المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
كيف نعلم أبناءنا الديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الفساد؟(11)اا
كيف نعلم أبناءنا الديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الفساد؟(11)اا
03-20-2011 10:31 PM

كيف نعلم أبناءنا الديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الفساد؟(11)

هارون سليمان
[email protected]


منذ فجر التاريخ شغلت قضية المساواة وأهميتها الفكر الإنساني وكان تحقيق العدالة الاجتماعية حلم الشعوب .وقد نصت المواثيق الدولية على قضايا الحرية والمساواة والعدالة والكرامة وحقوق الإنسان وما من فلسفة أو دين إلا وكانت هذه القضايا من أهم المسائل التي عالجتها وحثت على وقف التمييزَ ضد الأقليات العرقية والإثنية وضد النساء وضد المعاقين جسديا.
إنّ التمييزَ على عددٍ كبير من الأسس محظورٌ قانوناً على المستويين الوطني والدولي. وقد اتخذ الكفاح لتحقيق المساواة العرقية والجنسية مسارات مختلفة ومتنوعة إلا أن العدالة والمساواة لا زالا بعيدين كل البعد عن ارض الواقع والتطبيق.
تعد المساواة بين الناس على اختلاف الأجناس والألوان واللغات مبدأ أصيلاً في تاريخ البشرية ولم يكن هذا المبدأ على أهميته وظهوره قائماً في الحضارات القديمة كالحضارة المصرية أو الفارسية أو الرومانية إذ كان سائداً تقسيم الناس إلى طبقات اجتماعية لكل منها ميزاتها وأفضليتها أو على العكس من ذلك تبعاً لوضعها الاجتماعي المتدني.
ولقد كانت التفرقة بين البشر في المجتمعات القديمة تستند إلى الجنس واللون والغنى والفقر والقوة والضعف والحرية والعبودية وكانت طبقة الحكام ورجال الدين من الطبقات المميزة بل إن بعض المجتمعات كالمجتمع الهندي مثلاً كان يعرف طائفة المنبوذين وكان محرماً على أفراد الطبقة أن ينتقلوا منها إلى طبقة أعلى حتى ولو كانت ملكاتهم تتيح لهم ذلك.
قديما سادت في الهنـد الديانة البرهمية وقسمت الناس إلى أربع طبقات ومنحت الطبقة الأولى وهم طبقة البراهمة ( طبقة الكهنة ورجـال الدين) امتيازات وحقوقاً حتى ألحقتهم بالآلهة. وأما الطبقة الثانية فهم طبقة شترى ( رجال الحرب). وأما الطبقة الثالثة فهم طبقة ويش ( رجال الزراعة والتجارة). وأما الطبقة الرابعة فهم طبقة الشودر (رجال الخدمة) وتعتبر هذه الطبقة في مقام أحط من البهائم حيث لم يُعرف في تاريخ أمة من الأمم نظام طبقي أشد قسوة وأعظم فصلاً بين طبقة وطبقة وأشد استهانة بشرف الإنسان من النظام الذي اعترفت به الهند دينياً ومدنياً وخضعت له آلاف السنين . فقبل ميلاد المسيح عليه السلام بثلاثة قرون ازدهرت في الهند الحضارة البرهمية ووضع فيها مرسوم جديد للمجتمع الهندي وألف فيه قانون مدني وسياسي اتفقت عليه البلاد وأصبح قانوناً رسمياً ومرجعاً دينياً في حياة البلاد ومدنيتها وهو الذي يعرف الآن ب (منوشاستر (ويقسم هذا القانون أهل البلاد إلى أربع طبقات متميزة.
وفي بلاد الفرس كانت الأكاسرة ملوك فارس يدعون أنه يجري في عروقهم دم إلهي وكان الفرس ينظرون إليهم كالآلهة ويعتقدون أن في طبيعتهم شيئاً علوياً مقدساً فكانوا يُكَفّرون لهم وينشدون الأناشيد ويرونهم فوق القانون وفوق الانتقاد وفوق البشر لا يجري اسمهم على لسانهـم ولا يجلس أحد في مجلسهم ويعتقدون أن لهم حقاً على كل إنسان وليس لإنسان حق عليهم. وكذلك كان اعتقادهم في البيوتات الروحية والأشراف من قومهم فيرونهم فوق العامة في طينتهم وفوق مستوى الناس في عقولهم ونفوسهم ويعطونهم سلطة لا حد لها ويخضعون لهم خضوعاً كاملاً.
وفي إيران كان المجتمع في عهد الساسانيين مجتمعا مؤسساً على اعتبار النسب والحرف وكان بين طبقات المجتمع هوة واسعة لا يقوم عليها جسر ولا تصل بينها صلة وكانت الحكومة تحظر على العامة أن يشتري أحد منهم عقاراً لأمير أو كبير وكان من قواعد السياسة الساسانية أن يقنع كل واحد بمركزه الذي منحه نسبه ولا يستشرف لما فوقه ولم يكن لأحد أن يتخذ حرفة غير الحرفة التي خلقه الله لها. وكان ملوك إيران لا يولون وضيعاً وظيفة من وظائفهم، وكان العامة كذلك طبقات متميزة بعضها عن بعض تميزاً واضحاً. وكان لكل واحد مركز محدد في المجتمع.
وكان التفاضل عند الإغريق (وهم قدماء اليونان) قائماً فقد كانوا يعتقدون أنهم شعب خصهم الخالق بكريم الصفات الإنسانية من عقل وإرادة وأن غيرهم من سائر البشر لم يشاركوهم في كريم صفاتهم الإنسانية ولذلك فقد كانوا يطلقون على غيرهم من الشعوب اسم البرابرة إشارة إلى أن مرتبة كل الشعوب لا تستطيع أن تسمو إلى مرتبتهم في الصفات الإنسانية الكاملة وأصبحوا ينظرون إلى من أسموهم البرابرة نظرة احتقار وازدراء بالرغم من أنهم لا يختلفون عن اليونان إلا في اللغة والعادات وكان فيلسوفهم أرسطو يؤكد أن هؤلاء البرابرة لم يخلقوا إلا ليقرعوا بالعصا ويستذلهم ويستعبدهم شعب اليونان.كما أنه يسود عندهم نظام طبقي لا مساواة فيه بين البشر فهناك أحرار وأرقاء للأحرار كل الحقوق السياسية لا تفرقة بينهم من حيث الثروة أو المركز الاجتماعي في التأثير في مساهماتهم في الحياة السياسية أو تقلدهم الوظائف العامة وأما الأرقاء وهم الأكثر عدداً بالنسبة لهؤلاء الأحرار فليس لهم أدنى الحقوق وإنما هم مبعدون عن أي نشاط في هذا المجتمع.
أما الرومان فقد اعتبروا أنفسهم أوصياء على الإنسانية كلها وبسطوا سلطانهم بحد السيف على الكثير من شعوب الدنيا واستعملوا في سبيل ذلك كل الوسائل التي توصلهم إلى ما يبتغونه سواء أكانت هذه الوسائل شريفة أم حقيرة غير مشروعة واستطاعوا في النهاية أن يسيطروا على معظم أجزاء العالم معتبرين أنفسهم سادته. ولم تكن قوانينهم ونظمهم تساوي بين الرومان وغيرهم من سائر الشعوب التي يتحكمون في مصائرها. وإنما يعتبرون غير الروماني من طبقة أدنى من طبقة الرومان ليس له الحقوق التي يتمتع بها هؤلاء وإنما قد خلق ليكون رقيقاً يخدم فقط وليس من حقه التطلع إلى ما وراء ذلك.ولذلك فإنهم انطلاقاً من هذا المعتقد وضعوا نوعين متباينين من القوانين أحدهما: القانون المدني وهو خاص بالشعب الروماني نفسه. وثانيهما: قانون الشعوب وهو خاص بسكان البلاد التي احتلها الرومان.
أما اليهود فقد حرفوا وغيروا وبدلوا في التوراة التي أنزلت على نبي الله موسى عليه السلام واخترعوا مبادئ وقيماً غريبة محرفة وكتبوا خرافات وأوهاماً يريدون بها أن يرفعوا من شأن أنفسهم ويحطوا من شأن سائر البشر فهم يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار يحق لهم ما لا يحق لغيرهم من بني الإنسان الذين ينظرون إليهم باعتبار أنهم نوع وضيع منحط عن أفراد الشعب اليهودي واستباحوا لأنفسهم أن يغشّوا غير اليهودي في الوقت الذي يحرمون فيه أن يغش اليهودي يهودياً مثله لأن غير اليهودي لم يخلق إلا ليكون خادماً لليهودي. ونص تعاليمهم على أن اليهودي يجب أن ينصف اليهودي الآخر إذا فرض وتخاصم إليه مع غير يهودي سواء أكان إنصافه لليهودي بحق أو بغير حق.
أما العرب في جاهليتهم قبل ظهور الإسلام فكان عدم المساواة متجلياً في حياتهم في ناحيتين:
الناحية الأولى: مجال العلاقات بينهم وبين غيرهم من سائر الشعوب الأخرى. فالعربي في جاهليته كان يعتقد أنه من أصل مختلف عن أصل بقية الأمم الأخرى حيث يرى نفسه كامل الإنسانية في حين أن الأمم الأخرى التي كانوا يطلقون عليها اسم الأعاجم ليست كاملة الإنسانية بل هي وضيعة الأصل وناقصة الإنسانية مما لا يجيز لها أن تدعي أنها في مستوى الشعب العربي. ولهذا الاعتقاد أثره من ناحية المصاهرة فإن العربي في جاهليته متمشياً مع ما ورثه من هذه التقاليد والعقائد كان يرفض أن يصاهر غير العربي ولو كان متقلداً أسمى المراتب في قومه.الناحية الثانية: مجال العلاقات بين العرب أنفسهم بعضهم بعضاً، وهذا الأمر يتجلى في علاقة الحكام بمحكوميهم وفي نظرة قريش لنفسها وقت الحج.
فأما علاقة حكام العرب بمحكوميهم فقد كان يشوبها في حالات متعددة نوع من التجبر و الطغيان. فقد عرفت الجزيرة العربية قبل الإسلام ضروباً من الطغيان والاستبداد لا تقل عن ضروبه المشهورة التي عرفت في الشعوب الأخرى فبعض قبائل البادية والحاضرة قد سادها زعماء يقيسون عزتهم بمبلغ اقتدارهم على إذلال غيرهم.
ومن مظاهر الطبقية وعدم المساواة عند العرب ما يتعلق بالديات فدية الشريف أضعاف دية الرجل الذي دونه في الجاهلية وإذا قتل الشريف تجاوزوا قاتله إلى أحد الأشراف وربما لم يرضوا إلا بعدد يقتلونهم .
وأما نظرة قريش إلى نفسها وقت الحج فإن قريشاً قبل الإسلام كانت تفرض لنفسها مرتبة خاصة وحقوقاً وتقاليد ليست لسائر العرب وتقف في الحج بالمزدلفة حين يقف الناس جميعاً بعرفات ويقيم القرشيون على هذه الامتيازات منافع اقتصادية يفرضونها على سائر العرب فيُحتِّمون ألا يطوفوا بالبيت إلا في ملابس يشترونها من قريش وإلا طافوا بالبيت عراة.
في هذا الوقت الذي بعض الملل والنحل والأديان تفرق الشعوب إلى طبقات خلق بعضها من رأس الآلهة فهي مقدسة وخلق بعضها من قدميه فهي منبوذة. وفي هذا الوقت الذي كان بعض الناس يدّعون ويصدّقون أنهم من نسل الآلهة وبعضهم يدّعي أن الدماء التي تجري في عروقه ليست من دماء العامة وإنما هو الدم الأزرق الملوكي النبيل ،جاء الإسلام ليقرر وحدة الجنس البشري في أصل المنشأ والمصير في المحيا والممات في الحقوق والواجبات أمام القانون وأمام الله، في الدنيا والآخرة لا فضل إلا بالعمل الصالح ولا كرامة إلا للأتقى.
قد يختلف الناس في أجناسهم وعناصرهم، فيكون منهم الآري والسامي والحامي والعربي والعجمي. وقد يختلفون في نسبهم وحسبهم فيكون منهم من ينتهي إلى أسرة عريقة في المجد ومن ينتهي إلى أسرة صغيرة وقد يتفاوت الناس في ثرواتهم فيكون منهم الغني ومنهم الفقير ومنهم المتوسط الحال وقد يتفاوتون في أعمالهم ومناصبهم فيكون منهم الحاكم والمحكوم ويكون منهم الموظف الكبير والعامل الصغير ويكون منهم أستاذ الجامعة والحارس ببابها. ولكن هذا الاختلاف أو التفاوت لا يجعل لواحد منهم قيمة إنسانية أكبر من قيمة الآخر بسبب جنسه أو لونه أو حسبه أو ثروته أو عمله أو طبقته أو أي اعتبار آخر.
إن القيمة الإنسانية واحدة للجميع فالعربي إنسان والعجمي إنسان والأبيض إنسان والأسود إنسان والحاكم إنسان والمحكوم إنسان والغني إنسان والفقير إنسان ورب العمل إنسان والعامل إنسان والرجل إنسان والمرأة إنسان وما دام الكل إنساناً فهم إذاً سواسية كأسنان المشط الواحد لا يتفاضلون إلا بالتقوى والإيمان والعمل الصالح.
ولم يكن الحديث عن المساواة في الإسلام، حديثاً نظرياً مجرداً بل كان مطبقاً تطبيقاً عملياً.
فها هو النبي يساوي نفسه بالناس ويعلن دائماً أنه بشر كسائر البشر ويخاف أن ينقلب حب المسلمين له إلى عبادة أو تفضيل، فنهاهـم بقولـه): لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ) رواه البخاري
فالبشر أسرة واحدة والعبودية لله والنبوة لآدم وجميع البشر متساوون في الكرامة وأصل التكليف والمسؤولية دون تمييز .
وفي العصر الحديث كثيرون هم من يرفعون شعار المساواة غير أن التجارب العملية تعلم الإنسان أن المبادئ والشعارات وحدها لا تكفي دون أن يكون هناك ما يحدد المضامين ويفتح طريق التطبيق ويفرض الجزاء عند المخالفة .

المساواة
المساواة في اللغة:
مأخوذة من سواء وتجمع على أسواء وسواسية وسواس وسواسوة ، يقال: سَاوى الشيءُ الشيءَ إذا عادله فيقال: فلان وفلان سَواء أي متساويان وقوم سَواء لأنه مصدر لا يثنى ولا يجمع وهما على سَوِيَّةٍ من هذا الأمر أي على سواء والسَّوِيَّةُ وَالسَّوَاءُ : العدل والنصفة وسَوَاءُ الشَّيْءِ: وسطه ويقال: مكان سواء أي متوسط بين المكانين.
المساواة في الاصطلاح:
تعنى المساواة في صورتها المجردة عدم التمييز بين الأفراد بسبب الأصل أو اللغة أو العقيدة أو الجنس لان البشر كلهم متساوون في التكاليف والأعباء العامة والحقوق والحريات العامة .أي \" تَمَاثُلٌ كَامِلٌ أَمَامَ القَانُونِ وَتَكَافُؤٌ كَامِلٌ إِزَاءَ الفُرَصِ وَتَوَازُنٌ بَيْنَ الَّذِينَ تَفَاوَتَتْ حُظُوظُهُمْ مِن الفُرَصِ المُتَاحَةِ لِلجَمِيعِ.

تعريف المساواة
1. تعني أن الأفراد جميعهم متساوون في التمتع بالحقوق والحريات العامة دون أدنى تفرقة بينهم بسبب الجنس أو اللغة أو الأصل أو الدين أول المكانة الاجتماعية وإلغاء الامتيازات الطبقية بين الأفراد والتخفيف من الفوارق بين الأفراد من الناحية الاجتماعية.
2. تعني المساواة التطابق والمماثلة بين الأفراد في الحقوق والواجبات بمقتضى القاعدة القانونية التي تنظم العلاقات الاجتماعية.
3. هي القيمة الإنسانية المشتركة في الاعتقاد بأن الناس جميعاً متساوون في طبيعتهم البشرية وأن ليس هناك جماعة تفضل غيرها بحسب عنصرها الإنساني وخلقتها الأولى.
4. تعنى التأكيد على أنه لا يوجد اختلاف طبيعي بين مطالب الناس في السعادة لذلك وجب ألا يقيم المجتمع العوائق في وجه تلك المطالب بكيفية أثقل وطأة على البعض دون الآخر فالمساواة إذن محاولة إعطاء الجميع فرصاً وحقوقاً مماثلة.
5. المساواة في المنظور الديمقراطي الصحيح هي تعميم الحرية ورفض أن تكون امتيازاً مقصوراً على فرد أو طبقة أو أيه أداة من أدوات الحكم التسلطية حيث أن الحرية لا تكون مكفولة إلا إذا امتزجت بالمساواة وكذلك فإن المساواة لا تكون مشروعة إلا إذا كانت تعنى المساواة في الحريات.
6. تطبيق القانون بصورته المثالية المجردة وعدم التفرقة أو التمييز فيما بين الناس على أساس من الانتماء أو الجنس أو التمييز اللغوي الديني أو العقائدي أو الاختلاف الاجتماعي والمالي .

مظاهر المساواة
1. المساواة في الشعائر التعبدية
2. المساواة أمام القانون
3. المساواة في الحقوق والواجبات

أنواع المساواة
للمساواة أنواع مختلفة ومتعددة، إذ إنها تتنوع وفقاً لمضمونها وغاياتها، وتتجلى هذه الأنواع وفقاً لما يأتي:

1. المساواة في القيمة الإنسانية : ما زال الناس في كثير من المجتمعات والبلدان يتفاضلون في الخلق و النشأة و يتميزون في الحسب والنسب و يتقاتلون للحمية و العصبية والقبلية ناسين أنهم من أصل واحد و مصدر واحد( من آدم وآدم من تراب) فالتفاضل لا يمكن أن يقع في أصل النشأة و التكوين ،بأن يكون هناك فرد أفضل من غيره أو جماعة تفوق غيرها بحسب عنصرها الإنساني أو انحدارها من سلالة معينة بل جميعهم من آدم وادم من تراب.

2. المساواة أمام القانون: أي عدم التمييز بين أبناء الدولة الواحدة عند تطبيق القانون عليهم طالما كانت ويتجلى هذا النوع من المساواة من خلال التزام الجهة المختصة بسنِّ قاعدة القانون بحيث لا ترتكب تمييزاً ومحاباة بين المخاطبين بها وبوجوب أن تعامل كل المراكز المتماثلة بطريقة متطابقة ومن خلال الالتزام الواقع على عاتق الجهات التي تطبق القاعدة القانونية بأن لا ترتكب تمييزاً بين الخاضعين للقاعدة القانونية لا تنص عليه هذه الأخيرة.

3. المساواة أمام القضاء: لا يقام للأشخاص المتقاضين ومكانتهم أي اعتبار عند الفصل في الخصومات أمام العدالة أو في مباشرة إجراءات التقاضي .و تعني المساواة أمام القضاء وممارسة جميع مواطني الدولة حق التقاضي على قدم المساواة أمام محاكم واحدة ومن غير تمييز أو تفرقة بينهم بسبب الأصل أو الجنس و اللون أو اللغة أو العقيدة أو الآراء الشخصية ويتفرع من مبدأ المساواة أمام القضاء النتائج الآتية:
أ) وحدة القضاء: ويقصد بذلك أن يكون التقاضي لجميع المواطنين أمام القضاة أنفسهم الذين هم من الدرجة نفسها مما يفرض بدوره عدم وجود محاكم خاصة أو استثنائية لأفراد معينين أو لطوائف أو طبقات اجتماعية محددة.
ب) المساواة أمام التشريعات والعقوبات المطبَّقة: ويتمثل ذلك بضرورة تحقيق المساواة بين المتقاضين بالنسبة إلى القوانين التي تُطبّق عليهم فيما يثور بينهم من منازعات وتوقيع العقوبات ذاتها المقررة للجرائم نفسها على جميع مرتكبيها.
ج) مجانية القضاء: لكي تتحقق المساواة أمام القضاء يجب أن يكون اللجوء إليه مجانياً إلا أن ذلك يعد حتى اليوم مسألة نظرية لأن وسائل اللجوء إلى القضاء مكلفة في كثير من الأحيان ولاسيما فيما يتعلق بالنفقات القضائية وأتعاب المحاماة.
4. المساواة في استخدام المرافق العامة: فما دام المرفق العام نشاطاً تمارسه جهة عامة في سبيل إشباع حاجة من الحاجات التي تحقق المصلحة العامة وطالما كان المرفق العام بطبيعة وجوده خدمة للمجتمع ولمصلحة الجميع فمن الطبيعي لذلك أن يتساوى في استخدامه الجميع من غير تمييز أيّاً كان سببه.
5. المساواة في نطاق الوظائف العامة: تساوي جميع الأفراد في تولى الناصب والوظائف العامة طالما أن ظروفهم متساوية من حيث توافر الشروط المطلوبة لتولي الوظائف . إذ يجب أن يتساوى الجميع في الدخول إلى سلك الوظيفة العامة في نطاق الرواتب والأجور والترقيات والعلاوات، طالما كانت مراكزهم القانونية واحدة.
6. المساواة في استخدام الأموال العامة: لا بد من أن تكون الانتفاع من المال العام على قدم المساواة لأن المال العام مخصص للنفع العام فهو يُستخدم حتماً من قبل الجمهور وهو ما يُطلق عليه اصطلاحاً تسمية الاستعمال العام للمال العام وهو يقوم بصفة أساسية على مبدأ مساواة المنتفعين أي المساواة بين جميع مستخدمي المال العام ومن ثمّ فإن جميع الأفراد يجب أن يُعاملوا على قدم المساواة في هذا المجال ماداموا قد تساووا في مراكزهم القانونية.
7. المساواة في التكاليف والأعباء العامة: إن تعبير التكاليف العامة يعني كل النفقات التي تدفع ضمن مصلحة كل أفراد المجتمع ومن ثم فإن نفقات الدولة وأعباءها تأخذ معنى واحداً في هذا النطاق إذ تحتاج إلى موارد كافية لتغطيتها وهذه الموارد يجب أن تُوزع على كل أفراد المجتمع على قدم المساواة ما دامت تُدفع في سبيل مصلحتهم جميعاً لذلك لا يجوز أن يتحملها بعض الأفراد من دون بعضهم الآخر كما لا يجوز تحمل الشعب ديون لم يجنوا ثمارها أو تم تنفيذ مشاريع بصورة غير عادلة وفي مناطق بعينها دون المناطق الأخرى أي التمييز في التنمية وتقديم الخدمات بين المناطق والأقاليم على أساس الجهوي .

التحولات في مفهوم المساواة
حين نشأ نظام الحرية الاقتصادية التقليدي كان يفرض حرية المبادلات وحرية التجارة وأن يقتصر دور الدولة على حماية النظام الحر للمعاملات والمبادلات التي يقوم عليها النظام الاقتصادي إلا أنّ مبدأ الحرية الاقتصادية على النحو المذكور قاد إلى الظلم الاجتماعي لانعدام المساواة الحقيقية بين الأفراد وجعلها فرضية نظرية بحتة فالمساواة لا تتحقق إلا بتسليح أطراف العلاقات القانونية الاقتصادية بسلاح مماثل ثم تركهم يتنافسون في معركة الحياة بيد أن الناس في المجتمع الفردي غير متساوين في الظروف أو في الكفاءات الطبيعية أو في القوة الاقتصادية لذلك كان لابد من تدخل المجتمع أو السلطة لتلافي هذه الاختلالات الناشئة من فرضيات الحرية الاقتصادية المطلقة لذا اتجهت التشريعات المعاصرة إلى وضع الحريات الاقتصادية في تنظيم دقيق وقيود عديدة مما أسهم في إيجاد جملة من الحقوق الاجتماعية التي تجد أساسها في الرغبة بتحرير الضعفاء اقتصادياً من سيطرة الملاك وأرباب الأعمال وإيجاد نمط من المساواة الفعلية ضمن العلاقات القانونية.
المساواة في القانون الدولي العام
بالرغم من أن تنمية العلاقات الودية بين الدول على أساس المساواة في الحقوق فيما بينها يعد مبدأً أساسياً من مبادئ القانون الدولي العام على نحو ما جاء في المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة وعلى الرغم من أن ديباجة الميثاق المذكور قد أقرت بالمساواة بين الأمم كبيرها وصغيرها وعلى الرغم من أن مبدأ المساواة في السيادة بين الدول من المبادئ الرئيسة في إطار العلاقات الدولية إلا أن الواقع الدولي يعكس خلاف ذلك فالقوة العسكرية والاقتصادية للدول هي الفيصل في تحديد مسار العلاقات الدولية لذلك فإن تنامي القوتين العسكرية والاقتصادية لبعض الدول أوجد خللاً خطيراً في المساواة الفعلية على صعيد المجتمع الدولي ويتجلى هذا مثلاً في أن الميثاق ذاته منح الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن حق النقض«الفيتو»، وهو يخل بمبدأ المساواة أيما خلل إذ يمكّن أياً من هذه الدول دائمة العضوية أن ترفض أي مشروع قرار يُعرض على المجلس حتى لو نال الأغلبية اللازمة لإقراره مما تلحق ضررا بالغا بالبشرية بسبب هذا الاعتراض خاصة في حالات التدخل الإنساني لإنقاذ أرواح الآلاف عند حدوث النزاعات إلى جانب خروج هذه الدول عن الشرعية الدولية التدخل في شؤون الداخلية للدول وفقا لمصالحها الإستراتيجية وأمنها القومي .

في الحلقات القادمة
قيم ومبادئ المجتمع الحر
1. التسامح
2. العدل
3. محاربة الفساد
هارون سليمان [email protected]
ماجستير في دبلوماسية السلام والتنمية


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1202

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




هارون سليمان
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة