المقالات
منوعات
أسوأ ما لحق بنا: اغتيال الخضرة و"الخُدرة" في بلدي
أسوأ ما لحق بنا: اغتيال الخضرة و"الخُدرة" في بلدي
09-03-2015 07:22 PM

جابت بنا السيارة الكورية المستأجرة شوارع حارات أمبدة وهي تئن أنين المستعطف. اضطر أخي، الذي يتولي قيادتها، إلى إيقاف المكيف، لأن الماكينة، كما أوضح لي، لا تقوي على بذل جهدين في آنٍ معاً: تلطيف الحر الخانق ودفع عجلات السيارة على الشوارع العارية كما ولدتها أمها. شوارع عارية ومخدّدة وتعلوها القروح. فتحنا النوافذ ليندفع الغبار الكثيف معانقاً وجوهنا ومغطياً ملابسنا. بات الآن الانسجام في اللون تاما. اللون الأغبر سيد المكان. الغبرة تغطي الأرض والسماء والبيوت والوجوه وحتى السيارة التي كانت، لولا ذلك، بيضاء. ها نحن قائمون، على بعد فراسخ قلائل من النيل، سليل الفراديس، ولا نرى عشبة ولا شجرة ولا وردة.
ها أنذا أهيم في شوارع عاريةً كما ولدتها أمها. حافياً، لأحس بأرض بلدي من تحتي؛ وحالقاً، لأحس بشمس بلدي من فوقي. حافياً وحالقاً في بقعة من بلدي، أشبه بالقمر؛ أقف مغمض العينين، ليس من النعاس، ودامع المقلتين، وليس من البكاء. بيد أني، رغم ذلك، لا أتحسر علي شيء، بل يغمرني الأمل، أملٌ قريب المنال، أن تنشق هذه البقعة، وكل بقعة من عاصمة بلدي، عن مئات القنوات القادمة من النيل، فتشتعل كل الميادين والبيوت والشوارع بالخضرة والجمال.
المهندس المعماري عبد الله صبّار رجلٌ التقيته مرة واحدة في حياتي، وكأنني ما برحتُ ألتقيه منذ ذلك اليوم في كل يوم. نعم، ثمة رجالٌ، ونساءٌ، تمر بهم هنيهةً في حياتك ثم تفارقهم، لكنك لا تفارقهم، أو لا يفارقونك، إذ يظلون نبضاً في قلبك وشعاعاً في روحك. قال لي المهندس صبّار: إن أجمل المبانى في المدن هي...المساحات الفارغة فيها: ميادينها وساحاتها وحدائقها وشوارعها. المباني تحجُبُ وتُقصي وتبخل، والميادين تهدي الخضرة والصحة والجمال للساكنين والعابرين. غير أن المغرمين بالأسمنت من المسؤولين في بلدي يعادون الخضرة والصحة والجمال. يعادون الحدائق والميادين. يفضلون غابات الاسمنت على العشب والشجر والماء النمير. في قلب الخرطوم مطار. مطار بشحمه ولحمه. وميادين الخرطوم وحدائقها قد جثمت عليها فيلة وغيلان اسمنتية.
بيد أني لا أتحسر على شيء، بل يغمرني أملٌ قريب المنال، أن يتحول مطار الخرطوم الحالي، ليس إلى مرتع للفيلة وللغيلان الاسمنتية كما حدث للكثير من الميادين والحدائق، بل إلى حديقة غناء، بعشبها وشجرها، ومضامير الركض، وتلال النزهة، ودروب المشي. حديقة غناء في قلب الخرطوم، بدل مطار الخرطوم، لتخفض ميزانية الدواء والعلاج، ولتقلل من معدل أمراض السكري و القلب والشرايين، ولتوزع النسيم العليل والألق والعبير على الجميع. لن يكون اسمها هايد بارك، ولا سنترال بارك، بل سيكون اسمها حديقة العالم، لأن الخرطوم ستكون، بإذن الله، قلب العالم.
في مطار الخرطوم الحالي – قبل أن يتحول بإذن الله تعالى إلى حديقة قلب العالم – استقللت الطائرة في رحلة داخلية. لفت نظري أن المضيفات جميعهن بيضاوات. يا اللهول! في السودان، بلد الجمال الأسود، لا توجد مضيفات سوداوات، ولا سمراوات، ولا "خدراوات"! هل السماء لا تحب الخدرة أم ماذا؟ لكن في عرف السودانين حتى السماء "خدراء"، فالزرقةُ والخدرةُ في السودان سواء. هل السحاب يكره "الخدرة"؟ السحاب مصدر الماء، وحتى "الموية" في السودان زرقاء!
حتى ذلك الوقت، ونحن تحت هول الفاجعة، كنت أعلم أن السودانين يحبون الخضرة، بكل معانيها، بمعناها العربي العام وبمعانيها السودانية الخاصة. دفعني عطشي إلى الخضرة والخدرة إلى تلمس الأعذار. فقلت في نفسي لعل الطائرة مستأجرة من الخارج، وكذلك الطاقم. واطمأننت إلى ذلك الظن المريح أكثر عندما رأيتهن بلا حجاب. كيف لا ونحن في بلدٍ يجلد فيه الجنودُ النساء غير المحجبات بلا رحمة. إذن فإن صبايا طاقم الضيافة في هذه الطائرة لا بد أن يكنّ أجنبيات طالما أنهن، جميعاً، بيضاوات، وغير محجبات. غير أني فغرت فاهي دهشةً عندما اقتربن مني بالطعام وهن يتحدثن بلسان سوداني مبين! يا إلهي! هل تحولت جميع السودانيات إلى بيضاوات وغير محجبات؟ كيف يعقل ذلك؟ إنْ وجدتَ في موقع عملٍ ما جميع العاملين بلون بشرة واحد فذلك يعني أن جميع أهل ذلك البلد لهم نفس لون البشرة. نعم، أعرف أن هناك نسبة من السودانيين الفاتحي البشرة، ونسبة جد محدودة من السودانيين البيض البشرة، لكن لا يعقل أن تجد فريق عمل كامل، في وزارة أو مستشفى أو مدرسة أو أي مكان، يتكون من فتيات بيضاوات فقط!! التفسير الوحيد هو إما أن بعض الشركات لم تعد توظف غير البيضاوات، أو أن بناتنا قد تعقدن من "خدرتهن" فأصبحن يجدن طرقاً ليصبحن بيضاوات.
لم يدم تساؤلي طويلاً، فقد علمتُ، ويا للهول! أن كلا التفسيرين صحيح! بعض الشركات لا توظف إلا البيضاوات من السودانيات! لأن البياض أصبح هو الشكل المقبول، أصبح صنو الجمال؛ كما أن بناتنا، اللاتي من دمنا ولحمنا، بتن يتعقدن من سمهرتنهن، أو خضرتهن، أو خُدرتهن، فيلجأنا إلى وسائل مقيتة لتفتيح لون بشرتهن أو تغييرها.
يا إلهي! هذا أسفل دركٍ بلغناه، على حد علمي، حين بتنا نكره أنفسنا، نكره لوننا ونريد أن نغيره!
أ نسينا قيمنا، قيم جمالنا إلى هذا الحد؟
ألم نكن نتغني بالخضرة، أو الخدرة، وهي ليست مجرد السمرة، بل تعني سواد البشرة، ولونها الفاحم كذلك؟
أ نسينا "الخدرة الدقاقة"؟ "خدرة" عطور "بت" السودان، و"خدرة" حلويات "دايماً على بالي"؟
أ نسينا أن أجدادنا كانوا يذهبون إلى جنوبنا الحبيب ليتزوجوا من غاداته فينجنبوا رجالاً خضراً وطوالا؟
نعم، لقد بلغنا دركاً سحيقاً حين كرهنا أنفسنا، وضقنا ذرعاً بأشاكلنا وألواننا.
لكننا لن نيأس، ولن نتحسر، سنرجع إلى كتاب الله العزيز لنقرأ فيه:
"يوم تبيضُّ وجوه وتسودّ وجوه"، ونعرف أن يوم ابيضاض الوجوه واسودادها هو يوم القيامة، فلا بياض ولا سواد في الدنيا، وإنما البياض بياض العمل الصالح، والسواد سواد العمل الطالح. سنقرأ كتاب الله العزيز فندرك، من جديد - فنحن قد نسينا - أن اختلاف ألواننا وألسنتنا آية من آيات الله، وسنقرأ كلام نبينا المعصوم، عليه أفضل الصلاة والسلام فنعرف - من جديد، فنحن قد نسينا - أنه لا فضل لأحد على أحد بلونه، ولا بحسبه ونسبه وقبيلته، ولا بنوعه، رجلاً كان أو امرأةً، ولا بماله، فقيراً كان أو فقيرا، و لا بمنطقته.
سنفتح كتاب الله العزيز وسنة رسوله الكريم لندرك أن الإسلام يعني أن نتواضع، والتواضع يعني "ألا نتعقّد" من أنفسنا، لا من لوننا ولا من أصلنا، وألا نرى، بسبب تلك العقدة، أننا أفضل من أحد أو أقل من أحد. نعم، سندرك أن الإسلام معناه التواضع، والتواضع معناه ألا يرى المسلم لنفسه فضلا، ولا قدراً، ولا قوةً ولا حولا، فالأمر لله جميعاً.
كلا لن نيأس، ولن نتحسر، بل سيحدونا الأمل أن نعيد، بعون الله، الخضرة إلى ربوع بلادنا، والخدرةَ إلى محيا فتياتنا؛
سينبري لذلك رجالٌ ونساءٌ خضرٌ وطوال وميامين.
خضرٌ بسواعدهم، وليسوا بألوانهم؛
وطوالٌ بعزمهم، وليسوا بأجسادهم.
رجال ونساء خضر وطوال وميامين ؛
يحبون الخضرة والخدرة؛
يحبون الألوان جميعاً،
فجميع الألوان جمالٌ؛
ويعيدون الخضرة إلى حارات عاصمتنا، وميادينها وشوارعها؛
يعيدون "الخُدرة" إلى محيا بنات بلادنا؛
حتى تطمئن "الخدرة" على خدود جميع العذارى؛
يعيدون "الخدرة" إلي "بت السودان"،
إليكِ يا مهيرة،
ويا كنداكة
ويا ميرم السودان
إليك يا سودان:
سيعيدون "الخدرة" والخضرة.

[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1457

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1334167 [ابو سكسك]
5.00/5 (2 صوت)

09-04-2015 11:39 PM
البغل يصنف نفسه حصان ويكثر الرغي في اصله الحصاني الي درجة الازعاج العام ولا يعترف بأن الحصان لا يراه الا حمارا متنكرا لأصله أو في احسن الاحوال لا يراه الا بغلا اصله حمار. بينما الذي اعترف بحماريته زعلان من البغل المتنكر لأصله الحماري والمتطلع للحصانية.
كلما زجر الحصان البغل بـ "امشي يا بغل" يغضب البغل ويأكلها في حنانو ومن ثم يبحث (أي البغل) عن الحمار ويزجره بـ "امشي يا حمار" فيثور الحمار ويصيح في البغل "انت مجرد حمار او بغل متنكر" وهكذا دواليك.

لذا تسمع من البغال خاصة، وفي اعلى المستويات، عبارات غريبة مثل "نحن جسر يربط الحصان الفلاني بالحمار الفلاني" أو "نحن بوابة الحصان الفلاني الي الحمار الفلاني". يعني مجرد جسر يمر عليه الحصان او بواب اعترافا في العقل الباطن بالحمارية أو في افضل الاحوال بالبغولية.


المرض اعلاه يسمى بالمتلازمة الحصانية-البغلية-الحمارية المزمنة وتختصر بـ "محبحم" ولم يكتشف لها علاج حتى الان.

شيء محزن بحق

[ابو سكسك]

#1334132 [Amin]
2.00/5 (1 صوت)

09-04-2015 09:11 PM
الزول ده كان وين؟

كم لبث في كهفه ؟

[Amin]

#1333875 [الريس]
3.00/5 (1 صوت)

09-04-2015 08:50 AM
اللهم اهدي امتنا الى سبيل الرشاد

[الريس]

الريح عبد القادر محمد عثمان
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة