المقالات
السياسة
ليل أسود طويل
ليل أسود طويل
09-15-2015 08:35 AM


ليس وحده ليل العاشقين طويلُ ، ولكن كل الليالي التي يعيشها الشقاء طويلة ، يمتد الزمان فوق الذي يُطاق . لا أحد يستمع إلى المذياع، فقد انقضى عمره التقني . عشرات القنوات الفضائية ، تخدُمك أو تستعمِل وقتك لتغسل الصندوق الذي تحمله أعلى الكتفين ،كيفما اتفق . الزمان صار لا يفي بالمطاليب الكثيرة التي باتت تنتظر. التلفاز أينما تديره ، تُشاهد الأجساد المعذبة ، أو تشهد الدماء تلوّن كل شيء بكساء الأحزان الثقيلة على القلوب والنفوس. لن تشاهد فيها خيراً أبداً ، وإن تَرفقتْ بك فإنها تنشر لك أخبار العجائب والغرائب التي تدخل موسوعة جنيس !! .
لسنا في حاجة لنشر غسيل الدُنيا ونحن أعرف الناس بمصائبنا .ما الذي يجنيه الأمنيون من تتبُعنا والتلصص على ما نكتُب ؟ ، فلسنا من الطامعين الصعود إلى العُصبة التي تُمسك بمفاصل السلطة ، ولا تشغلنا جنانها ومتعة أن تكون الآمر الناهي أو جحيمها حيث يمكن بين لحظة وأخرى أن ترحل إلى مزبلة التاريخ، ولا يذكرك أحد إلا وتُشيّع باللعنات . ولكن جحيمها هو الذي نعرفه.

(2)

طفلٌ سوري لفظت جثته الشواطئ التي اختارتها قوارب الموت . ضجّ الإعلام على الحدث ، ووقفت قرون الإعلام والرسوم الكاريكاتورية تنتزع من الحدث جُرعة مؤلمة عن موت وردة آدمية كالنسيم. قدم لنا إعلام السودان طفلاً مُشرداً، ينام على حجر خرساني في وسط الطريق ، وهو مشروع فخم للموت جوعاً وحسرة ، مثل النفايات اليومية المتراكمة في الخرطوم ،التي هي عصيّة على الزوال .

(3)

نعود بالتاريخ ، ربما تكون هناك عبرة .عندما سأل مقدم البرنامج في الجزيرة الفضائية ، الدكتور الترابي في منزله عام 2007 ، عن منْ الذي اخترتموه لرئاسة انقلاب الإنقاذ ، قال :
- ( هو أعلى صف الضباط ) مُشيراً بأصبع السبابة من الأعلى إلى الأسفل. ذات الأصبع الذي صار أيقونتهم عند التهليل والتكبير!! . لقد كان يُشير إليه صاحب المشروع الحضاري السابق ، كرقم في سلسلة التنظيم ، وما ميَّزته عن غيره إلا الرتبة والأقدمية !.
وعندما سأله مقدم البرنامج في ذات الحلقة عن الذي تآمر في محاولة اغتيال الرئيس الأسبق " حسني مبارك " عند حضوره مطار أديس عام 1995 لحضور مؤتمر القمة الإفريقي بأثيوبيا ، فقال الدكتور:
- ( المسؤول عنها المدني في التنظيم بعدي ، والأمريكيون يعرفون الاسم والأثيوبيون كذلك.. ) .
و سأل مقدم البرنامج : هل كان الرئيس على علم بمؤامرة محاولة الاغتيال !
رد الدكتور الترابي :
- الرئيس عيناً لم يكُن يعلم .
قال مقدم البرنامج : ( أتقصد نائب الرئيس حينذاك ؟) .
قال الدكتور :
- ( أنت قلت وأنا لم أقلْ ، لكنني أمام قسم الحكمة إن استدعتني للشهادة ،فسوف أقول ما أعرفه ) .
قال مقدم البرنامج : أأنت تعرفهم ؟
قال الدكتور :
- ( بالطبع نعم ،أعرفهم فقد جاءونا إلينا عند انعقاد مجلس الشورى بعد أن وقعت الواقعة ..)

(4)

يقولون شعبنا ليست له ذاكرة ، فعندما زار الفريق " عبود" أهل النوبة ، بعدما حدث ما حدث لهم من أجل " خزان السد العالي " ، صار يبكي ، على الحليب المسكوب . وبعد فترة من تنحيه عن الحكم، صاروا يقولون ( ضيّعناك وضِعنا وراك ) !!. لكن "اليو تيوب" تُنعش الذاكر الخربة ، وتعيد لها إبرة الموت التي غرزتها الإنقاذ في شرايين الأحباب ، فقضى منهم من قضى ، وبقي من ينتظر . عضو مجلس ثورة الإنقاذ السابق " الرائد كرار " ،قال أنه ليس المسئول عن إعدام مجدي محجوب محمد أحمد . ولكن كثير من الناس كانوا يعلمون منْ الذي شَهِد الإعدام من أعضاء
مجلس ثورة الإنقاذ آنذاك !!.

(5)

مؤسسة " داعش " كل يوم لها شأن جديد. قدرة عالية على المعرفة التقنية ، و من سيكولوجية الإنترنيت لاصطياد العصافير التي تربّت في " العالم الأول" . يسألونك : كيف وجد أهل " داعش " تلك الفسحة بين الحرب والتقتيل ليتقنوا مهارة سيكولوجية الانترنيت ليجندوا بها الشباب !؟ . كيف تسلل الأخطبوط " الداعشي" ليحيل الكون العربي من أقصاه إلى أدناه إلى عالم فوضوي مأزوم . سطت " داعش " على ما يقارب نصف مليار دولار نقداً من بنوك مدينة " الموصل " العراقية بعد أن تركها لهم الجيش العراقي ، وأخلى المدينة بلا حرب !!
أهو تمثيل مغاير لبيت شعر المتنبي :

فدَيناكَ أهدى النّاسِ سَهماً إلى قَلبي ..
وَأقتَلَهُم للدّارِعِينَ بِلا حَربِ !!

(6)

عندما قرأنا عن " الفوضى الخلاقة " في التسعينات ، كنا نعتقد بأنها حلمٌ روائي ، ولم نصدق أنها قصة إعادة هيكلة المنطقة من بعد " سايكوس بيكو " . كان التصور أن يتم القضاء على قوات العراق المسلحة ، وتمّ اغتيال الخبراء العراقيين بالمئات في أوروبا ، ومن بعد كان من المفترض أن تدور الدائرة على سوريا عام 2004 ، ولكن التفجيرات المتلاحقة في طرق العراق أذاقت الحلم الأمريكي المُستبد " الفوضى الحقيقية " ، فتأجل مشروع الفوضى الخلاقة إلى أن حاكت بإرشادها مؤتمرات الحراك الأهلي الحر، وأنبتت فيما أنبتت زهرات " الثورات العربية "، التي كانت تنتظر الشرارة . وهنا كانت السانحة لتطبيق الفوضى الخلاقة الجديدة لهدّ القوات المسلحة السورية ، كمرحلة لاحقة بعد تدمير العراق وجيشه وتسليمه لإيران . وكان جيش مصر على موعد بالتفتيت بعد تسلم الإخوان المسلمين حكم مصر ، وبدأت بانقلاب نوفمبر 2012 ، وحاز " مُرسي " حينها على السلطة التنفيذية والتشريعية . وتفاجأت أمريكا بانحياز القوات المسالحة المصرية لثورة الشعب في 30 يونيو 2013 ، وبقي جيش مصر وفشل المُخطط لتصفيته ، و تعدت مصر المصير الصعب . ولم تصدق أمريكا ، ولم تزل تدعم الإخوان المسلمين لعلهم يعودون ليحققوا الأمن لإسرائيل .

من أجل منْ تمت تصفية القوات المسلحة العراقية ؟
ومن أجل منْ يلعبون على ذوبان القوات المسلحة السورية كلوح الثلج في الحر القائظ ، سنة وسنتين وثلاث وأربع ...؟
أليس من أحد يتشكك في إذابة الجيش السوري بفعلٍ مُخطط ؟ ، أعلى من صوت الحريات التي يطالب بها الشعب ، ومن ثمة اللعب على قضية تمويل الأسلحة ، نوعيتها ولمنْ تُرسل ، وهل وقعت في يد " داعش " ، وتم تمديد الصراع ؟
أليس غريباً أن تهب النيران من كل صوب ، والدولة الصهيونية تنام في العسل !!.

عبدالله الشقليني
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 874

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1340565 [غريب]
0.00/5 (0 صوت)

09-15-2015 08:40 PM
الأستاذ الجليل شقليني ليس لدي ما أقوله غير بيت دريد بن الصمة الذي نصح أخاه عبدالله ولم يلق بالاً لنصحه:
بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا النصح إلا في ضحى الغد

وهؤلا لن يستبينوا النصح في غد أو بعد غد ومخطط تقسيم الشرق الجديد شارف على النهاية عندما امتدت النيران إلى البلد الآمن
بسم الله الرحمن الرحيم : "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" البقرة 126

[غريب]

#1340241 [جنو منو]
0.00/5 (0 صوت)

09-15-2015 11:11 AM
لك التحيه أستاذنا عبدالله الشقلينى .. لقد لمست مواضع الداء .. فما هو الدواء

[جنو منو]

ردود على جنو منو
[الحل ينبع من فوهة البندقية] 09-15-2015 08:33 PM
هنا انظر فوق!


عبدالله الشقليني
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة