المقالات
السياسة
مديرية دنقلا في السودان الإنجليزي - المصري
مديرية دنقلا في السودان الإنجليزي - المصري
09-18-2015 12:33 PM

مديرية دنقلا في السودان الإنجليزي - المصري
Dongla Province of the Anglo –Egyptian Sudan
Louis C. West لويس سي. ويست
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة لبعض ما ورد في مقال عن مديرية دنقلا في سنوات العهد الإنجليزي – المصري الباكرة بقلم الامريكي لويس سي. ويست (1882 – 1972م)، نشر في عام 1918م بالعدد الخامس من المجلة الجغرافية Geographical Review الصادرة عن الجمعية الجغرافية الأمريكية
درس ويست علم الآثار في جامعتي نورث ويست وهارفارد، ثم ارتحل لمصر بين عامي 1912 – 1914م لدراسة آثارها ضمن حملة نظمتها جامعة هارفارد بالتعاون مع متحف الجيزة المصري.

المترجم
*************** *********** *************

تقع مديرية دنقلا الواقعة في شمال السودان الإنجليزي – المصري بين خطي 160 0' و 190 40' شمالا. وهى تشمل وادي النيل من الشلال الثالث إلى الشلال الرابع، وهذه منطقة لا يمكن عبورها بالبواخر أو القوارب إلا في الشهور القليلة التي تكون مستويات المياه فيها عالية بسبب الفيضان السنوي. وتوجد الآن طريقتان يمكن للسائح بهما دخول هذه المديرية. وأول الطريقتين وأيسرهما عن طريق خط السكة حديد الممتد من كريمة عند سفح الشلال الرابع من أبو حمد، والذي يتصل بمصر والخرطوم وبورتسودان وسواكن على البحر الأحمر. والطريقة الثانية هي ركوب الجمال أو الخيول من وادي حلفا، عند سفح الشلال الثاني عن طريق "بطن الحجر" إلى كرمة، عند بداية الشلال الثالث. والطريق الثاني طريق تاريخي عبر به الكثيرون لداخل السودان منذ السلالة المصرية الحاكمة السادسة قبل نحو 4500 عاما.
ويشاهد الزائر على الصخور المقابلة للنهر في تمبس (والتي تقع على بعد 6 أو 7 أميال من كرمة) النقوش التي نحتها قادة الجيش البريطاني ليسجلوا تاريخ وصول جيوشهم إلى سهول دنقلا الخصيبة، وليؤكدوا أن جيوشهم تمد سيطرتها من هذه النقطة إلى نهر الفرات. وفي سنوات الحرب التي دارت بين المهدي وخليفته، بنى البريطانيون (في الأصل الإنجليز. المترجم) خطا للسكة حديد استخدم للأغراض العسكرية من وادي حلفا حتى كرمة. ثم هجر ذلك الخط بعد ستة أو سبعة أعوام من إنشائه، وأزيلت القضبان الحديدية من معظمه. وكان السبب (الرسمي) الذي ذكر في عدم استخدام ذلك الخط الحديدي هو شدة الانحدارات في المنطقة وحدتها، مما يجعل استخدام الخط غير مجد اقتصاديا. غير أن السبب الحقيقي في رأيي كان هو محاولة إجبار سكان المنطقة على استخدام خط السكة حديد في جنوب المديرية، وبالتالي إجبارهم على التعامل والتفاعل الاقتصادي مع بقية سكان السودان. ولم تصب تلك الخطة نجاحا حتى الآن. بل تم شل الصلات الاقتصادية المربحة التي كانت قائمة بين مديرية دنقلا ومصر، بينما لم تزدهر معاملات المديرية التجارية مع الخرطوم. وأثبتت صفوف جمال القوافل الممتدة التي تسير يوميا من كرمة إلى وادي حلفا على الخط الحديدي المنزوع في طريقها لمصر أن محاولة إجبار الناس على سلك طريق تجاري معين تحدده الحكومة أمر يفتقر إلى العلمية.

التربة والزراعة Soil & Agriculture

لابد أنه سيكون للمنطقة مستقبل زاهر مع قدوم سكان آخرين إليها، لهم قدرة أكبر على الكد والكدح من سكانها الحاليين، إذ أن تربة المنطقة هي أخصب تربة في السودان. غير أنه بسبب انخفاض مستوى الفيضان في السنوات الماضية، ولكسل أهالي المنطقة على وجه العموم، لا يزرع الآن فيها إلا شريط ضيق على النيل بين كريمة وأم بكول (على الشاطئين)، ومن أم بكول إلى دنقلا (على شاطئ واحد فقط). وفي بعض السنوات التي يكون فيها الفيضان عاليا، يمكن مقارنة المنطقة بين كريمة وأم بكول بالفيوم، أكثر من أي منطقة أخرى في مصر. غير أن المديرية تعرضت في سنتي 1913 – 1914م إلى تصحر وجفاف شديدين بسبب انخفاض ملحوظ في منسوب النيل.
وأهم المحاصيل التي تزرع في مديرية دنقلا هي الذرة والقمح والشعير والسمسم والتمور. وفي المواسم الجيدة قد يزرع الناس في دنقلا ثلاث محاصيل (مثل محصول الذرة سريع الحصاد، مع محاصيل أبطأ في النضج مثل القمح والشعير). وتنتج دنقلا تمرا جيد النوعية يعد محصول المنطقة الأول الذي يصدر لخارجها. كذلك ينمو نبات "السنامكي/ السنمكة" بصورة برية، ويصدر إلى كردفان وأسوان. ولا يقدر الناس في دنقلا إمكانيات أراضيهم الزراعية حق قدرها، وربما لن يفعلوا حتى يتم استبدالهم ويحل محلهم أناس مهرة يحبون العمل والكد مثل الفلاحين المصريين.
وتزرع أحيانا بدنقلا بعض الخضروات المحلية، وقد تجد أحيانا في مزرعة ما حوضا صغيرا لزراعة البطيخ. غير أن البطاطس، مثلها مثل الفواكه، منعدمة تماما. ولم أر شجرة فاكهة واحدة في سائر ارجاء المديرية غير شجرة برتقال واحدة زرعها الحاكم الإنجليزي في مروي. ولم تبذل مجهودات كبيرة لزراعة القطن، ذلك المحصول الذي تسعى الحكومة جاهدة كي تعمم زراعته في المناطق القريبة من الخرطوم.

الحياة الحيوانية Animal Life

تعيش في مديرية دنقلا بعض الظباء النادرة مثل الـ addax (يسمى في بعض المناطق مها أبو عدس)، والثعالب الرمادية الوسيمة الشكل، والغزلان. ويشاهد في المديرية أيضا نوع من الكلاب يسمى pariah dog يشبه الكلاب السلوقية ولكنه يختلف عما يراه المرء في مصر. وتوجد في بعض أجزاء النيل تماسيح، وهنالك أيضا في المناطق الصحراوية بعض التماسيح البرية (warena)، وهي في الواقع سحالي كبيرة الحجم. وقد تشاهد أيضا حَرَابِيُّ (chameleons) تتسلق حيطان المنازل بحثا عن الحشرات.
كذلك توجد أنواع جيدة من الجمال في دنقلا. ويباع أوبارها كمصدر للدخل، وتصنعه منها كثير من الأدوات للاستخدام المنزلي. وكان هنالك في مديرية دنقلا قبل نحو عشرين عاما نوع مشهور من الخيول يسمى "الخيول الدنقلاوية"، غير أنه لم يعد موجودا الآن، ويندر أن ترى رجلا في هذه المديرية يمتطي حصانا. وتكثر في المديرية الحمير بصورة لافتة. غير أنها في حالة بالغة البؤس إذ لا يحسن الناس هنا رعايتها ومعاملتها. وتكثر هنا أيضا أعداد المعز، مقارنة بالأبقار التي تستخدم في السواقي، ويندر أن تذبح من أجل لحومها. وما تقتات به المعز هنا هو لغز من ألغاز السودان المحيرة. ففي كل صباح تخرج قوافل المعز إلى الصحراء كي تبحث عن طعامها وتعاد عند مغيب الشمس. وتظل تلك الحيوانات رغم اشكالها البائسة وجوعها البائن على قيد الحياة بفضل الشجيرات الشوكية المنتشرة في الصحراء، وتنتج لبنا قليلا كريه الطعم. وتمتلك كل عائلة تقريبا عددا من الدجاج، وتبيع ما تنتجه من بيض في السوق، حيث كانت تباع في شتاء 1913 – 1914م الدستة بمبلغ يوازي خمس سنات أمريكية. بينما يباع الخروف بمبلغ يتراوح بين 60 سنتا ودولار ونصف تقريبا.
أما الحيوانات الأكثر ضررا في المديرية فهي العقارب والنمتي والنمل الأبيض (الأرضة). والنمتي حشرة صغيرة مزعجة تغزو المنطقة بين دلقو وكورتي في فصل الشتاء (بين نوفمبر إلى أبريل)، وقد تؤدي عضتها إلى إحداث ارتفاع طفيف في حرارة الجسم. إلا أن الضرر الحقيقي من حشرة النمتي يكمن في الضيق والازعاج الذي تحدثه عندما تتسلل للأنف والأذن والشعر والفم. وليس لإزعاج النمتي من علاج غير مداومة الحركة. ومن حسن الحظ أنها لا تنشط إلا في النهار، خاصة عندما تسكن الريح.

السكان The Inhabitants

لعل أكثر ما يثير دهشة الزائر لمديرية دنقلا هو سكانها وليس مناظرها الجميلة. ويمثل أهالي المنطقة جغرافيا وفيزيائيا، وعلى وجه العموم، الصلة بين الزنوج الخلص في الجنوب، وبين المصريين في الشمال. ويمكن تصنيف هؤلاء الناس أثنوجرافيا على أنهم "نوبة" أو "برابرة". وهم أصغر أحجاما من المصريين وألوانهم أكثر قتامة منهم، إلا أنهم ليسوا سودا، رغم أن شعر الكثيرين منهم مجعد وقصير مثل شعر الزنوج.
وتجد في المديرية نوعين من الأهالي الرحل، يبدون جميعا أقل "زنجية" في أشكالهم. فهنالك القوم الذين يعيشون على شاطئ النيل ويسمون "القراقيش"، وهنالك أيضا الذين يعيشون في الصحراء من البشارين والهواوير والكبابيش والشايقية. ويتكلم الجميع تقريبا في المنطقة اللغة العربية رغم أنها ليست لغتهم الأم. وينطق سكان المنطقة بين وادي حلفا إلى كرمة بلغة النوبة المحس، بينما يتحدث الأهالي بين كرمة وكريمة لغة الدناقلة.
وبسبب فشو تجارة الرقيق في المنطقة قديما لا تزال توجد هنا أعداد كبيرة من هؤلاء المسترقين (السابقين) منهم زنوج خلص، وآخرين هجين بين الزنوج وغيرهم. وبالإضافة لهؤلاء يوجد كذلك بعض الأتراك والأغاريق والمصريين، وربما بعض العرب الخلص.
ولاحظت أن كل رجل حر في المنطقة يزعم أنه من دم عربي خالص. غير أني لم أر أي دليل على ذلك. فصحيح أن العرب قد استولوا على شمال السودان دون أن يقضوا على السكان الأصليين في المنطقة، وبدون أن يحلوا لغتهم العربية محل ما كان موجودا من لغات محلية. وخلافا لعاداتهم التقليدية، قام هؤلاء العرب بالزواج من النساء المحليات وأفلحوا في تغيير ما كان عند الأهالي من دين وتقاليد وأعراف. وبالفعل بدأت اللغات القديمة بالمنطقة في الاندثار.

الملابس Dress

يلاحظ المرء عند قطعه للصحراء التي تفصل "أبو حمد" عن "وادي حلفا"، وعلى الفور، اختلافات عادات الأهالي في هذه المناطق مقارنة مع ما هو موجود في مصر. فخلافا لما هو مشاهد في مصر، لا تغطي النساء وجوههن عند رؤية الرجال، ولا يرتدين الحجاب. وترتدي نساء هذه المنطقة من السودان الملابس البيضاء، بينما تقتصر نساء فلاحي مصر على السواد. ولا ترتدي النساء جنوب الخرطوم الملابس إلا على سبيل الزينة، غير أن النساء في مديرية دنقلا يرتدين، ورغم الحر الشديد، ملابس تشبه ملابس نساء الفلاحين المصريين. فالمرأة الفلاحة ترتدي ملابس داخلية (سراويل تحتية drawers) تشبه تلك التي يرتديها الرجال. وتضع فوق ذلك قطعة كبيرة من قماش قطني تربطه في وسطها فيبدو مثل التنورة (skirt). وقد تضع أحيانا قطعة أخرى من القماش حول كتفيها لتكون ما يشبه البلوزة (blouse). أما امرأة الفلاح المصري، فتصر دوما على أن تضع على رأسها قطعة من القماش يمكن أن تجذبها للأسفل لتغطي وجهها عند رؤية رجل أجنبي عنها، وتحرص أيضا على كمال تغطية كامل رأسها وذراعيها ويديها. ولا تمارس أي من أتكيت وجماليات niceties الملابس تلك عند نساء دنقلا.
أما صغار الفتيات فيرتدين تنورة من السيور الجلدية يبلغ طول الواحدة منها نحو 10 إلى 12 بوصة، تربط جميعها بحبل يشد على الحقو (منطقة الوسط). ويمكن للفتاة أن ترتدي فوق ذلك "الرحط" ما تشاء، وقد تكتفي به دون زيادة. ولا يرتدي الصبية في ذات العمر غير قطعة من القماش تغطي عورتهم. أما الصغار من الذكور والإناث فلا يرتدون شيئا البتة غير أساور أو تعويذات (charm) يعلقونها علي أعناقهم لدرء خطر العين أو المرض.
وتضفر الفتيات شعورهن إلى مئات الجدائل الصغيرة، تماما كما كان يمارس في المنطقة منذ أكثر من 4000 سنة. وتستخدم كل النساء (المتزوجات وغيرهن) زيوت الشعر بإفراط شديد، وكثيرا ما تشاهد الزيت يقطر على أكتافهن عند اشتداد الحر. وهن مغرمات بالحلي، فتراهن يضعن قلادات الذهب والفضة ، وخرز الزجاج، والكهرمان أو العاج. ويضعن أيضا حلقات على آذانهن وأنوفهن، وقد يثبتن أحيانا حلقة معدنية مسطحة على جباههن. ويضع الرجال تعاويذ (أحْجِبَة) حول الذراع أو فوق العنق، تحتوي في الغالب على كتابات "سحرية". ويعتقد هؤلاء بأن "حجابا" واحد يكفي للحماية من كافة الشرور، إلا أنه ليس ثمة ضرر من ارتداء العديد من تلك الأحجبة في وقت واحد. ورأيت بنفسي رجالا من الأهالي يضع الواحد منهم نحو 10 إلى 15 حجابا حول جسده.

حياة الناس The Life of the People

يعمل الأهالي، إن وجدوا من يحفزهم على العمل، بصورة معقولة وكافية. غير أنهم، وعلى وجه العموم، لا يميلون إلى الاجتهاد الشديد في العمل. وهم يتميزون بمهارة وبراعة كبيرة في الأعمال الميكانيكية، كما هو مشاهد عندهم في صنع قماش الدمور والسلال الزاهية الألوان والحلي ذات الذوق الرفيع. وعرف عن الرجال سيرهم على الأقدام لمسافة 200 ميلا من أجل الحصول على عمل لا يدر أكثر من 15 سنتا في اليوم. غير أن هذا لا يتم إلا تحت ضغط الحاجة الملحة. وسألت أحد الرجال عن سبب تركه لعمل كان يدر عليه مبلغ 17.5 سنتا في اليوم (وهو أكبر مبلغ يتقاضاه في حياته)، فأجاب بأنه لا يستطيع العيش على ذلك المبلغ، لذا آثر ان يظل بلا عمل! ويشتغل المرء هنا، وبلا استثناء تقريبا، لجمع ما يكفيه لعدة أيام قادمة ثم يتوقف عن العمل حتى ساعة نفاد ما جمعه من مال فيستأنف البحث عن عمل جديد، وهكذا دواليك. وتكفي 15 سنتا في اليوم لمقابلة الاحتياجات الأساس لعائلة صغيرة، ولكن ليس أكثر من ذلك. وعندما يكون فيضان النيل منخفضا (مثلما حدث في 1913 – 1914م) تتعرض المنطقة بأسرها للمجاعة والسغب. فقد مات كثير من الناس ونفقت معظم البهائم في تلك الفترة جوعا. وأضطر الرجال لترك زوجاتهم وأطفالهم وهاجروا لمناطق بعيدة بحثا عن العمل. غير أن قلة قليلة من هؤلاء الرجال كانوا يرسلون لعائلاتهم ما يقيم أودهم، ولعلهم نسوا من خلفوهم وراء ظهورهم. ورفض، للأسف، كثير من "أغنياء" المنطقة من الذين كانوا يحتفظون بكميات معقولة من الذرة تقاسمها أو حتى بيعها لغيرهم بأثمان عالية، ربما أملا في ازدياد الطلب وارتفاع الأسعار حتى موعد الفيضان التالي. وقامت الحكومة بما تستطيع القيام به من غوث للسكان، فقررت مبلغ 7.5 إلى 10 سنتا في اليوم للرجل والمرأة، واشترت كميات معقولة من الذرة وباعتها للأهالي بمبالغ قليلة، وفي بعض الأحيان وزعتها مجانا للسكان المعدمين. ورغم ذلك كانت النساء والأطفال أكثر الفئات تضررا من تلك المجاعة. وقال لي طفل من هؤلاء أنه، مثله مثل الكثيرين، لم يعرف أبدا طوال حياته للشبع طعما.
ويعد السودان من البلدان التي لا يزال الرق يمارس فيها بصورة رسمية. ورغم أن الحكومة كانت قد قامت بإلغاء تجارة الرقيق رسميا بعد سقوط دولة الخليفة عبد الله، وسنت بعض القوانين والنظم والأحكام في ذلك الشأن، إلا أن ما تعارف عليه الناس هنا من أن ولد من كانت مسترقة فهو رقيق أيضا لا يزال ساريا حتى اليوم. ومن شأن ذلك التقليد بالطبع أن يمنع تناقص أعداد المسترقين في المديرية. ومن عجب أنه يصعب للأجنبي مثلي أن يفرق بين المسترق و"سيده"، لا في الشكل الخارجي ولا في مستوى المعيشة المتدني عند كليهما. وبصورة عامة يعمل المسترق في حقل "مالكه" دون مقابل، ولكن قد يرسل أو يسمح له بأن يعمل في أي مكان آخر ليحصل على دخل يقتات منه، على أن يعطي "سيده" نصف ما يكسب أو أكثر من ذلك قليلا.
ويتم تزويج الفتيات وهن في سن صغيرة، تماما كما هو الحال في مصر. ويختار الأب أو الأم زوج الفتاة دون مشورتها. وعادة ما تختار العائلة الشاب الذي يكون بمقدور عائلته أن يدفع أكثر. وكما هو الحال في مصر، يقدم أهل العريس بقرة أو جاموسة (أو ما يعادل ثمنهما) لأهل العروس. وبالنظر إلى أن المرأة تعمل في الحقول وتنتج وتكسب عائلتها مما تنتج، فمن المنطقي أن يقوم أهل العريس بتعويض أهل العروس عما سيفقدونه بزواج ابنتهم التي ستنتقل لعائلة أخرى.
وتفضل معظم العائلات أن يكون المولود الأول ذكرا، وأن يكون المولود الثاني أنثى. ولخص أحد رجال الدنقالة الأمر برمته في كلمات قليلة: "الولد يكلفك مالا، بينما البنت تجلب لك مالا". وكلما كثر عدد الأبناء والبنات في العائلة كان ذلك مدعاة لسعادة الأبوين. ورأيت في دنقلا رجلا له من البنين ثمانية عشر، وكان محسودا من كان حوله من الأهالي.

التعليم Education

غالب سكان مديرية دنقلا لا يقرأون ولا يكتبون. وليست لدى معظمهم الرغبة في معرفة ما يدور خارج قراهم. وحتى إن توفرت تلك الرغبة، فليس هنالك من أحد يطيق ثمن الصحيفة. ويلتحق بعض أبناء المتيسرين ماديا بالمدارس الحكومية القليلة المتوفرة، إذ أن بمقدورهم خسارة "الأيدي العاملة" المجانية التي يوفرها أولئك الأطفال. وزرت في أحد الأيام مدرسة من تلك المدارس التابعة لمصلحة المعارف، والتي كان يقوم عليها مدير إنجليزي يقوم بزيارة سنوية لكل واحدة من مدارس البلاد. ووجدت أن تلك المدرسة تؤدي عملا رائعا. ويمكن إدراك شيء عن مستوى التعليم في السودان عموما عند معرفة أن مستوى "الرياضيات العليا" التي كانت تدرس في كلية غردون لا تختلف كثيرا عن مستوى الرياضيات التي كانت تدرس في أفضل المدارس الثانوية في الولايات المتحدة. وهنالك رغبة جامحة عند الناس هنا في طلب العلم. وللتدليل على ذلك أذكر هنا مثالا لضابط مصري عظيم عين مأمورا في أرقو، وكان من أسرة راقية متعلمة تتحدث العربية والانجليزية والفرنسية. وأراد ذلك الموظف المصري أن يستقيل من وظيفته والاستفادة من معاشه في تعليم ابنته في القاهرة. وكان قبل ذلك قد أدخل ابنته – بتصريح خاص - مدرسة محلية للأولاد في البلدة، ولم يكن سعيدا بذلك. غير أني لاحظت عند ذلك الضابط المتعلم جهلا عجيبا بجغرافية العالم. فقد حاول وهو يتحدث معي ذات يوم أن يوضح أمرا ما، فقام برسم خريطة للبحر الأبيض المتوسط وبريطانيا وأمريكا. وأظهرت الخريطة التي رسمها الرجل أن أمريكا جزيرة صغيرة ، وأن نيويورك تقع على ساحلها الغربي. وفهمت منه أنه يعتقد أن المزارع الأمريكي يعتمد على الزراعة المطرية ولا حاجة له بالانشغال بالري. ورفض الرجل في إصرار عجيب أن يصدق صحة ما عرضته عليه من صورة لمبنى ووللورث (Woolworth building) في نيويورك والذي يناطح السحاب!

[email protected]


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 1942

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1343081 [السماك]
0.00/5 (0 صوت)

09-20-2015 11:28 AM
مرة أخرى لك الشكر يا أستاذ الهاشمي .. ونسأل الله لك التوفيق والسداد وإتحافنا بكل ما هو ثمين وقيم من تاريخ وسوشيولوجيا بلادنا ..

[السماك]

#1342679 [مسافر]
0.00/5 (0 صوت)

09-19-2015 07:35 PM
قتباس:(قال لي طفل من هؤلاء أنه، مثله مثل الكثيرين، لم يعرف أبدا طوال حياته للشبع طعما.. ) يعني يا جماعة حكاية الجوع دي (إندنا) من زمان.. شايلين حس الانقاذ ساكت....

[مسافر]

#1342183 [مراقب]
0.00/5 (0 صوت)

09-18-2015 09:34 PM
ومن عجب أنه يصعب للأجنبي مثلي أن يفرق بين المسترق و"سيده"، لا في الشكل الخارجي ولا في مستوى المعيشة المتدني عند كليهما.
دة حكاية شقي الحال الوقع في القيد.لم تكن تجارة الرقيق تفرق بين القبائل.

[مراقب]

#1342161 [جمال علي]
0.00/5 (0 صوت)

09-18-2015 08:58 PM
وتجد في المديرية نوعين من الأهالي الرحل، يبدون جميعا أقل "زنجية" في أشكالهم. فهنالك القوم الذين يعيشون على شاطئ النيل ويسمون "القراقيش"، وهنالك أيضا الذين يعيشون في الصحراء من البشارين والهواوير والكبابيش والشايقية. ويتكلم الجميع تقريبا في المنطقة اللغة العربية رغم أنها ليست لغتهم الأم. وينطق سكان المنطقة بين وادي حلفا إلى كرمة بلغة النوبة المحس، بينما يتحدث الأهالي بين كرمة وكريمة لغة الدناقلة.
تعليق:
لعل الكاتب يقصد قبيلة (القراريش) و هي قبيلة يقيم ألإرادها في شمال دنقلا العجوز و بعض أنحاء دنقلا العرضي و مناطق المحس و حلفا.

[جمال علي]

#1342100 [بدر الدين حامد الهاشمي]
0.00/5 (0 صوت)

09-18-2015 04:55 PM
القراريش
وليس "القراقيش" كما ورد هنا

[بدر الدين حامد الهاشمي]

#1342076 [الوجيع]
0.00/5 (0 صوت)

09-18-2015 03:28 PM
هذا الجلف الامريكى لم يخف تحيزه وعنصرية الغربيين عموماوتعاليهم وازدرائهم للشعوب الشرقية عامة والمسلمين منهم بصفة خاصةفمن يقرأ مذكراته بتمعن سيجد الكثير من التناقض والعجز على الارتكاز على راى واحد للموضوع الواحدويبدوا انه لم يبذل كثير جهد فى عمله انظر كيف انه راى نقوش تذكارات الجنود البريطانيين وغض الطرف عن تلك الكنوز الاثرية النوبية الموضوعة بجانبها وعلى الطبيعة ثم يتكلم عن خصوبة الاراضى وكسل السكان ووجوب استبدالهم باخرين اكثر نشاطا ويناقض ذلك بالحديث عن براعتهم المكانيكية فى الصناعات اليدوية فهل هم صناع ام زراع اساسا؟ويتحدث عن زواج العرب بنساء النوبة بينما يتغاضى عن زواج النوبى بالعربية والمعلوم ان النوبيين والى عهد قريب لم يكونوا يزوجون العربى الا من رقيقهم لانهم كانوا يرونهم اقل مرتبة منهم لكونهم اصحاب البلد وسادتها والعرب غرباء عنها ثم يقول انه لم يتمكن من التفريق بين الرقيق وسيده لا فى الشكل ولا فى مستوى المعيشة ففيم الاسترقاق اذا ؟اما القبيلة العربية التى سماها (بالقراقيش )فهم القراريش وهم من العبابدةالقادمين من الصحراء الشرقية و سيناء وفى حقيقه الامر لم يكن العرب ملاك اراضى فى دنقلا فهم ليسوا اهل استقرار وزراعةوكل الاراضى النيلية والمجاورة لاتزال مملوكة للنوبيين منذ الازل ولا توجد اراضى للعرب على ضفتى النيل اوافرعه الموسمية اما الان فلن تستطيع التفريق بين من هو عربى او نوبى الا ما ندر فهناك اقلية ما تزال تتكلم النوبية الا ان ذلك لم يمثل عقبةفى تصالح الجميع متشاركين الارض والتراث واللغةوالدين ولا احد يهتم باصل او فصل او نسب .

[الوجيع]

ردود على الوجيع
[abushihab] 09-18-2015 06:25 PM
لقد قرأت ترجمة الاستاذ الهاشمي وعليه يشكر اما الكاتب لويس وست, فهو لست بمؤرخ ولا عالم اثار بل هو لص آثار كلصوص الآثار الذين سرقوا الآثار النوبية ليس الا. ولك تحياتي.


#1342044 [محمد عثمان سناده]
0.00/5 (0 صوت)

09-18-2015 02:28 PM
شكرا الاستاذ الهاشمى على اهتمامك بنبش تاريخنا المنسى الذى لم يذكره السوانيين المعاصرينن لذلك الذمن كانهم لايعرفون الكتابه فعلا نحن شعب بلا ناريخ

[محمد عثمان سناده]

ترجمة : بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة