الذكري ال 61 لتأسيس صحيفة الميدان
09-03-2015 11:50 AM


صدر العدد الأول من صحيفة الحزب الشيوعي السوداني "الميدان" في 2/ 9/ 1954م، وصادف تأسيسها قيام " الجبهة المعادية للاستعمار" التي نشأت كتحالف واسع بين الشيوعيين والديمقراطيين والوطنيين لخوض اول انتخابات عامة بعد إتفاقية فبراير 1953م للحكم الذاتي ، وطرحت "الجبهة.." برنامجها الإنتخابي الذي عبر عن مطالب الشعب الأساسية في الإستقلال السياسي والحقوق والحريات السياسية والنقابية والتنمية وتحسين اوضاع الكادحين المعيشية، والحكم الذاتي لجنوب السودان، وتوفير احتياجات الجماهير الاساسية" تعليم،محو امية، الصحة، خدمات الكهرباء والمياه..الخ"، حماية الامومة والطفولة، وعلاقات خارجية بعيدا عن التبعية للاستعمار...الخ. ولعبت صحيفة "الميدان" دورا كبيرا في تلك المعركة.
لم يكن اصدار صحيفة الميدان أمرا سهلا في الفترة التي شهدت تأسيس الحزب وتنظيماته الأساسية في مناطق الخرطوم ومدني وعطبرة وبورتسودان وكوستي..الخ، وقيام "رابطة الطلبة الشيوعيين" و"الجبهة الديمقراطية للطلاب السودانيين" ، واتحادات الشباب والنساء والعمال و الطلاب والمزارعين والمعلمين والموظفين..الخ، وصراع الحزب من أجل استقلاله السياسي والتنظيمي والفكري ،ورفضه للاتجاهات التي كانت تري أنه لاداعي لوجود حزب شيوعي مستقل، وأن يكون الحزب جناحا يساريا في الأحزاب الاتحادية، وخاض الحزب صراعا فكريا داخليا من أجل استقلاله في العامين 1947 ، و 1952م.
وكان من نتائج ذلك الصراع الفكري الداخلي تأكيد هوَية الحزب المستقلة سياسيا وتنظيميا وفكريا، وبناءا علي ذلك أصدر الحزب صحفه الداخلية والجماهيرية التي اكدت ذلك الاستقلال، وساهم الحزب من مواقعه المستقلة في بناء نقابات واتحاد العمال واتحادات المزارعين والموظفين والمعلمين والطلاب والشباب والنساء، ومن موقعه المستقل ايضا أقام الحزب تحالفاته الاستراتيجية والتاكتيكية.
كما أشرنا سابقا، كان من نتائج الصراع الداخلي الذي دار عام 1947 في الحزب تأكيد استقلال الحزب عن الاحزاب الإتحادية، وصدرت منشورات مستقلة بإسم الحزب " الحركة السودانية للتحرر الوطني – حستو"، وصدرت مجلة "الكادر" عام 1947 بهدف التربية الفكرية والسياسية والتنظيمية للاعضاء ونشر سياسة الحزب علي الاعضاء بهدف مناقشتها والمشاركة في تنفيذها وتطويرها، وتغير إسم " الكادر " إلي "الشيوعي" عام 1954م، والتي مازالت مستمرة بهذا الإسم، وكذلك صدرت مجلة المكتب التنظيمي " فرع الحزب " ايام ديكتاتورية عبود ، والتي تغير إسمها إلي" المنظم" بعد ثورة اكتوبر 1964م، والتي مازالت مستمرة بهذا الإسم، إلي جانب الصحف الداخلية للمناطق والمكاتب المتخصصة.
كما صدرت مجلة " الوعي" التي كانت مهتمة بالتثقيف النظري والتعليم الحزبي ، ونشرت علي صفحاتها أيام ديكتاتورية عبود حلقات عبد الخالق محجوب عن تاريخ الحزب ، والتي صدرت فيما بعد في كتاب بإسم " لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني"، وتوقفت " الوعي بعد ثورة إكتوبر 1964م.
في العمل الجماهيري لم يكتف الحزب باصدار المنشورات والكتابة في الصحف القانونية ، بل قررت ل.م في العام 1950 إصدار صحيفة جماهيرية سرية بهدف مخاطبة جماهير العمال والمزارعين والطلاب والنساء والشباب والمثقفين..الخ حول قضايا العمل السياسي والنقابي وتنظيم الجماهير وحشدها حول مطالبها وغيرها من القضايا التي لا تتحملها الصحف القانونية وتسمح به القوانين، كونت ل.م لجنة لاصدار الصحيفة وإختيار إسمها ، وتم الإتفاق علي إسم " اللواء الأحمر" باقتراح من التيجاني الطيب، كان من أبرزكتاب " اللواء الأحمر": عبد الخالق محجوب، الوسيلة، التيجاني الطيب، حسن الطاهر زروق..الخ. وسرعان ما اصبحت " اللواء الأحمر" أداة فعالة في التحريض والتنظيم وتعبئة الجماهير حول مطالبها، ولبناء وتوسيع صفوف الحزب وقيام فروع ومناطق حزبية جديدة.
كما تم الابداع في شكل إخراجها ، ويذكر عباس علي تجربة في تطوير شكل الصحيفة عندما تم عمل ختم أحمر مكتوب عليه " اللواء الأحمر لسان حال اللجنة المركزية للحركة السودانية للتحرر الوطني – حستو"، وكانت تلك خطوة جريئة نالت اعجاب القراء في ذلك الزمن، واكدت قدرة الشيوعيين علي الإبداع رغم المطاردة والقمع وظروف السرية وشح الموارد المالية.
وحدث تطور في " اللواء الأحمر" لتصدر مطبوعة في مطبعة صغيرة تدار باليد وتحتاج إلي عضلات.
في بداية تأسيس الحزب كان العمل الدعائي والصحفي شاقا ،كانت منشورات وصحف الحزب الداخلية والجماهيرية " الشيوعي، الوعي اللواء الأحمر" تنسخ باليد علي الشمع، ويذكر صلاح مازري الذي كان خطاطا المعاناة في ذلك العمل، وكان عبد الخالق محجوب يتابع التجويد والتنوع في الخطوط ليكون للزميل اكثر من خط واحد، بحيث يكون خطه في المعاملات العادية مختلفا عن خطه في مطبوعات الحزب، وكان الوسيلة من قيادة الحزب يشحذ همم حلقة الخطاطين في العمل السري، ويقرظ ابداعاتهم، ويطلق عليهم " كتبة الوحي"، كما كان الحزب يتابع تقوية العمل الفكري للحلقة حتي لايصاب اعضائها بالملل نتيجة للعزلة والابتعاد عن ضجيج العمل الجماهيري، فمثلا كان الجنيد علي عمر من قيادة الحزب يقدم للحلقة محاضرات مثل :" الحزب" ،و" في التنظيم"..الخ. وبعد فترة ومع اتساع نفوذ الحزب الجماهيري وبناء فروع ومناطق جديدة ، أحس اعضاء الحلقة بأهمية العمل الذي يقومون به في بناء الحزب وتقوية نفوذه الجماهيري ( صلاح مازري، الشيوعي 152).
وفي اوائل العام 1955م تطورعمل الحزب وأدخل الآلة الكاتبة " تايبرايتر"، وتجاوز النسخ باليد، ثم ادخل الكمبيوتر في الطباعة عام 1990م،واصبحت " الميدان" الكترونية في منتصف تسعينيات القرن الماضي.
كان صدور صحيفة " الميدان" تحولا نوعيا لتراكم ونشاط صحفي خاضه الشيوعيون في الفترة "1946-1955م" ، فماهي معالم ذلك التراكم؟
بالرجوع لارشيف الصحف السودانية في الفترة المذكورة، نجد أن بعض الصحف المستقلة مثل: "الرأي العام" التي تأسست عام 1945م، غطت أخبار إضراب عمال السكة الحديد عام 1948 والذي إستمر لمدة 33 يوما، كما غطت المظاهرات ضد الجمعية التشريعية عام 1948 التي قادها الشيوعيون والاتحاديون والطلاب والعمال..الخ ، وغطت المظاهرات والمقاومة للجمعية التشريعية في عطبرة التي استشهد فيها عدد من المواطنين مثل: قرشي الطيب عضو الحزب الشيوعي، وفؤاد سيد أحمد، وعبد الوهاب حسن مالك..الخ.
كما نجد أن الشيوعيين إلي جانب منشوراتهم السرية التي بدأت تصدر منذ العام 1947م، كانوا يعبرون عن آرائهم وافكارهم وسياساتهم في الصحف القانونية التالية:
• صحيفة " المؤتمر" التي تأسست عام 1942م، والتي كانت تعبر عن الخريجين، وكان بعض مؤسسي الحزب الشيوعي في قيادة مؤتمر الخريجين مثل: حسن الطاهر زروق ، واحمد محمد خير ، وحسن سلامة..الخ.
• صحيفة " امدرمان" التي صدرت عام 1945م، والتي كانت تعبر عن التنظيمات الشيوعية والوطنية السودانية في مصر، وكان من أبرز كتابها: محمد أمين حسين، عز الدين علي عامر ، حامد حمداي..الخ.
• صحيفة " الشباب" التي أصدرها عفان احمد عمر ، وكان من كتابها : أحمد محمد خير..الخ.
• صحيفة " الهدف" التي تأسست عام 1950م، ورأس تحريرها عوض عبد الرازق في دبسمبر 1951م، بعد فصله سياسيا من مدرسة بورتسودان الأهلية الوسطي.
• صحيفة " أخبار الإسبوع" التي تأسست عام 1950م.
• صحيفة " الصراحة" التي أصدرها عبد الله رجب عام 1950م، وكان من ابرز كتابها من الشيوعيين : عبد الرحمن عبد الرحيم الوسيلة، عبد الخالق محجوب، التيجاني الطيب، حسن الطاهر زروق، محمد عبد الرحمن شيبون..الخ.
• صحيفة "الطليعة"- لسان حال إتحاد العمال- التي صدرت عام 1953م، ورأس تحريرها محجوب عثمان، وكان من ابرز كتابها: عبد الخالق محجوب، الشفيع أحمد الشيخ، قاسم أمين،...الخ.
• صحيفة " الايام" التي اصدرها محجوب محمد صالح ومحجوب عثمان وبشير محمد سعيد عام 1953م.
• صحيفة " صوت المرأة" التي تأسست عام 1955م، وكانت رئيسة تحريرها فاطمة احمد ابراهيم
• صحيفة " الجهاد" التي اصدرها عبد المنعم حسب الله عام 1948م، والتي لم يكتب فيها الشيوعيون فحسب، بل باتفاق مع عبد المنعم حسب الله تولوا إدارتها لمدة 10 أشهر بين ديسمبر 1951 وديسمبر 1952م، وكانت تجربة مفيدة للشيوعيين اكتسبوا خبرة في كيفية إصدار صحيفة ومشاكل ومتاعب العمل الصحفي ، وكانت تلك التجربة " البروفه" الشاملة لاصدار صحيفة "الميدان" والتي استمرت حتي يومنا هذا.
صحيح أن الحزب بعد ذلك اصدر صحف قانونية أخري مثل : " الفجر الجديد" التي اصدرها عبد الخالق محجوب عام 1957م، وتوقفت بعد إنقلاب عبود لتواصل الصدور بعد ثورة اكتوبر1964م، وتوقفت بعد مؤامرة حل الحزب عام 1965م. كما اصدر الحزب صحيفة " الضياء" عام 1968 التي رأس تحريرها التيجاني الطيب، وشارك الحزب في تحرير صحيفة" أخبار الاسبوع" لصاحبها عوض برير.
ولكن مايميز صحيفة " الميدان" عن بقية الصحف الأخري الجماهيرية للحزب أنها استمرت لفترة طويلة، وفي مختلف الظروف السرية والعلنية، وهذا نجاح كبير لحزب شحيح الموارد المالية وعاش اغلب سنواته في ظروف سرية وقمع ومطاردة، وتعتبرنجاح في العمل الصحفي المثابر ، مقارنة بالاحزاب الأخري التي تعثرت وتوقفت صحفها. ولعبت صحيفة "الميدان" دورا مهما في توضيح رأي الحزب ومواقفه للجماهير، ودورا مهما في تاريخ الحزب.
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 3747

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1334464 [ابو الهول]
4.18/5 (7 صوت)

09-05-2015 05:12 PM
هاب بيرث داي تو يو
هابي بيرث داي نو يو
الميداااان
.........
عقبال الالف سمة
ووطن حدادي مدادي

[ابو الهول]

#1333826 [عمر عبد المطلب]
4.07/5 (5 صوت)

09-04-2015 01:42 AM
ستون سنة من الفشل...من فشل الى فشل...هل هناك شئ غير الفشل في مسيرة لا قطعت فيها الميدان ارضآ ولا ظهرآ ابقت,,,حاولوا ان تقرأوا كتاب

[عمر عبد المطلب]

ردود على عمر عبد المطلب
[ashshafokhallo] 09-05-2015 06:58 AM
وانت حارق رزك في شنو اكان هم فاشلين


#1333613 [علي احمد جارالنبي المحامي والمستشار القانوني]
4.16/5 (6 صوت)

09-03-2015 02:36 PM
.
ما من شك كان وظل للحزب الشيوعي السوداني دوره الرائد والفاعل في نشر الوعي الفكري والسياسي بين الجماهير بكافة الوسائل وعلى رأس تلك الوسائل ( صحيفة الميدان ) ، وهي الصحيفة الوحيدة التي ظلت صامدة ، فما حادت عن أهدافها قط ، كان معظم كتابها مفكرون مناضلون أصحاب قضية وقلم حاذق ، وانت تقرأ كل حرف يًكتب تحس بان هذا الحرف خرج من بين انامل لم تمل في سبيل القضية في مصداقية وإباء (الوطن ..الشعب ) برغم الاحباطات الكبيرة التي ظلت تداهم عمل الحزب بصورة عامة وعمل صحيفة الميدان على وجه الخصوص ، برغم ذلك ظلّ العمل في المقدمة برغم قساوة الأقدار وطول المشوار .......
وانتم بخير كل العمر رواد الفكر السوداني .................
.
والمجد كل المجد للأوطان للسودان للإنسان في الأرض المخصبة النماء
...................................( علي احمد جارالنبي )

[علي احمد جارالنبي المحامي والمستشار القانوني]

#1333526 [أبوقرجة]
4.13/5 (6 صوت)

09-03-2015 12:12 PM
كل عام وأنت بألف خير يا الميدان..... صحيفة شامخة لحزب شامخ ... رحمة الله التيجاني الطيب... وتحياتي لجميع العاملين في الميدان الثابتين في ميادين مصادمة نظام الجبهة الإسلامية البغيض.

[أبوقرجة]

تاج السر عثمان
تاج السر عثمان

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة