. فماذا يستطيع القذافي أن يفعل في هذه المرحلة الخطيرة؟
إن المخرج الكريم الوحيد للقذافي هو أن يتنازل فوراً عن السلطة التي استولى عليها لأكثر من أربعة عقود، وارتكب فيها من الجرائم والموبقات ما لم يسبقه إليها أحد في العالم العربي حتى يقي بلده وشعبه شرور التدخل العسكري الغربي مثل ما حدث في العراق، والذي أخافه وقتها أيما خوف مما دفعه إلى تطبيع علاقاته سريعاً مع أمريكا بثمن باهظ تخلي فيه عن برامجه العسكرية ومواقفه السياسية ودفع فيه تكلفة مالية ضخمة لضحايا الإرهاب الذي حرض عليه. إن تجربة التدخل العسكري الغربي في العراق وأفغانستان كانت نتائجها كارثية بالنسبة للبلدين بل وحتى للدول الغربية المشاركة في غزو البلدين، فلا ينبغي للعالم العربي والإسلامي أن يسمح بتكرار تلك التجربة في ليبيا ولا يمكن أن يقوم بذلك إلا إذا لعب دوراً محورياً في معالجة الأزمة وفي تطبيق قرار مجلس الأمن على أرض الواقع من خلال الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي والتعاون مع مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة. وقد أتاح الأمين العام للأمم المتحدة مخرجاً مناسبا لسدنة النظام بتعيين وزير الخارجية الأردني السابق عبد الإله محمد الخطيب مبعوثاً خاصاً ليطلع على الأوضاع الميدانية في ليبيا ويحاول الوصول إلى حل سلمي ومستديم للأزمة الليبية؛ وليس هناك من حل سلمي تحت هبة الشعب الليبي العاتية سوى رحيل العقيد القذافي وسقوط نظامه المتجبر. وقد كوّن مجلس السلم والأمن الإفريقي لجنة عالية المستوى لتحقيق ذات الغرض ببدء حوار بين العقيد القذافي وممثلي الثوار. والبديل لنظام القذافي جاهز وهو المجلس الانتقالي الوطني الذي تكون في مدينة بنغازي المحررة والذي بدأت الدول تعترف به بما فيها الجامعة العربية وبعض الدول الغربية. وإذا استمع القذافي لصوت العقل وحب السلامة واستجاب لصوت الجماهير الليبية المنادية برحيله يستطيع أن يؤمن لنفسه مخرجاً سلمياً له ولأبنائه ومعاونيه رغم تورطهم في دماء أبناء شعبهم وهدر أمواله وتهديم البيوت والممتلكات، فقد أبدى المجلس الانتقالي الوطني في بنغازي استعداده بعدم ملاحقة القذافي وأبنائه إن اختاروا الخروج السلمي من البلاد حفظاً لدماء المواطنين وحماية لممتلكات البلاد من الخراب وقد برهنت تجربة العراق المريرة على صحة هذا السبيل.
إن الانتفاضات الشعبية التي تنتشر حالياً في كثير من البلاد العربية ضد الأنظمة الدكتاتورية الباطشة تدل على صحوة وحيوية جماهيرية غير مسبوقة رغم ضعف التنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وأظن أن الشباب الذين حركوا تلك الانتفاضات وضحوا من أجلها بأرواحهم قد أدركوا أن هذا هو طريقهم الوحيد لبناء مستقبل أفضل تسود فيه الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ولن يحيدوا عن ذلك الطريق؛ وقد رأوا بأعينهم أن الانتفاضات الشعبية قد أتت أكلها في تونس ومصر بسقوط الأنظمة المستبدة وفتحت الطريق لتطور سياسي أحسن في بلاد أخرى. وليس هناك أقوى من النجاح ولو كان جزئياً في إقناع البشر بجدوى الطريق الذي يسلكونه من أجل حياة حرة كريمة، والنجاح يغري بالسير في الطريق إلى نهايته مهما كانت التضحيات، بل كثيراً ما تدعو التضحيات إلى مزيد من الإصرار والصمود حتى لا تذهب تلك التضحيات هدراً. فهل يرتدع بقية الطغاة في المنطقة من الدرس القاسي الذي أودى برفاقهم قبل أن تهب عليهم رياح التغيير الشعبية العاتية؟


الصحافة


تعليقات 9 | إهداء 0 | زيارات 2773

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#114819 [عبدالله]
0.00/5 (0 صوت)

03-21-2011 11:58 AM
شكرا للدكتور الطيب زين العابدين صاحب الكلمة الجريئة والقلم الشجاع , لكن كدا حلل لنا وضعنا نحن فى السودان دا ما شي على وين.


#114562 [Omar Humaida]
0.00/5 (0 صوت)

03-21-2011 01:01 AM



,,, Albashir regime is far worse than Gadafi regime, in fact its the most awful regime of all time,,,,,if you do simple compare you shall see the huge difference between them


#114360 [شماسي]
0.00/5 (0 صوت)

03-20-2011 03:24 PM
النظام الليبي نظام يراسه رجل ما عاقل - ونحن نقول هذا ولدينا عصابة تحكمنا ما عاقلة - افسدت ومارست الظلم - ومن غباءها زورت الانتخابات ظنن منها انها سوف تفلت من العقاب - وتناست العقاب الالهي - عموما لا حياة لمن تنادي - كان في بلد اسمو السودان -تسلطوا عليه كيزان ووضعوه في خبر كان


#114339 [Shah]
0.00/5 (0 صوت)

03-20-2011 02:31 PM
\"وارتكب فيها من الجرائم والموبقات ما لم يسبقه إليها أحد في العالم العربي\"
لم يسبقه إليها إحد فى العالم العربى؟؟؟
أفو يا لبروفسر؟! وله نحن مامن العالم العربى؟
والله ناسك ديل سبقوا القدامهم و الوراهم بس النصيحة قاسى قولها.


#114311 [مجودي]
0.00/5 (0 صوت)

03-20-2011 01:43 PM


الوجه الآخر للعملة....

هل فعلا الدول الغربية مهتمة بمصالح الشعوب..؟؟

\"أقطع دراعي \" على قولة المصريين كان أصدق إنو عصابة الحرامية

(فرنسا.. أمريكا ..بريطانيا ..) يمكن يكون دا دافعهم.

ما إن تسمع بهذه الأسماء حتى تدب الريبة في أوصالك..

مصلحتم شنو ..؟؟ بيخططون لشنو في المستقبل..؟؟

ديل ابالسة بتمسكنوا الليلة .. ويعملوا فيها إنسانيين ..

لأن خططهم ومقاصدهم الحقيقية كلها مبنية على بكرة

مين يا الله اللي بيدفع تكاليف الحرب دي..؟؟

يا الله مصانع السلاح فلست عاوزه ليها \"دفرة\"...؟؟

نقول مع القائلين :القذافي حيدفع تمن جرايموا في الشعب اللييبي

لكن ما زال السؤال قايم الحرامية ديل بنشنوا على شنو لقدام...؟؟



#114304 [Ali Algarabandi]
0.00/5 (0 صوت)

03-20-2011 01:34 PM
مقال ممتاز كما عودنا البروف
اطلب منه والح في الطلب ان يتبعه بمقال آخر يتناول فيه انعكاس احداث ليبيا علي السودان عامة ودارفور خاصة


#114301 [tawfig siddig]
0.00/5 (0 صوت)

03-20-2011 01:28 PM
احمق واحمق جدا كل من يحاول المكابرة والعناد او استغلال الوقت لجني مزيد من الكسب الحرام والتمادي في اسغلال البشر وظلمهم والتعدي علي ممتلاكاتهم اقد بلغ السيل الزبي بالنسبة الي الشعوب المقهورة ولم يعد التحمل علي المزيد من المكاره في استطاعة احد والناس تري المكروه يجول بينهم يحبو ويمشي ثم يكبر الي ان يصل حد الشيخوخة ثم يورث غيره للاستمرار في الغي والفساد, احمق من لم يتعظ الي الان من ان العالم العلماتي الذي لا توجد فيه اي انواع من لفساد المستشري في دول العالم الاسلامي للاسف تعب من اهدار جزء كبير من ثرواته القومية هبات ومعونات الي هذا الدول الفاسدة وفرر ان يقف مع شعوب هده الدول التي تنتفض الان لتغيير مصيرها الي الاحسن احمق من لم يقرر الان اللجؤ الي منطق العقل ويقرر ان يعدل او ان تتنحي جانبا لغيره من يستطيع حمل الامانة كما هي هذا ياسدة ام الطوفان


#114272 [عبدالحق]
0.00/5 (0 صوت)

03-20-2011 12:46 PM
القذافى يسير فى طريق صدام النعل بالنعل ... حتى الان يمكنه الخروج باسرته سالما .. لكنه لن يتعظ .. لقد ترك باب العزيزيه متوجها نحو الحفرة الشهيره ..


#114244 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

03-20-2011 12:13 PM
مبارك يرد مصر ليست تونس.
قذافي يرد ليبيا ليست مصر ,
صالح يرد عدن ليست ليبيا,
س يرد س ليست صالح.
ويبدو ان هذا الرد المتكرر هو وجه الشبه والتطابق الكامل الذى لا يملك الاان يفضح نفسه.


الطيب زين العابدين
الطيب زين العابدين

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة