المقالات
السياسة

09-22-2015 12:46 PM

هجرة النوبيين
تأليف:حسن دفع الله ترجمة :عبد الله حميدة
عرض:إسماعيل آدم محمد زين
قرأت هذا الكتاب لأول مرة و بلغته الأصلية – الإنجليزية وقد أعارنيه عمنا /محمد علي عبد الرحمن وهو إداري شارك في عملية ترحيل أو هجرة النوبيون إلي وطنهم الجديد في وسط السودان وقد حكي لي بعضاً من المشاكل التي جابهت إختيار الموقع والتي شارك فيها المواطنون من أهل حلفا وفقاً لمفهوم ما زال جديداً حتي في وقتنا هذا !! ونسبة لقيمة الكتاب فقد عزمتُ علي ترجمته و عرفتُ لاحقاً بأنه قد تُرجم و مرةً أُخري ينفحنا إداري خبير وهو محمد علي الكليس النسخة المترجمة و قد أعدتُ قرأءتها. وقد وجدت الترجمة ممتازة و بلغة رصينة و أمينة و عجبتُ لم لم يواصل الأستاذ /عبد الله حميدة الترجمة ليتحف المكتبة السودانية بنفثاتٍ أُخري لليراع.
قدم للكتاب إيان كنيسون و لا أجد أفضل مما خطه في هذا العرض،يقول عن حسن دفع الله " كان عليه أن يقوم بإجلاء 50000من السكان و أن يعوضهم أراضيهم و نخيلهم و أن يتعامل مع معارضي التهجير و أن يواجه الوضع الناجم عن رفض المسئولين لنصائحه...و أن ينسق حركة 55 قطاراً بما في ذلك إجراء الإستعدادات اللازمة لحالات الولادة المتوقعة !" وأُضيف إليها "حالات الوفيات المتوقعة و المرض و المسنين وقد خصص عربةً في القطار كمستشفي و وضع نجاراً في خشم القربة لصيانة ما قد ينكسر من أسرة و أغراض منزلية أُخري أثناء الترحيل ! " و يا له من قلب كبير ! و أين منه من توعد السكان بإغراق كالفئران!" و يمضي " فإذا بمعرفته العامة تؤجج إدراكه و تعاطفه غير المألوف، و إذا بملاحظاته و ردود فعله تغدو ملاحظات إداري متحرر عالي الثقافة ... ذلك الذي يدس قطعة كفن في يد الموظف المسئول عن حركة القطارات تحسباً لموت أحد في الطريق إلي منطقة إعادة التوطين ! " و أضيفُ " لم يترك شيئاً للصدف فقد ولد طفل في منطقة أبي حمد و سماه والده حمد تيمناً بالشريف حمد بن السيد رافع جد الرفاعيين في مناطق واسعة بالسودان .
يواصل مقدم الكتاب عن حسن دفع الله و هو شقيق العالم النذير دفع الله – أُرومة طيبة بعضعا من بعض " والذي لا يصيبه الضجر إذا ما توقف القرويون ساعات لوداع أسلافهم الغابرين قبل أن يغادر بهم القطار...والذي يقتطع من زمنه جزءاً ليتأمل ما يكون عليه حال قرية من القري حين تخلو من الناس ...والذي يسجل بآلة تصويره إنهيار المنازل في غمرة المياه المندفعة..." و لكن في نهاية الأمر فإن القصة التي يرويها حسن دفع الله تثير أسئلة لافكاك منها حول الربح و الخسارة في عملية التهجير " و أضيف " مازال السؤال باقياً ماذا كسب السودان من سد إسوان العالي ؟ لماذا لم ترفض الحكومة بناء السد بذلك الحجم ؟ و لماذا لم نستفد من الكهرباء المنتجة مناصفةً ؟ ولماذا أُستبعد الخيار المحلي ؟ وهل هنالك بنوداً سرية في الإتفاقية ؟ هل هنالك إبتزاز ؟
يواصل السيد إيان " لقد ملأني هذا الكتاب شخصياً ببهجة عظيمةو أقنعني بأنه إذا كان لا بد من تنفيذ المهمة التي وصفها حسن دفع الله فإنه أو شخصاً آخر يماثله هو الإنسان المناسب ليتولاها و إنني لأرجو من الذين يديرون مشروعات مشابهة أن ينتبهوا إلي ما أنجز هذا الرجل و بأي الطرائق كان هذا الإنجاز"
أضيفُ متسائلاً " هل أحسنا الاختيار للمشروع المماثل في مروي ؟ "
أما المؤلف فيذكر في مقدمته للكتاب "عندما قررت مصر إقامة السد العالي عند إسوان، لفتت أنظار العالم بهذا المشروع المدهش تصميماً و حجماً و تكلفةً وفائدة ولكن آثاره الضارة علي أرض النوبة لم تسترع إنتباه أحد- فالبحيرة التي خلفها السد كانت ذات أثر مدمر علي كل النوبة المصرية و أمتد أثرها علي مسافة 150 كيلومتراً داخل السودان- ففي السودان إبتلعت مياه البحيرة سبعاً و عشرين قريةً بالإضافة إلي مدينة وادي حلفا وفقد 50000نوبي سوداني مأواهم و كل أراضيهم و نخيلهم و مقومات حياتهم أما في مصر فقد قدر عدد النوبيين المتأثرين (في القطرين) ب 120 ألف نفس"
و يمضي حسن دفع الله "بإعتباري مفتشاً لمركز حلفا ثم في وقت لاحق مسئولاً عن التهجير و عشتُ بين أبناء حلفا لمدة ستة أعوام شهدتُ خلالها المصير المفجع الذي آل إليه وطنهم و وقفتُ علي بناء منطقة إعادة إسكانهم ،فقد أُلقي علي عاتقي كل أمر يرتبط بالتهجير من كافة وجوهه المادية و العاطفية." توفي حسن دفع الله في سن الخمسين – ما كان لذلك القلب الكبير تحمل الفاجعة ! " و لأنني لم أجد ما يسعفني من السوابق فقد كان علي أن أعتمد علي خيالي و علي الحالة المعنوية للسكان. و إنطلاقاً من حقيقة أنني عشت بين ظهرانيهم مدة طويلة مكنتني من التعرف عليهم بصورة جيدة،فقد ساعدني ذلك كثيراً في تقييم مختلف الأوضاع و تحديد القضايا و اتخاذ القرارات."
تُري هل إستفاد أغرار الإنقاذ من تجربة ترحيل النوبيين التي كانت متاحة ؟ إنهم لا يقرأون و لا يسمعون !
تم ترحيل السكان و ممتلكاتهم في عام 1964م.
و حتي ندرك الروح السامية و النبل الذي تحلي بح حسن دفع الله علينا أن نستعرض شيئاً مما خطه – مع العلم بأنه توفي في عام 1974قبل طباعة كتابه هذا ! " و لتخفيف العبء خلال تلك الشهور الحاسمة، كان علينا أن نختار وقتاً للرحيل إلي خشم القربة – تكون فيه الظروف الإقتصادية للأُسر في أحسن أحوالها و يكون فيه النشاط الزراعي في أدني حالاته. وهذا ما ينطبق علي فترةوحيدة من العام تبدأ في نهاية إبريل و تنتهي في إكتوبرو هي الفترة التي تلي حصاد الموسم الشتوي مباشرةً " و يواصل
" بتاريخ 12 مارس – و بناءً علي طلب اللجنة (لجنة التوطين)، قمتُ بتقديم مقترحات للحصول علي عون إقتصادي لتمكين الأهالي من تجاوز المصاعب المتوقعة خلال الفترة الإنتقالية ما بين مغادرة وادي حلفا و حصاد أول محصول في الوطن الجديد- فهذه الفترة ستكون – بلا شك الأكثر حرجاً من بين كل مراحل إعادة التوطين"
سأعرض مثل هذه اللمحات الإنسانية المفعمة بالمحبة و الرحمة و روح المسئولية الكبيرة في حلقات إنشالله.وأختم مقترحاً الآتي:
1. إنتاج فيلم لتلك التجربة مروجاً للسياحة و عارضاً الحضارة النوبية و السودانية العظيمة و الإستقبال الذي وجده أهل حلفا و الهدايا التي قدمها المواطنون في كافة المحطات الكبيرة.نموذج نحتاج إليه لإحياء قيم المحبة و التعايش بين مكونات المجتمع.
2. الأخذ بنموذج توطين النوبيين في خشم القربة لإعادة إسكان بعض الراغبين من ولايات السودان في مناطق يتفقون عليها و برضاء أهل المناطق المختارة و جوارها.
3. إعادة تعمير شمالي البلاد و تحفيز الراغبين في الهجرة بإعفاءات من الضرائب و غير ذلك من رسوم.وهنا قد يكون مناسباً كحل لمشكلة المعاليا مع الرزيقات كخيار جيد- لتغيير نمط حياتهم نحو الإستقرار.
4. تكريم حسن دفع الله و إنتاج فيلم أو كتاب عن حياته كنموذج للإداري المبدع و المتجرد
5. إجراء أبحاث علمية حول تجربة النوبيين بخشم القربة و دراسة الآثار الإجتماعية و الإقتصادية و غيرهما.
6. دراسة أوضاع السكان الذين رفضوا الترحيل و تشجيع السياحة إلي تلك المنطقة
7. وضع إستراتيجية جديدة للطاقة تتجنب السدود الكبيرة مع اللجؤ للطاقة الشمسية و طاقة الرياح
8. إجراء تحقيقات صحفية تتناول قضايا حلفا القديمة و حلفا الجديدة و التعايش الذي حدث في منطقة خشم القربة و التغيير الذي حدث و غير ذلك من قضايا.


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1186

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1344478 [مراقب]
0.00/5 (0 صوت)

09-22-2015 10:25 PM
كنت صغيرآ أرعي البهائم مع أشقائي في طرف البحر في دنقلا.مرت أمامنا باخرتي الثريا. و هي من البواخر القوية.قطعت هاتين الباخرتين المسافة من وادي حلفا و إلي الخرطوم و هي رحلة طويلة.و يبدو أن الرحلة تمت في موسم الفيضان و إرتفاع منسوب النيل لذا تمكنت من العبور متخطية حواجز الشلالات.كنت أسمع صوت بكاء النساء و صراخ الأطفال و الباخرتان تسيران عند المغيب.
ظل ذلك الحدث عالقآ في ذهني.ثم وجدت كتاب هجرة النوبيين بعد سنين في مكتبة الملك عبدالعزيز في الرياض - فرع المربع.ترحمته أستاذة إسمها سمية علي ما اذكر.قرأت الكتاب كله.و علمت أن عملية الترحيل لم تكن مهمة سهلة أشرف عليها ها الإداري الفذ,دعك عن مرارة غرق الدار و ترحيل أهله.
الكتاب جدير بالقراءة و خاصة لفئة الإداريين.

[مراقب]

#1344471 [salama]
0.00/5 (0 صوت)

09-22-2015 10:04 PM
الرحيل المر

[salama]

#1344343 [الوجيع]
0.00/5 (0 صوت)

09-22-2015 03:19 PM
يشكر الاستاذ على المجهود الكبير ولكن يبدو ان حكوماتنا المتعاقبة لا تستفيد من اى دروس اوتجارب قاسية مر بها مواطنوهافلم يظهراثر ذلك على التجارب اللاحقةوسؤالك ما يزال قائما ماذا استفاد السودان من قيام السد العالى ؟ وما هو المقابل حيال التضحية الكبيرة التى قدمت ؟ بل ما هى اصلا الفائدة من توقيع اتفاقية مياه النيل برمتها و كذلك السكوت على احتلال حلايب فجميعها مجلبة للهوان والذل والاستكانة.... اما ما يتعلق بالمقترحات فيا ليت الدولة تاخذ بها نظاما وبوسائل مقبولة من السكان وهذا عكس ما تم فى حلفا حيث نزح اليهاالاف من داخل وخارج البلاد واحاطت الكامبات بها من كل جانب حتى ضاقت بهم ارضهم الجديدة وبدأوا بالهجرة المعاكسة مقدمين تجربة اخرى فى التضحية وكانما كتب عليهم تقديم التضحيات للداخل والخارج مع العلم ان قانون تهجيرهم حددلهم مساحات لمستقبل اجيالهم الا ان غياب الدولة والنظام شجع على تغول الاخرين على حقوقهم .

[الوجيع]

ردود على الوجيع
[إسماعيل آدم] 09-22-2015 11:49 PM
هنالك مشكلة أُخري ! و هي ضعف كوادر الإنقاذ مهنياً و إنسانياً و أخلاقياً و لكم أن تقارنوا بين حسن دفع الله و الكاروري مفوض سد مروي - هذا الشخص تحصل علي الماجستير و هو يعمل في تلك المهمة الخطيرة و بعدها تحصل علي الدكتوراة، بينما حسن دفع الله عكف علي تسجيل تجربته في كتابه الموسوم "The Nubian Exodus" و الذي ترجمه عبدالله حميدة.
كذلك من حيث التجربة حسن تم ترشيحه للوظيفة و هو في نهاية الثلاثينيات من عمره - بينما أغرار الإنقاذ إستلموا العمل في سد مروي و هم في العشرينيات و ليس لهم التأهيل الكافي لإدارة كافتيريا - لذلك لا نعرف الىن تكلفة سد مروي أو فوائده للبلاد و لكم أن تتخيلوا لم تشيد قناة للري ! بينما في سد خشم القربة كانت القناة تحفر في ذات الوقت مع بناء السد و تخطيط المشروع - سأعرض تكاليف السد و الترحيل بالتفصيل في وقت لاحق إنشا الله. مما يعني بان العمل تم في شفافية و بمسئولية.


#1344310 [Ahmed Abdelrahman]
0.00/5 (0 صوت)

09-22-2015 01:56 PM
اطالب برفع دعاوي قضائيةى متعددة ومركبة في المحاكم الدولية ضدهم بالضرر الذي لحق باهلنا النوبيين من قيام السد العالي وبحيرة النوبة ومافي حاجة مستحيلة مع المحامين الامريكان احسن تشوفو ليكم محامي امريكي كارب اتفقو معاهو ياخد حقو لمن تجي قروش التعويض طبعا هم البادين والبادي قالو اظلم اخدو حلايب بالقوة وبدون وجه حق وسبحان الله هم هسة بقولوا حلايب حقتكم قوو عينكم كلام التعاون والعلاقة الازلية المابخدم مصلحة دة سيبوهوا شوفوا مصلحتكم وين دي اراضي دولة وشعب

[Ahmed Abdelrahman]

ردود على Ahmed Abdelrahman
[إسماعيل آدم] 09-22-2015 11:52 PM
إقتراح معقول و هنالك سوابق حيث تحصلت إسرائيل علي تعويضات عن اليهود الذين قتلوا في ألمانيا النازية قبل إنشاء دولة إسرائيل ! و كذلك تحصل القذافي علي تعويضات من إيطاليا جراء الإستعمار الإيطالي.
يمكن للنوبيين رفع قضايا علي مصر في أميركا و أوروبا للتعويض عن الضرر المعنوي و النفسي .


تأليف:حسن دفع الله ترجمة :عبد الله حميدة
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة