المقالات
السياسة
أجهزة الأمن السودانية بين عامي 1908 – 1989م: التشظي والرؤية والتقليد - 2
أجهزة الأمن السودانية بين عامي 1908 – 1989م: التشظي والرؤية والتقليد - 2
09-15-2015 09:57 PM


أجهزة الأمن السودانية بين عامي 1908 – 1989م: التشظي والرؤية والتقليد - 2
Sudan’s Security Agencies: Fragmentation, Visibility and Mimicry. 1908 – 1989 (2
ويل بيريدج Will Berridge
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

تقديم: هذه ترجمة مختصرة للجزء الثاني والأخير من بعض ما جاء في العدد الثامن والعشرين في مقال نشر في مجلة "المخابرات والأمن الوطني Intelligence and national Security" والتي صدرت في عام 2013م بقلم الدكتور ويل بيريدج المحاضر بجامعة نورثهامتون البريطانية. عمل الكاتب من قبل في قسم التاريخ بجامعة درم البريطانية، ونشر عددا من المقالات المحكمة عن أجهزة الأمن والشرطة والسجون في السودان، ومقالا عن الثورة المصرية على نظام حسني مبارك، وكتابا بعنوان "الثورات المدنية في السودان الحديث" عن ثورتي الربيع العربي في السودان عامي 1964م و1985م، صدر حديثا عن دار بلومزبيري للنشر ببريطانيا.
أشكر المؤلف لتكرمها بمدي بنسخة من هذا المقال.

المترجم
-------------- -------------- ------------
الأمن بعد خروج المستعمر، 1956 – 1969م

تم تغيير مسمى جهاز الأمن عشية يوم الاستقلال ليصبح "جهاز الأمن العام"، وأتبع لوزارة الداخلية، كما كان عليه الحال إبان العهد الاستعماري. وكانت من مهام ذلك الجهاز مراقبة نشاطات الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والسفارات الأجنبية واللاجئين. وبالنظر إلى طبيعة التوجه العربي – الإسلامي للدولة بعد استقلالها، أضيفت الكنائس والبعثات التبشيرية ومدرسة كمبوني لقائمة الجهات التي انشغل جهاز الأمن العام بمراقبتها. وكان هنالك اعتقاد راسخ لدي الجهات الأمنية بأن هذه الجهات تناصر ماديا ومعنويا حركة التمرد في جنوب السودان. وانشغل الأمن كذلك بمراقبة نشاطات الحزب الشيوعي (العلنية والسرية)، ربما لأن تلك كانت إحدى مهام رجال الأمن في العهد الاستعماري، وقد ظل نفس هؤلاء الرجال يعملون في ذات الجهاز بعد سودنة إدارته. وبات قادة وأعضاء ذلك الحزب يتعرضون للملاحقة والاعتقال والمحاكمات بصورة منتظمة. ويبدو أن التعاون بين جهاز الأمن العام السوداني والبريطانيين، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الشيوعية، ظل قائما، إذ واصلت السفارة البريطانية مد الشرطة السودانية بكتب عن الشيوعية.
وفي 25/5/1969م صعد إلى سدة الحكم جعفر نميري بانقلاب عسكري. وقام النظام (المايوي) الجديد في بداية عهده بتكوين جهاز أمني سماه "جهاز الأمن القومي". ومثل قيام ذلك الجهاز بداية تجاوزات الجيش لمهامه واقتحامه لعالم الأمن السياسي. فتم تعيين عدد من ضباط المخابرات بالجيش في قيادة جهاز الأمن القومي، تحت الاشراف المباشر لجعفر نميري. وكان ذلك الجهاز الأمني الجديد أكبر من كل ما سبقه من أجهزة أمنية في العهود السابقة، وعهد إليه بمهام الأمن الداخلي والخارجي معا. ولم يكن يعمل باعتباره جهازا للمخابرات فحسب، بل كان قوة أمنية مستقلة قوامها 2500 جندي وضابط صف.
ومنح ضباط الجهاز الجديد في جهاز الأمن القومي سلطات تساوي (وتفوق أحيانا) ما هو ممنوح للشرطة. وأصدرت حكومة مايو في عام 1970م قانون الأمن القومي، والذي نص على أن لأفراد ذك الجهاز سلطة التحقيق مع والقاء القبض على أي "عناصر مخربة" متهمة، ومحاكمتهم بالتشاور مع المستشار القانوني العسكري، أو وزير العدل لا النائب العام. وكانت تحريات وتحقيقات العاملين في جهاز الأمن القومي تجري في سرية كاملة، ولا يمكن لأحد الحصول على ملفات اولئك المتهمين إلا بعد موافقة رئيس جهاز الأمن القومي، أو من ينوب عنه. ويمكن القول بأن قانون الأمن العام لعام 1970 قد سمح للعاملين في جهاز الأمن القومي بحرية التصرف خارج نطاق القانون.

الصراعات بين النظام وأجهزته الأمنية

تواجه كثير من أنظمة الدول التي تخلصت من الاستعمار خيارين هما: إنشاء مؤسسات مركزية للدولة من أجل تطوير قدراتها التعبوية والدفاعية أو إضعاف تلك المؤسسات لمنعها من أن تغدو مراكز قوى بديلة. وكانت أجهزة الأمن في السودان في عهد الديكتاتورية المايوية خير مثال لتلك المعضلة. فبينما كانت تلك الأجهزة الأمنية قد قدمت للرئيس نوع الخبرة الفنية والقوة المادية التي جعلت من نظامه حقيقة واقعة، كان بإمكان قادتها – وبعد أن يبلغوا شأوا معينا - ولأسباب شخصية أو سياسية أو مهنية، أن تتحدى أو تعارض الاستراتيجيات التي يتبناها.
لقد كان من أسباب احتفاظ نميري بجهاز الأمن العام (القديم) حتى عام 1978م هو خوفه من الأجهزة الأمنية (الجديدة) التي أنشأها بنفسه. ومعروف أن الحكام العسكريين الديكتاتوريين في عهود ما بعد الاستعمار يفضلون إنشاء عدة أجهزة أمنية في وقت واحد حتى يمكنهم التلاعب بها جميعا واستخدامها في مراقبة بعضها للبعض الآخر.
وشكل جهاز الأمن القومي في بداية تكوينه بالفعل درجة من الخطورة على نميري. فقد كانت كل عناصره تقريبا من الشيوعيين والبعثيين، والذين وقف على تدريبهم خبراء روس. وكان المتقدم للعمل في ذلك الجهاز يسأل في مقابلة التعيين عن ميوله السياسية، وكان من المتوقع عادة أن يجيب بأنه "شيوعي" أو "شيوعي مخلص devoted communist". غير أنه، وبعد مرور شهور قليلة على قيام انقلاب 25 مايو 1969م ظهرت بوادر خلافات حادة بين نميري والشيوعيين، تصاعدت حتى قيام الضابط الشيوعي هاشم العطا بانقلاب عسكري على نظام نميري في 19 يوليو 1971م. وفشل ذلك الانقلاب وعاد نميري للسلطة بعد ثلاثة أيام من إزاحته. وقام بعد ذلك نميري بحملة تطهير واسعة في أجهزة الأمن فصل فيها جميع العناصر الشيوعية أو المتعاطفة معها، وشمل ذلك العاملين بجهاز الأمن القومي. وتم كل ذلك (كما ورد في كتاب أبو حميد أحمد إبراهيم المعنون "قصة كفاح ونجاح: مذكرات شرطي"، والصادر في عام 2007م عن دار عزة) بعون من قادة الشرطة المهنيين. وتم كذلك فصل الشيوعيين من جهاز الأمن العام، والذين كانوا قد استوعبوا في الفترة بين عامي 1969 و1971م. وكان من بين هؤلاء 26 خريجا جامعيا من المتعاطفين مع الشيوعيين كانوا قد أدخلوا لكلية الشرطة في عام 1970م بتوصية من وزير الداخلية حينها الرائد فاروق حمدنا الله (والذي أعدم لاحقا مع الرائد هاشم العطا في محاولة انقلاب 19 يوليو). وذهب حسن بيومي في كتابه "جهاز الأمن" إلى أن السبب في استمرار جهاز الأمن العام في العمل كان وجود عناصر به تتميز بالكفاءة والخبرة بأكثر مما كان موجودا عند أفراد جهاز الأمن القومي، إذ أنه كان يتألف من رجال شرطة محترفين بحوزتهم ملفات عن كل السياسيين في البلاد تعود لعقود طويلة سابقة.
غير أن نميري أفلح، وبصورة تدريجية، في التخلص من الاعتماد على الشرطة، ونجح في "عسكرة" الأجهزة الأمنية. وتجلى ذلك في إنشائه لما سماه "جهاز أمن الدولة" في عام 1978م، وفيه ضم جهاز الأمن العام وجهاز الأمن القومي معا في الجهاز الجديد، وعين له رئيسا من كبار الضباط هو عمر محمد الطيب. وتسبب ذلك القرار في تعكير صفو العلاقة بين الجيش والشرطة. وزاد الأمر سوءا قيام نميري بإصدار قرار رفع بموجبه مرتبات أفراد الجيش مقارنة بنظرائهم في الشرطة. فصار مرتب العميد في الشرطة مساويا لمرتب العقيد في الجيش. وسبب ذلك بالطبع تململا وخيبة أمل كبيرة في أوساط ضباط الشرطة، مما دعا القيادة العليا للشرطة والسجون لإرسال مذكرة احتجاج لوزير الداخلية، بحسب ما جاء في مقال صدر في فبراير 1979م بعنوان "التقويم الوظيفي" في صحيفة الميدان. وكان وزير الداخلية حينها عبد الوهاب إبراهيم، والذي كان يشغل من قبل منصب رئيس جهاز الأمن العام. وسببت تلك المذكرة خلافا بين وزير الداخلية ونميري انتهى بفصل الوزير وحل وزارة الداخلية. وتجد تفاصيل تلك الأحداث في كتاب الوزير والمعنون "أوراق من الذاكرة" والصادر عن مركز محمد عمر بشير في عام 2010م. وذكر لي عبد الوهاب إبراهيم في مقابلة شخصية أجريتها معه بالخرطوم في 13/1/2010م أن صراعا شخصيا كان قد شجر بينه وبين نميري، وأن ضباط الجيش كانوا يعمدون للحط من قدر ضباط الشرطة، وذلك حسدا من عند أنفسهم.
وواصل نميري في سعيه البطيء لتهميش الشرطة، وروى أبو حميد إبراهيم، بمرارة لا تخفى، في كتابه الذي سبقت الاشارة إليه إلى الازدراء (contempt) الذي كان يبديه نميري علنا لضباط الشرطة آنذاك. ويتذكر السودانيون تلك الفترة، والتي لم يكن يرغب فيها أحد صاحب طموح في الانضمام للشرطة، بل كان الجميع يتمنون الالتحاق بجهاز أمن الدولة، بحسب ما ذكره لي التجاني الحسين في مقابلة شخصية معه في الخرطوم يوم 20/12/2009م. وزعم حسن بيومي في كتابه سالف الذكر أن عمر محمد الطيب كان قد سمح لضباط أمن الدولة بممارسة المحسوبية والمحاباة، وبصورة متزايدة، على عكس ما كان يحدث أيام علي نميري، والتي سادت فيها روح الأخلاقيات المهنية العالية. وذكر أيضا أن "أهل الثقة" نجحوا في التقرب من عمر محمد الطيب وأفلحوا في إزاحة الضباط أصحاب الكفاءة.
ودخل النميري في تلك السنوات في صدامات مع أجهزته الأمنية. وذهب عبد الوهاب إبراهيم في كتاب مذكراته أنه عقب محاولة الانقلاب / الغزو الليبي في عام 1976م بدأ نميري في مهاجمة جهازي الأمن العام والأمن القومي قائلا بأنه لو كان يملك أجهزة أمنية كفؤة لنجح في "التعامل" مع حسين الهندي والصادق المهدي قائدي الانقلاب. وزعم عبد الوهاب إبراهيم إلى أنه قام – مع علي النميري- بمعارضة نميري والرد على اتهامه للجهازين بالتقصير. وأضاف بأنهم "مهنيون ويعملون وفقا للقانون في وظائف شرعية، ولا شأن لهم بالاغتيالات". والجدير بالذكر أن عبد الوهاب إبراهيم ظل في موقعه لمدة ثلاث أعوام عقب أحداث 1976م، بينما بقي علي النميري لعام واحد فقط بعد تلك الأحداث. ويبدو أن قادة الأمن بالبلاد كان يتوجسون خيفة من اتفاق نميري مع الأحزاب السياسية في 1977م. ونشر علي نميري في عام 1997م كتابا بعنوان "الأمن والمخابرات" صدر من مركز الدراسات الاستراتيجية حذر فيه من الجماعات المتصالحة مع النظام. ونبه القطاع الاقتصادي في جهاز أمن الدولة نميري إبان سنوات تحالفه مع الإخوان المسلمين في عام 1984م إلى التخريب والاحتكار الذي كان يمارسه هؤلاء عن طريق مؤسسات مالية مثل بنك فيصل الإسلامي. غير أنه من المشكوك فيه أن تكون دوافع صراعات قادة الأمن مع نميري كانت لأسباب مهنية بحتة. فقد كانت لعبد الوهاب إبراهيم علاقات صداقة وثيقة مع حسين الهندي، بينما كان عمر محمد الطيب في عام 1984م يخوص صراعا مريرا ضد المعارضين في الخارج. وذهب منصور خالد، أحد وزراء نميري السابقين في كتابه "Nemiri and the Revolution of Dis- May" والصادر في عام 1985م إلى أن علي نميري لم يكن على استعداد لاغتيال الصادق المهدي لأن كثيرا من أفراد عائلته كانوا من الأنصار.

جهاز أمن الدولة والمجتمع السوداني

لقد جعلت طبيعة المجتمع السوداني المتشابكة، التي تقدس العائلة، وتنبذ الفردية، من العسر بمكان على مختلف أقسام الأجهزة الأمنية أن تعمل بصورة مستقلة عن مجتمعها السوداني في فرض إرادة الدولة. وجعلت صفات ذلك المجتمع من المستحيل على أفراد أجهزة الأمن أن يكتموا أمر التحاقهم بتلك الأجهزة "السرية". فعلى سبيل المثال ظلت العلاقات الشخصية في ستينيات القرن الماضي بين أفراد الشرطة وقادة وأعضاء النقابات العمالية بأتبرا (معقل الشيوعيين) في غاية الود. وحكى عبد الوهاب إبراهيم في كتابه عن تفريق رجال الشرطة (العنيف) لمظاهرات العمال في النهار، ثم اجتماعهم معهم بالليل في الأندية ومجالس السمر. وذكر لي الناشط الشيوعي السابق عبد الله علي إبراهيم في مقابلة لي معه في الخرطوم تمت في 17 ديسمبر 2009م طرفا من ذكرياته عن أيامه في أتبرا فقال: "أعتقد أنه كان للشرطة عملاء سريين ... ولكن على سبيل المثال في مديني، كنا نعلم عن فردين من هؤلاء العملاء، فقد كانا من المشهورين / المحبوبين جدا في المدينة (ضحك) ... أعتقد أن أحدهما كان يسمى وش الحصان horse faced man".
ويبدو أن معرفة الناس بهوية الجاسوس في أوساطهم أضرت كثيرا بالعمل الاستخباري / الجاسوسي وقللت من فعاليته. ويصدق هذا الزعم أكثر ما يصدق على العملاء والجواسيس في جهاز الأمن العام بأتبرا في سنوات الستينيات، والذين كانوا يقومون بمهام استخباراتية إضافة لأعمالهم (العادية) الأخرى في مكافحة الجريمة، والتي كانت تضطرهم للمثول أمام المحاكم للإدلاء بشهاداتهم. ونشرت صحيفة "الرأي العام" في يوم 8/7/1964م خبرا عن مؤتمر صحفي لوزير الداخلية سأل فيه مختار محمد الحسن الوزير عما إذا كان لديه علم عن أن رجل المباحث يتخفى في وسط الناس مرتديا جلبابا عاديا (ليجمع الأخبار)، ثم يعود في اليوم التالي ليدلي بشهادته أمام محكمة علنية، وبذا يكشف عن هويته وعمله الحقيقي. لا ريب سيتحفظ الناس في القول والعمل عندما يقابلونه مرة أخرى.
وظل رجال الأمن السياسي، حتى في بداية السبعينيات، وبعد أن أخرجوا من دائرة النظام القضائي، مشاهدين visible ومعروفين نسبيا لكثير من الناس. ونشرت صحيفة الميدان في يوليو وأغسطس من عام 1975م أسماء من اسمتهم "جواسيس جهاز الأمن" المندسين في أوساط العمال والنقابات. وأوردت في عددها عام 1976م قائمة بأسماء اولئك الجواسيس المندسين في أوساط العمال، كان منهم التهامي مدني، ضابط الشرطة السابق، والذي كان قد نقل إلى قسم "مكافحة الشيوعية"، ثم نقل لـ "العمل" في مصنع للنسيج ليرفع تقارير عن نشاطات عماله بصورة منتظمة.
وبالإضافة لذلك كانت لرجال الأمن صلات بمجتمعهم السوداني حدت من قدرتهم على أداء وظيفتهم الأمنية بصورة محايدة خالية من المؤثرات. وأورد عبد الله علي إبراهيم في مقابلتي معه أنه عندما كان ناشطا متخفيا (تحت الأرض) كان يقابل أحيانا مصادفة بعض العملاء السريين من عائلته، ولكنهم كانوا لا يكشفون سره لاعتبارات عائلية. فقد كانت تقيد هؤلاء العملاء العديد من "القيود السياسية والثقافية political and cultural limitations" ...
وكما ألمحنا من قبل، فقد رفض عبد الوهاب إبراهيم أن يغتال الصادق المهدي وحسين الهندي لأنه، وبحسب قوله: "ما قد يكون صحيح سياسيا اليوم قد يصبح خطأ فادحا غدا. لذا فإننا لا نؤيد اغتيال الناس لمجرد اختلافهم معنا سياسيا". ولعل هذا يمثل ملمحا أخلاقيا كان من العوامل المؤثرة في سلوك العاملين بالأجهزة الأمنية. وتغيرت النظم الحاكمة في السودان كثيرا (خمس مرات منذ الاستقلال)، لذا فقد كان من الحكمة أن يتجنب العاملون في الأجهزة الأمنية التورط في مثل تلك الأفعال.
وحكى عبد الوهاب إبراهيم عن أن جهاز أمنه حصل على شريط صوتي لحسين الهندي كال فيه السباب لجهاز الأمن العام، وعن أنه أرسل للهندي – عن طريق صديق مشترك - رسالة عبر له فيها عن ضيقه من ذلك الهجوم لما كان يربطه به من صداقة واحترام متبادل. ورد الهندي على رسالة عبد الوهاب بإرساله له " بَدْلَة أفريقية" راقية على سبيل الاعتذار. ولا حاجة لنا للقول بأن عبد الوهاب لم يخبر نميري بهديته تلك.
وذكر هاشم أبو رنات (مدير مكتب عمر محمد الطيب) وعبد العزيز في كتابهما السالف الذكر أن جهاز الأمن كان يستغل العلاقات العائلية بين خصومه من أجل تعزيز موقف الحكومة. وضرب لذلك مثلا بإعلاء شأن أحمد المهدي (عم الصادق المهدي) زعيما وإماما للأنصار ومده بالأموال والسيارات للضغط على الصادق المهدي، والذي غدا شوكة في خصر النظام في عام 1983م لتبنيه سياسة معادية لقوانين سبتمبر الإسلامية. غير أن تلك السياسة لم تثمر طويلا بسبب سقوط نظام نميري بعد أقل من عامين من ذلك التاريخ. وتدل تلك الواقعة على اضطرار أجهزة الأمن في السودان للعمل من خلال شبكات معقدة لصلات عائلية ودينية تهيمن على المجتمع السوداني. وكان عمر محمد الطيب المسئول الأول عن الأمن بالسودان شديد التأثر في عمله بالصلات الشخصية والعائلية والصوفية. وقد أورد محمد سعيد القدال في كتاب له عن أيامه في سجن كوبر أن عمر محمد الطيب قد أطلق سراحه بعد أن نما لعلمه أن بينهما صلة عائلية. وكان عمر وثيق الصلة كذلك بطائفة الختمية مما سهل على "الحزب الاتحادي الديمقراطي" الدخول في مصالحة مع نميري في عام 1977م. ووثق الرجل من علاقة جهاز أمن الدولة مع العامة، بل وفتح لهم أبواب الجهاز، مما قد يتعارض مع أساسيات العمل الأمني والاستخباراتي. وشبه حسن بيومي مبنى جهاز الأمن في عهد عمر محمد الطيب بـ "عيادة الطبيب" التي يدخل ويخرج منها الناس دون رقيب أو حسيب.
ورغم كل ما ذكرنا من تأثير العلاقات الشخصية والسياسية والصوفية على العلاقة بين رجال الأمن والمواطنين، إلا أنه ينبغي أن نذكر أن الأمن كان يمارس أيضا التعذيب لبعض معتقليه. فقد كانت هنالك حالات تعذيب موثقة لبعض المعتقلين الشيوعيين (والبعثيين) ، ومن قبض عليهم من رجال دارفور عقب فشل محاولة انقلاب 1976م. وبعد سقوط النظام المايوي في 1985م جرت محاكمات لبعض العاملين في الأمن أسفرت عن إدانتهم بتهمة التعذيب.

الاستخبارات وتغير أنظمة الحكم

كانت العلاقات العائلية والشخصية والاجتماعية اللصيقة كما ذكرنا آنفا من أهم أسباب تعرف الناس على هويات وشخوص العاملين في مجال الاستخبارات والبصَّاصة والتجسس. ويضاف إلى ذلك أن ملفات العاملين في تلك الأجهزة غدت سهلة المنال لبعض الأحزاب السياسية، خاصة عند تغير الأنظمة الحاكمة. وحدث هذا بعيد قيام ثورة 21 أكتوبر 1964م عندما تسيدت "جبهة الهيئات" الساحة السياسية. وكانت تلك الجبهة تضم أفرادا من الحزب الشيوعي وقادة النقابات والاتحادات والتنظيمات اليسارية التوجه. وزعم بيومي في كتابه أن الشيوعيين (وبمساعدة من وزير الداخلية الجنوبي كلمنت أمبورو) كانوا قد نجحوا في الاستيلاء على ملفات جهاز الأمن العام وسعوا لتطهير من عمل من أفراد ذلك الجهاز في محاربتهم في غضون سنوات حكم الفريق إبراهيم عبود مثل عبد الله أبارو وعباس محمد الفضل وغيرهم.
وبعد دخول الشيوعيين للوزارة مرة أخرى في مايو 1969م حاولوا الوصول لملفات جهاز الأمن العام، غير أنهم لم ينجحوا هذه المرة. وذكر عبد الوهاب إبراهيم في مقابلتي الشخصية معه أنهم منعوا الشيوعيين من أن يقربوا ملفات الجهاز لأن بعض تلك الملفات قد تخص الشيوعيين أنفسهم. ودعا ذلك الشيوعيين للاعتماد على الملفات القديمة التي حصلوا عليها في 1964م. وكان من نتائج ذلك أن سعى بعضهم للقبض على أفراد في الأمن كانوا قد اغتربوا في بلدان الخليج أو انتقلوا إلى رحاب الله قبل سنوات. وحدث ذات الشيء بعد انتفاضة 1985م. وجاء في كتاب السر أحمد سعيد المعنون "السيف والطغاة: القوات المسلحة السودانية" بعض أسباب حل جهاز أمن الدولة عقب سقوط نميري، والصراع (العلني والمستتر) بين الجيش وذلك الجهاز، والذي توج بأمر من الفريق سوار الذهب لضباطه باحتلال مباني جهاز أمن الدولة واعتقال عملائه بشكل جماعي (en masse). وبذا أتت سياسة نميري الهادفة للوقيعة بين الجيش والأجهزة الأمنية وبالا عليه في نهاية المطاف.
وذكر هاشم أبو رنات أن عمر البشير (أحد ضباط الجيش الذين كلفوا بالتحقيق في شئون جهاز الأمن، والذي قاد انقلابا ناجحا بعد أربعة أعوام من ذلك التاريخ) كان قد استجوبه وهو في السجن عقب سقط النظام المايوي، وطلب منه تسليم كل ملفات جهاز الأمن (للجيش) خوفا من وقوعها في أيادي البعثيين والشيوعيين، وأنه قد أخبر البشير أن تلك الملفات موجودة على شكل "ميكروفيلم" وأعطاه أسماء بعض من بمقدورهم فتح تلك الملفات. وزعم هاشم أبو رنات أن البشير كان من بين الضباط الذين كان جهاز أمن الدولة يراقبهم لبعض الوقت في السبعينيات والثمانينات لارتباطهم بالحركة الإسلامية. وذهب بيومي للقول بأن ما لا يقل عن 99% من المعلومات التي جمعتها أجهزة المخابرات خلال العهد المايوي بقيت محفوظة لدي الجيش، والذي كان يسمح فقط لوزارة الخارجية والشرطة بالاطلاع عليها عند الحاجة.

الخلاصة

لم تستطع الأجهزة الأمنية في السودان – رغم قدمها النسبي - الهيمنة على مجتمعها وذلك لشح الموارد التي أتيحت لها، وللصراعات الداخلية التي حدثت بين كثير من فصائلها، وبسبب التركيز على المهددات الخارجية للبلاد وإهمال المهددات الداخلية، وضعف المؤسسية في تلك الأجهزة.
لم يتصف عمل الأجهزة الأمنية بالسودان في مختلف العهود بالسرية المطلوبة. وكان عمل تلك الأجهزة والعاملين بها مشاهدا ومعروفا للعامة مما حد من فعاليتها بسبب قوة العلاقات الشخصية والعائلية والاجتماعية بين العاملين في الأجهزة الأمنية وباقي المواطنين. وساهم قصر عمر الأنظمة الحاكمة بالسودان وتعاقب كثير منها على الحكم بسياسات وأيديولوجيات متباينة على كشف هوية العاملين بالأجهزة الأمنية. وغدت سياسات الأجهزة الأمنية متخبطة ولا يمكن التنبؤ بها مما كان انعكاسا للصراعات الداخلية في الدولة نفسها.
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2371

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1341001 [عوض عمر]
0.00/5 (0 صوت)

09-16-2015 01:05 PM
تتمثل كفاءة جهاز الأمن في الإختراق و التخفي.أي قدرة جهاز الأمن علي إختراق أي تنظيم مهما كان مستوي تعقيده و في سرية تامة.
ألاحظ أن سلوك كثير من أفراد جهاز الأمن السوداني يتعارض مع هذا المبدأ,إذ يعمل بعض الأفراد و يظهرون بمظهر أنهم تابعين للأمن حتي يهابهم الآخرين.أدي هذا السلوك إلي أن يمثل آخرين شخصية رجل الأمن الذي يرتدي بدلة سفاري رمادية اللون و هو عريض المنكبين و يسير منتفخآ!! يذكرني هذا بسلوك رجال الأمن في دولة مجاورة,إذ تعرفه من هيئته,إذ تجده يرتدي بدلة دون ربطة عنق و يضع علي عينيه نظارة سوداء ضخمة و يسير مندفعآ و كانه سعران.!!

[عوض عمر]

#1340595 [بدر الدين حامد الهاشمي]
5.00/5 (1 صوت)

09-15-2015 10:13 PM
أشكر المؤلف لتكرمه بمدي بنسخة من هذا المقال.

[بدر الدين حامد الهاشمي]

ردود على بدر الدين حامد الهاشمي
[بدر الدين حامد الهاشمي] 09-16-2015 01:58 PM
الشكر للأستاذ تاج السر على التعليق

[تاج السر عثمان بابو] 09-16-2015 10:48 AM
تحياتي وسلامي بدر الدين ، اتابع باهتمام وتقدير جهدكم في ترجمة تلك المقالات المفيدة والمهمة والتي تسلط الأضواء علي ملامح من تاريخنا الإجتماعي، اطلعت علي الحلقتين من هذه الدراسة حول أحهزة الأمن السودانية ، واود أن ابدي الملاحظة التالية علي الدراسة:
للحقيقة والتاريخ كان الحزب الشيوعي رافضا انضمام عضويته لجهاز أمن نظام النميري، ورافضا تجسسس عضويته علي الأحزاب المعارضة ، ورافضا الدولة التي تقوم علي حكم الأمن والمخابرات ، وحتي الأعضاء من الحزب الشيوعي الذين اصروا علي الإنضمام للآمن تم فصلهم من الحزب، وكان من الخلافات الأساسية بين الحزب الشيوعي ونظام مايو هو قيام دولة الأمن والمخابرات التي تصادر الحقوق والحريات الديمقراطية ، وتقيم نظام الحزب الواحد، وتكرس الفساد.
مع تحياتي وتقديري لجهدك المحترم.
تاج السر عثمان بابو .. عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني.


ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة