المقالات
السياسة

09-06-2015 01:05 PM

(الوطن القطرية- الأحد 6-9-2015)

تحاول أن تبدأ يومك بمعرفة ما يدور في العالم. تتنقل بين محاط التلفزة المختلفة، وأمامك كوب شاي الصباح. تضج نشرات الأخبار بويلات الحروب. لا يكاد ركن في كوكبنا يخلو من هدير الطائرات وقصف المدافع. تنقل المؤشر إلى مواقع تذيع أخبارها بأكثر من لسان – تعرف القليل منها وتجهل البعض، فترى بأم عينك صور القتلى والجرحى وصراخ الأرامل والأطفال!

تنقل المؤشر مرات عديدة. تقول بعض الأخبار أنّ شخصاً بلغ به الجنون منتهاه فقرر أن يغادر عالمنا. لكنه من تلقاء نفسه أو بإيعاز من شيخه رأى أن يفخخ نفسه ويفجرها وسط أبرياء – كل ذنبهم أنهم عبروا من هنا ساعة قرر هذا المجنون تفجير نفسه! ما تزال تتعلق بالأمل في أن تحتسي كوب الشاي في جو يبعث على الأمل. تدير المؤشر، فترى قوارب الموت في قلب البحر تقل فوق حمولتها أضعافاً مضاعفة من الناس بمختلف السحنات والأعمار. يتعلقون بالأمل في أن تضمهم ضفاف أكثر أمناً من الويلات التي حاقت بهم في بلادهم. قلبك يخفق وأنت على يقين بأن قارب الموت الذي هو نقطة في بحر هادر الأمواج والرياح إنما يقل هؤلاء إلى حتف أكيد.

وتسأل ذاتك: أما كان أفضل لهؤلاء أن يموتوا بين ذويهم وفي أوطانهم بدلاً من أن يصبحوا بعد ساعات طعاما لسمك القرش في بحر هائج ؟ ولا تنتظر الإجابة على سؤالك كثيراً.. يجيبك هاتف من أعماقك: وما الذي دعاك أنت لتحزم متاعك وتصطحب أسرتك الصغيرة حين لاحت لك أول بادرة هرب من وطنك قبل ربع قرن ؟ كنت تحسب ذات يوم أن الموت جوعا في تراب الوطن وبين الأهل والأحباب أكرم ألف مرة من حياة الدعة في بلاد طيرها أعجمي. تعرف الآن وأنت تنقل المؤشر بين محاط التلفزة في عالم مضطرب مجنون أنّ هروبك وملايين غيرك من وطنكم كان خياراً هو الأفضل بين أسوأ الخيارات. كان حالك إلى حد ما أشبه بهؤلاء – مع فارق النسبة والتوقيت وشيء من الحظ. لم تكن تملك خيارا طيبا. كان احلى خياراتك بطعم العلقم.

أنت في عالم مفتوح تعبر قاراته - بفضل الانترنت – دون أن تغادر فراشك.. عالم يموت فيه البعض بفعل التخمة وفائض الأكل بينما يموت الملايين ممن لا يجدون ما يسد الرمق ! والأغرب من ذلك ما يكتظ به عالمك من نفاق في السياسة: الدول الصناعية التي تعيش رغدا من العيش تواصل تصدير أدوات الموت لطغاة العالم الثالث لتجني المزيد من الأرباح! الضمير؟ لكن المصلحة تأتي في المقام الأول!

أما في عالمك الذي تصوم فيه الملايين وتفطر على بصلة، فإنّ الزنادقة الملتحين يوزعون صكوك الغفران ويقيمون الحدود!

تتوقف عن بحثك عن اخبار تسر البال. فهدير الطائرات وقصف المدافع، وقوارب الموت ومخيمات الملايين الذين شردهم الطغاة من اوطانهم تبعث في نفسك السأم. تنهض من كرسيك لتخرج إلى موقع عملك. تتسرب إليك عبر الذاكرة من وطنك البعيد أغنية أنعشت الروح وطيبت الخاطر. مطرب الزمن الجميل عثمان حسين يتسلل بهدوء إلى أعماقك في كلمات شاعر الوطن والغربة حسين بازرعة:

كل طائر مرتحل،
عبر البحر.. قاصد الأهل
حمّلتو أشواقي الدفيقة
ليك يا حبيبي وللوطن!

تمسح دمعة سالت غصباً عنك. هذا زمن الطغاة والدجالين.. زمن تعلو فيه المصلحة على الضمير!




fidajamb@yahoo.com


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1350

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1335183 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

09-06-2015 11:38 PM
【هاهيَّ الأرض تغطت بالتعب
والبحارُ أتخذت شكل الفراغ
وأنا مقياس رسمٍ للتواصل والرحيل
وأنا الآنَ الترقبُ وانتظار المستحيل
انجبتني مريم الاخرى قطاراً وحقيبة
ارضعتني مريمُ الأخرى قوافي
ثم أهدتني المنافي
هكذا قد خبّروني ثم قالوا لي ترجل
ثم أنتِ أنتِ يا كلُ المحاورِ
والدوائر يا حكاياتُ الصبا
تحفظين السر والمجد الذي ما بين نهديك اختبأ
ليس يعنيكِ الذي قد ضاع من عمري هبأ
وأنا صغيرتي لستُ أدري ما الذي يدفعني دفعاً اليكْ
ما الذي يجعلني أبدو حزيناً
حين أرتاد التسكع في مراي وجنتيكّ
لا عليكْ
تشهدُ الآن السفوح المطمئنه
نحن قاتلنا سنيناً وأقتتلنا
نحنُ سجّلنا التآلف وإنفعالات الأجنه
واحتوانا البحرُ والمد اليقاوم والشراع
ياهذه البنتُ التي تمتدُ في دنياى سهلاً وربوعاً وبقاع
ما الذي قد صبّ في عينيكِ شيئاً من تراجيديا الصراع
والمدى يمتدُّ وجداً عابراً هذي المدينه
خبّريني ... هل أنا ابدو حزينا
هل أنا القاتل والمقتول حيناً والرهينه؟
هل أنا البحرُ الذي لا يأمن الآن السفينه؟
خبئيني بين جدران المسام
قبليني مرة في كل عام】



مريم الاخري/محمد عبد الله شمو

[سوداني]

فضيلي جماع
 فضيلي جماع

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة