وداعا
09-07-2015 05:06 PM


استيقظت متأخراً. الشمس تضع قدمها على عتبة النافذتين. أماندا نائمة. على ملامحها تعبير ميت. لعلها عادت على مشارف الصباح. أتذكر طرفاً مما حدث. لم أكن أفكر في أمر محدد. كنت أقرأ داخل غرفة المكتب بلا مبالاة بعضاً من تلك الرسائل التي ظلّت ترد إلى بريدي الإلكتروني من منفيين غرباء لا يزالون يكابدون شظف العيش في القاهرة. كانتا، أماندا ومليسيا، كبرى شقيقاتها، تستعدان للذهاب وحدهما إلى أحد الملاهي الليلية. مليسيا، لا تصلح لأن تكون حجر الزاوية في بناء بيت. تركتْ في معية زوجها أربعة توائم. وتفرغت تماماً لمغامراتها. لا أتذكر لها لحظة حنين، مثل الضيف، ألقى برحاله بين قوم مجهولين ورحل صوب المجهول بلا ذكرى، بلا شوق، بلا قلب يهفو لنداء يتلمس طريقه بحثاً عن أمومة غائبة. لعلها في هذا تسلك مثلما أسلك مع وجوه الماضي البعيد.

كان لدي شعور غامض أن طريق أماندا لن تفضي في النهاية إلى شيء. أذكر أنني اعتذرت عن عدم مرافقتهما. كنت مُتعباً. مرأى أماندا وهي نائمة الآن إلى جواري يخبرني أنني لا أزال أسيراً لتلك الهواجس. طبعت على جبينها قُبلة. سرت صوب الحمام. تعودت على عادة ترك باب الحمام مفتوحاً. وقد بدأت أتفهم إلى جانبها أن التوحد بستان ينطوي على الاختلاف والعزل بين أنواعه يُميتها. شيء ما جعلني أوصد الباب هذه المرة. كما لو أن روحاً غير مرئية تتربص بي الدوائر في مكمن ما داخل الشقة. أخيراً، أنهيت تنظيف أسناني بينما أدندن بموشح أندلسي قديم:"أيها الناس فؤادي شَغِف/ وهو في بَغيِ الهوى لا يُنصِف".

هذا يوم سبت آخر. في الوقت متسع إلى أن تستيقظ أماندا. كنت أسير نحو المطبخ المفتوح على الصالة، محكوماً بالرغبة في صنع كوب من القهوة، لا شيء يعكر صفو الهدوء، سوى أزيز الثلاجة. فجأة وقعت عيناي على رجل. كان ينام على الكنبة. بنظرة، أدركت ما حدث أثناء نومي. كنت أواجه تحديات وجودي كرجل للمرة الأولى. أسود البشرة، طويل القامة، في نحافته شيء من تواريخ الفقر المدقعة وراء البحار. لاح داخل ضوء الصباح المتأخر الكثيف واثقاً غير هيّاب. لا بد أن لديه وقتاً كافياً لخلع ملابسه وارتدائها على نحو لم يفقده أناقته. فتح إحدى عينيه. لم ينسني هول الصدمة أن أرد على تحيته الصامتة بإيماءة. يا للسخرية، قمتا الوقاحة والتهذيب في موقف لا يحتمل الجمع بين النقائض. تركتُه يواصل نومه.

لم تجتاحني ثورة الأعماق، ولا غلت الدماء داخل عروقي، لم أطلب ثأراً من غريمي، لم أقم بتقديم دمها على مذبح الغيرة، لم ألتهب حتى بقصائد الشرف الرفيع. وجدتني بعدما أيقظتها أقف على رأسه. أذكر أنه اعتدل من نومته جالساً كما لو أنه كان ينتظرني. قلت له بصوت ميت"اخرج الآن من بيتي". بدا متردداً وهو يتقدمني بخطوة. يا للوقاحة، أخذ يصلح ما فسد قليلاً من ردائه. ثم توقف داخل الطرقة. لكأنه يهم بوداعها وراء باب غرفة النوم الموارب."من هنا"، كنت أشير إلى باب الشقة.

وجدتها مرتدية ثيابها. لا تزال تحدق إلى الأرض. دعوتها للحضور إلى غرفة المكتب كما لو أنني بصدد اجتماع رسمي. هناك، حاولت الحديث عن"الشرف". لم أفلح. رفعت رأسي بصعوبة. كما لو أنني أراها للمرة الأولى. بكتْ، انتحبتْ، توالت دموعها حتى خلت أنها لن تتوقف. جسدها الذي أعرفه جيداً أخذ ينتفض بشدة. كنت أجلس وراء المكتب الخشبي مواجهاً نافذته الزجاجية. كانت قابعة إلى يسار المكتب. على بعد لمسة مني. قالت"ليس لدي ما أدافع به. لو تنشق الأرض الآن وأغوص داخلها. ما حدث حدث. ليس بوسعي تغييره". قلت:"كم من الوقت يلزمك لحزم حقائبك والرحيل من هنا، يا أماندا؟". قالت"القليل". بعد لحظات مشحونة بالصمت المعدني نفسه"أريدك أن تعلم أنني لم أحب من قبل رجلاً آخر مثلما أحببتك أنت ولا أزال. قد لا تصدقني. لكنها الحقيقة. وما حدث كان مجرد غباء. لا أدري، يا وليم". من جوف تلك الإطراقة الأسيانة"سأحضر للملمة أغراضي ريثما تهدأ قليلاً". في جلستي تلك، وصوت باب الشقة يفتح ويغلق، اجتاحني شعور لا نهائي بالوحشة. لكأن شيئاً زحف في داخلي ومات. ظللت بعدها لثلاث ليال لا أكلم أحداً، لا أحد يكلمني. ظهر اليوم الرابع، بدا كما لو أنني قمت بتصفية أحزاني. كنت مجرد صفحة بيضاء.

كان العصر يقترب من نهايته، عندما أخذ يتناهى بوق بإلحاح غريب من أرض خلاء تقع غرب البناية مباشرة. خيل إلي كما لو أنني أسمع صوتها. حين نظرت أستطلع الأمر عبر إحدى نوافذ الصالة رأيتها بالفعل. أشارت لي بمقابلتها في الأسفل. هناك، تبينت وجود ثلاث فتيات كن بصحبتها. قالت إنها حضرتْ كي تسلمني النسخة الإضافية من مفتاح الشقة. وقالت بغموض إنني لم أستيقظ لحظة أن جاءت ليلاً لأخذ ما تبقى من متعلقاتها الشخصية وإنها لم تؤذني لأنها لا تزال تحبني. كنت أنصت في شرود. لم يثرني مرأى السيارة التي تقودها. بل طريقتها العملية في الكلام. لكن صوتها لأن فجأة وتكسرت قساوته. قالت وهي ممسكة بباب العربة وقدم على الأرض وأخرى بالداخل:

"وليم؟، أهذه هي النهاية"؟.

أومأت برأسي.

"أكل شيء انتهى"؟.

أشحت بوجهي بعيداً:

"لم يُترك لي خيار".

"يا إلهي، ما زلت أحبك".

"مع السلامة، يا أماندا".

في تلك الفسحة الخالية، وقفت أرقب العربة وهي تندفع محدثة صريراً عالياً، تابعتها وهي تنحرف صوب شارع سيرجنت القريب، وحين اختفت وتوارى هديرها في عمق الهدوء الحزين للغروب، أدركتُ بشيء من الحياد أنه لم يعد لي"بعد اليوم"بقاء"في هذه المدينة".




الحياة اللندنية:23/11/2010

[email protected]



تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1188

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1336551 [نسمة]
5.00/5 (2 صوت)

09-08-2015 08:35 PM
ها هي شمس الصباح، أيضا، مثل كل الكائنات، تقوم بواجبها اليومي، إذ تتلصص بحذر، و تدلف غرفة أماندا عبر النافذة. ثم تدلك ساقيها، عالمة بما سيحدث، و كيف لأماندا التي مشت في طريقها الغامض، أن تتجنب النهايات المحتومة التي دحرجتها أختها الكبرى في حجرها تماما.

كما تجفف الشموس البحيرات الراكدة، و كما تمتص ببطء اسطوري مياهها الرمال، تاركة العفن على السطح، كان لابد أن يجف نبع الحب، بين أماندا و وليم، لأنه (نبع الحب) فقد المنطق، و استصغر قيمة اسمها الوفاء، مستبدلا إياها بشهوة العادة.

لم كان وليم يترك باب الحمام مفتوحا يا تري؟! أي غباء كان يستنزف غروره!!
" لو كانت الأبواب مغلقة، من البداية، أوان يتحتم الامر، لما حدث ما حدث!"

و لكنه حدث على أية حال، و تلك هي الحياة، ما أجملها، و أقسى دروسها!!

و لو لم يحدث لما كنا قرأنا قصة البرنس، التي تشيه تهويمات "آلن بو" ذوات أحلام نهارية.

فجأة رأي وليم رجل ينام بتردد على الصوفا، فتحول الغموض في عينيه الي فجيعة. و لكن كان شرفه في ثلاجة الواقع، متدثرا بالتمهل، و فقه الستر.

القصة نهايتها بعيدة المهوى، تماما كأي قصة قصيرة ناجحة، تحدث ذلك الأثر الواحد، يتمنى فيها القارئ الا تنتهي تلك النهاية، و لكن لا يجد، اطلاقا، أجمل منها.

[نسمة]

ردود على نسمة
[عبدالحميد البرنس] 09-09-2015 05:03 PM
كذلك، هي الحياة، العزيزةَ نسمة، جميلة، ربما لأنها حسبما تشيرين قائمة على التجربة، وثمة مقولة انجليزية، مفادها (السفن على البر آمنة، لكن ذلك أمر لم تخلق له السفن). إننا محاطون دائما بفخاخ الموت والنسيان. وما تحاول الكتابة فعله (ربما) يتمثل في جعل المكان كعلاقات أكثر قابلية للعيش العابر، بل سريع العبور. تحياتي


#1335999 [سوداني]
5.00/5 (1 صوت)

09-08-2015 06:31 AM
1. هذه قصة جميلة، واجمل ما فيها، في رائيي، هو توافق وتيرة ووقع سردها (الجمل القصيرة {90% منها تتكون من 2 _ 5 كلمات}؛ التي تستدعي الي الذاكرة القارئة قصر وجهم تلغرافات الموت، وحدة وعزم مبضع الجراح) مع حزن موضوعها الحياتي الازلي:love sickness

This is a beautiful literary rendition of the legitimate/legal cruelty of love

اقول القسوة المشروعة لأن وليام لم يذهب _ مثلا _ مذهب عطيل، او مصطفي سعيد، او ماكسيم دي ونتر: زوج ريبيكا في رواية Rebecca

2. تصويبات:

لن تفضي = لن يفضي
أسناني بينما = أسناني وانا
لا بد أن لديه وقتاً كافياً = لا بد أن كان لديه وقتاً كافياً
عندما أخذ يتناهى بوق = عندما أخذ يتناهى الي مسمعي صوت بوق
صوتها لأن فجأة = صوتها لان فجأة

3. شكرا لعبدالحميد البرنس علي هذا الابداع القصصي!

[سوداني]

ردود على سوداني
[عبدالحميد البرنس] 09-08-2015 02:20 PM
هذا نقد حاذق، لا يكتفي بتسليط النقد بدقة على النصّ، إذ يتعداه إلى تنبيه وتصويب وتعليم كاتب النصّ، وهذا ما لا يجود به الزمان كثيرا هذه الأيام، فشكرا، سوداني أخي


عبدالحميد البرنس
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة