المقالات
السياسة
مقدمة كتاب "السودان بعيون غربية"- الجزء الخامس بقلم دكتو الن
مقدمة كتاب "السودان بعيون غربية"- الجزء الخامس بقلم دكتو الن
09-27-2015 08:49 PM


سرني جدًا أن طلب مني الصديق، البروفيسور، بدر الدين حامد الهاشمي، أن أكتب مقدمةً للكتاب الخامس، من سلسلته القيمة، التي اختار لها، بتوفيقٍ كبير، اسم، "السودان بعيونٍ غربية". لقد ظللت أتابع، منذ سنواتٍ، بشغفٍ كبيرٍ، هذه الترجمات التي يقوم بها البروفيسور بدر الدين الهاشمي لكتابات الغربيين الذين ارتبطوا، بالسودان؛ سواء بالعمل فيه أثناء الحقبة الاستعمارية، أو من خلال الاهتمام الأكاديمي بمختلف شؤونه، أو من عبروه كالرحالة والمستكشفين، عبر القرنين الأخيرين المنصرمين. فبالنسبة لي شخصيًا، مثّلت هذه الترجمات، لهذه المواد المنتقاة بعناية، مستودعًا معلوماتيًا ومعرفيًا ثرًا، سدَّ فجواتٍ في تصوراتي العامة لتاريخ السودان، ولمختلف شؤونه واشكالاته.
كثيرًا ما أحسست أن تاريخنا، مليءٌ بالفجوات، وبالصفحات البيضاء المتروكة عمدًا، حينًا، وغفلةً، أحيانا أخرى. فكتابته، في ما أرى، تأثرت بسلطة عقلٍ جمعيٍّ قابضٍ، مسيطرٍ، مصابٍ برهابِ الاختلاف، وبنزعةٍ متأصلةٍ، سمتها الرئيسة، الانشغال بإرضاء الجميع. كما أن ذلك التاريخ كُتب، أيضًا، بشيءٍ من القصور المعرفي، سببه أننا لم نعرف التقاليد والمناهج العصرية الأكاديمية في كتابة التاريخ، إلا مؤخرًا جدًا. فكتابتنا للتاريخ التي تنطبق عليها أوصاف الكتابة العلمية المنهجية، لا تذهب إلى أبعد من منتصف القرن الماضي. ولذلك فإن هذه الترجمات المتنوعة ترفد تاريخنا، وأدبياتنا العلمية، في مختلف ضروب العلوم الاجتماعية والإنسانية، بروافد مهمة للغاية.
لربما أمكن القول، دون غلو، إن ما معظم ما كتبه المؤرخون السودانيون يتسم بكثرة الفجوات وبالخطية وبتجنب كل ما يمكن أن يكون مثيرًا للجدل. كما أنه لا يذهب في التحليل النقدي مذهبًا يشفي الغليل، أو يشبع نهم النهمين إلى المعرفة. فهو، مع استثناءاتٍ قليلة، أقرب ما يكون إلى عبادةٍ جماعية لأوثانٍ من التصورات الجمعية المبتسرة، أفرغت تاريخًا كثير التعقيد، جم التشابك، مكتنف بالالتباس، من معانيه. وهو تاريخ لواحد من أكثر أقطار الأرض تنوعًا. ولا يمكن مقاربة هذا التاريخ المتنوع، بصورة صحيحة، إلا بالنظر إليه من زوايا مركبة، متعددة. وتكفي الإشارة هنا، إلى أن أكثر ما درسناه في المدارس جعلنا نعتقد أن السودان شيء واحد متجانس، وأن تاريخه تاريخ واحد متجانس أيضًا. ولكن ما أن كبرنا واتسعت معارفنا حتى شعرنا بخطية linearity ذلك التاريخ المبتسر، بل وبفقره. ولا غرابة، فتلك التصورات الأحادية لتاريخنا تخلّقت في أزمنةٍ كان نور المعرفة فيها خافتًا، والحواضن الفكرية العميقة منعدمةً، أو ضعيفة التكوين، هشته. كما أن الغرض السياسي، في الأزمنة التي شرع فيها جيل الرواد من المؤرخين، كتابة تاريخ السودان، كان حاضرًا وبشدة. يضاف إلى ذلك أن الطائفية كانت مسيطرة وقتها، فوضعت طلائع المتعلمين بين فكيها الكبيرين المتمثلين في الخوف والطمع، فالتوت ألسنتهم وكذلك أقلامهم. يضاف إلى كل ما تقدم أن معرفتنا بالمناهج التحليلية النقدية المتكاملة، لم تستحصد إلا مؤخرًا جدًا.
من تلك الحالة غير المواتية، نشأت التصورات الجمعية التي ظلت تدغدغ المشاعر، ببطولات الأجداد، وبنبل مقاصدهم، على إطلاقها، توجهها في ذلك الطريق الزلق، مزاعم مبطنة عن نقاء تاريخنا من الشوائب. ولربما أمكن القول، إن الجميع ظلوا يعملون، بحسن نية، من أجل خلق شعورٍ وطني جمعي، تظلله حالة من الرضاء العامٌ. لكنه كان رضاءً عامًا زائفًا، في ما أزعم. لقد كانت تلك الحالة التوافقية مجرد توليفة جمعية جرت "فبركتها" في اتفاقٍ صامت. شاركت في ذلك الاتفاق الصامت مختلف القوى. وهكذا ترسخت استمرارية المتشكل القائم، غير المنتج، بكل عيوبه، وبكل تجنبه فتح الجروح النتنة الغائرة في بدن تاريخنا، وبكل عجزه الفضائحي، الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم من الضعة بين الأمم.
تمتاز هذه الترجمات، التي يقوم بها، بدأبٍ يثير الاعجاب، الصديق بدر الدين الهاشمي، بحسن الاختيار. فالمواد التي جرت كتابتها عن السودان بواسطة الغربيين، هي من الكثرة، بحيث يخطئها العد، إذ أنها كُتبت عبر مدىً زمنيٍّ تجاوز القرنين من الزمان. ولذلك، فإن اختيار ما يوافق حاجتنا منها، نحن السودانيين، ويستحق من ثم الترجمة، يحتاج إلى معرفة. وقد أكدت اختيارات بدرالدين التي ضمنها هذه السلسلة، القيِّمة الشيقة، سعة معرفته وعمقها. كما أكدت حسه التاريخي النقدي، رغم عدم تخصصه في حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية، فهو، من حيث التخصص، عالِمٌ في مجال الأدوية والسموم. وعمومًا، فإن المثقف المتكامل الجوانب، هو بالضرورة، من لا تقف معارفه في حدود تخصصه. بل إن المعرفة العابرة للتخصصات interdisciplinary أصبحت، مؤخرًا، ضرورةً لا معدى عنها؛ للمثقف وللأكاديمي، سواءً بسواء. فالنظر الشامل الذي يولد اسهامًا مفيدًا، لا يتأتى إلا بمعارف تتسم بقدرٍ معقول من التكاملية المعرفية.
من قراءتي للمواد المختلفة التي ضمها هذا الكتاب، وغيرها مما جرى نشره في الكتب الأربعة السابقة، لاحظت كيف أن اختيارات بدر الدين الحاذقة قد سدّت، بالنسبة لي شخصيًا، فجواتٍ في عديدٍ من المجالات المتعلقة بالشأن السوداني. فاختيار هذه المجموعة، التي أقدم لها هنا تنوّع بصورةٍ كبيرةٍ جدًا. وينطبق ذلك على المجموعات التي جرى نشرها في الأجزاء الأربعة التي نشرت من هذا الكتاب القيم.
شملت هذه المجموعة المنتقاة مواد كُتبت في مدى زمنيٍ طويل، امتد من بدايات القرن التاسع عشر، مرورا بالقرن العشرين، ووصولاً إلى عقدنا هذا في القرن الواحد والعشرين. كما أنها تنوعت أيضًا، من حيث انتماؤها إلى مختلف التخصصات العلمية؛ فبعضها ينتمي إلى التاريخ، وبعضها إلى الأنثروبولوجيا، وبعضها، إلى الاثنوجرافيا، وبعضها إلى العلوم السياسية، وبعضها إلى المذكرات الشخصية، وبعضها إلى أدب الرحلات. كما أن موضوعاتها تنوعت، هي الأخرى، داخل كل نظام معرفي، على حده. فبعضها تسجيل لتجارب بعض الغربيين ولملاحظاتهم عن السودان، وبعضها الآخر أوراق أكاديمية علمية محكَّمة نشرها أكاديميون غربيون متخصصون في الشأن السوداني. بل إن بعض هذه الأوراق العلمية، حديثٌ جدًا، جرى نشرها في السنوات العشر والنيف الأخيرة، التي انقضت من هذا القرن الجديد. كما ضمت هذه الاختيارات، أيضًا، مراجعات بأقلام غربية لكتبٍ عن السودان، كتب بعضها غربيون، وكتب بعضها الآخر سودانيون، ممن يكتبون باللغة الانجليزية.
بطبيعة الحال ليس كل ما كتبه الغربيون عن السودان صحيحٌ، أو دقيقٌ، أو محايدٌ، ولكن، رغم ذلك، فإن لكل ما كتبه الغربيون أهمية خاصة. فمن المهم جدًا أن ننظر إلى تاريخنا بعين الآخر، خاصةً عين الآخر الذي استعمرنا، ورآنا ندرج، خطوة، خطوة، في مدارج الحداثة. ومعلوم أن كتابات الغربيين، التي كتبت في الحقبة التي بدأوا فيها استكشاف مجاهيل العالم، خاصة القارة الإفريقية، قد اتسمت بكثير من المبالغات، بل واللامعقول. إذ عمدوا في بعضها، أو بعض جوانبها إلى الإثارة والتهويل، ربما، من أجل امتاع القارئ الأوروبي، الذي كان يحمل تصوراتٍ خرافية عن إفريقيا، وكان ينتظر أن يقرأ ما يمتعه، وما يتوافق مع تلك التصورات الغريبة، التي يحملها عن تلك العوالم، التي ظلت حتى ذلك الوقت، مجهولة لديه. فأطراف العالم البعيدة، بقيت، نتيجة لنقص المعلومات، ملفوفةً في غلالاتٍ كثيفةٍ من الغموض. ولم يكن ما قام به الغربيون في هذا المنحى، بدعًا من الأمر. فقد سبقهم إلى المبالغات والتهويل والغرائبية، الجغرافيون العرب، حين كتبوا عن بلدان، هي على مرمى حجرٍ منهم، كالسوان وإثيوبيا. ولقد أورد ألن مورهيد، صاحب الكتابين الشهيرين، "النيل الأزرق" و"النيل الأبيض": مدى امتعاض الأوربيين الشديد، من كتابات الرحالة "بروست" الذي سبقه بالكتابة عن إثيوبيا والسودان، لما اتسمت به من مبالغات، ومن لا معقول.
لكن، مع ذلك، تبقى كتابات الغربيين عن السودان بالغة الأهمية، كما تقدم القول، وذلك، لعدة أسباب. فمن المهم جدًا أن ننظر إلى تاريخنا بعين الآخر، غير المقيَّد بما يقيدنا نحن. فالعين الغربية، أو قل العقل الغربي، يمتاز بميز لا تتوفر لنا. وأعني هنا تحديدًا، نظرته إلى أحوالنا. وتعود تلك الميزة، في ما أرى، إلى الانفصال العاطفي لذلك العقل عن تجربتنا التاريخية. فالباحث الغربي لا يكون منتميًا إلى ما نحن منتمون إليه. ولذلك، فهو ليس معرضًا للانحباس في إطار التصورات المقيِّدة، التي تضعف الحس النقدي، وتدفع، تلقائيًا بالباحثين، للارتماء في مجرى تيار السائد. أيضًا، ينظر الغربيون إلى حالتنا وهم مرتكزين على تجربة حداثية سبقتنا بقرون. فالنظرة من جانبهم إلى حالتنا، تمثل إلى حد ما، نظرةً استعادية retrospective، يرون فيها، من منظور نقدي، أو تحليلي، جانبًا من تاريخهم، رغم اختلاف سياقهم التاريخي والثقافي عن سياقنا. هذا، في حين ننظر نحن إلى حالتنا، ونحن لا نزال غارقين في تلافيفها، ومنتمين إليها، ما يباعد بيننا وبين مقاربتها نقديًا، بالقدر المطلوب.
يزيد من أهمية هذا الجهد المقدر الذي ظل يقوم به، الصديق، بدرالدين الهاشمي، أنه يفتح باب الإفادة من المادة المكتوبة عن السودان، باللغة الإنجليزية، على مصراعيه. فكتابات البريطانيين، وغيرهم من الأوربيين، الذي ارتبطوا بالسودان، سواءً كانوا موظفين في الإدارة الاستعمارية، أو رحالة، أو مستكشفين، أو باحثين أكاديميين، بقيت منحصرةً، إلى حدٍ كبير، وسط قطاعٍ محدود من الصفوة السودانية في شقيها: الشق الذي يمثله الأكاديميون، والآخر الذي يمثله عامة المثقفين. فما يميز تراجم بدر الدين هذه، على غيرها، أنها تمنح طيف الأكاديميين والمثقفين، ومعهم عامة القراء، فرصة للاطلاع على الكيفية التي ينظر بها إليهم، وإلى شؤونهم وشجونهم، أولئك الغربيون. فهي تقدم للقراء من حيث هم، متخصصين، وغير متخصصين، مادةً معلوماتية وتحليلية واسعة الطيف، أجزم أنها ستغير كثيرًا من تصوراتهم، بما تمنحه لهم من فرصة لكي يروا كثيرًا من تاريخنا واشكالاتنا المزمنة تحت أضواء جديدة. ولقد أحسست، يقينًا، من قراءتي لهذه المادة، حجم المراجعات التي ينبغي عليّ اجراؤها لجملةٍ من تصوراتي القديمة. وأحسب أن ذلك سوف يحدث لكثيرين حين يقرأونها.

كتاب غنيٌّ وشيِّق

هذا الكتاب الذي بين أيدينا كتاب غنيٌّ بالمعلومات، وهو في نفس الوقت، كتاب شيق وممتع للغاية. فبعض مواده تحمل طابعًا سرديًا، يجعلها أقرب إلى الأعمال الروائية، خاصة أنها تحكي عن أحداثِ حقب سالفةٍ عادة ما يكون الفضول كبيرًا لمعرفة تفاصيلها. ولقد أجبرني هذا الكتاب، بسبب هذه الميزة، على قراءته، كله، في يوم واحد. تعرض المادة التي احتواها هذا الكتاب، جوانب عديدة، متباينة، من تاريخ السودان ومن قضاياه. فهي تضعها أمامك لتنظر إليها نظرة جديدة، تبعثها في ذهنك المعلومات الجديدة، أو الحقائق اللافتة للنظر، التي تقودك لأن تراجع ما لديك، مما عرفت سابقًا؛ فتصححه، أو تنقحه، أو تعمقه، أو ربما تدفعك لتسير في وجهة الخروج باستنتاجات جديدة كليًا.
من مائدة الباحثين الغربيين المعروفين في جمعية الدراسات السودانية العامرة، وهي مائدة لا يعرفها، ولا يتزود منها إلا المتخصصون، أورد بدر الدين، ضمن ما أورد، ترجمات لدراساتٍ لكل من جبرائيل واربيرج، وهيذر شاركي، وروبرت كريمر. وهؤلاء، جميعهم، باحثون أكاديميون، معروفون، أجروا العديد من الدراسات الأكاديمية عن السودان، وقاموا بنشرها في الدوريات العلمية، وفي الكتب. ولقد وفرت ترجمات بدر الدين هذه للقراء السودانيين والباحثين المنحصرين في إطار اللغة العربية وحدها، فرصة الاطلاع على هذا الإنتاج العلمي، الذي صدر بالإنكليزية. فورقة جبرائيل ورابيرخ، على سبيل المثال، وهو باحث إسرائيلي، التي تحمل عنوان: "حركة الإخوان المسلمين في السودان من الإصلاح إلى الراديكالية"، تقدم، في نظري، قراءة متميزة في تاريخ هذه الحركة وتقلباتها، وتقدم مادة علمية مختصرة ووافية، للتاريخ المتقلب لهذه الحركة. ورغم اعتماد الورقة على كتابات السودانيين في هذا المجال، ومنهم بعض المنتمين إلى حركة الإخوان المسلمين في مراحلها المختلفة، إلا أنها تقدم قراءة مختلفة، تتسم بحيادية كبيرة، وهنا تكمن أهمية ما يكتبه غير السودانيين عن السودان. ولا تقل قيمةً عن هذه الورقة، ورقةٌ أخرى لواربيرج، ترجمها الصديق، بدر الدين، تحمل عنوان: " الإسلام والدولة في سودان نميري". وهي من الأوراق التي تضمنها هذا الكتاب أيضا.
أما قصة اليوزباشي عبد الله ود عدلان، التي رواها للمفتش البريطاني جورج ريتشارد بريدن، بطلب من الأخير، فإنها تقدم معلوماتٍ غزيرةٍ عن الحقبة الخديوية، وصراع المهدية معها. كما أنها تلقي الضوء، بصورة مركزة جدًا، على انقسام ولاء السودانيين بين الخديوية وبين المهدية؛ أو قل، بين ولائهم للخديوية وبين شعورهم الوطني كسودانيين. فقصة اليوزباشي عبد الله ود عدلان تعكس، بجلاء شديد، ولاء عبد الله ود عدلان للحكم الخديوي، الذي أخذه بعد أخذ إذن أبيه سليل السلاطين، وهو شابٌ حدث إلى مصر، فجرى إلحاقه بفرع الموسيقى العسكرية.
شارك عبد الله ود عدلان في كل المعارك المشهورة التي خاضتها الخديوية في ارتيريا وإثيوبيا والصومال والسودان. فقد حارب الرجل إلى جانب غردون في حصار الخرطوم، كما حارب في كسلا، كما كان مشاركًا في حملة كتشنر، وشهد هزيمة محمود ود أحمد. هذا إلى جانب ما تقم ذكره من مشاركته في حروب الخديوية في كل من إريتريا وإثيوبيا والصومال. ولا أود أن أطلق أي حكمٍ قيمي على قصة اليوزباشي، عبد الله ود عدلان، بقدر ما أود أن أشير إلى أن قصته المدهشة توفر للباحث مادة ثرة تدفع إلى إعادة النظر في كثير من الأمور. وأقل ما يقال عن قيمتها، أنها تسهم في تفكيك الصورة الخطية linear للتاريخ السوداني، وتفتح الذهن على تركيبه وتعقيداته. فمن الملفت للنظر حقًا، أن السودانيين كانوا يحاربون بعضهم عبر الحقبة الخديوية، والحقبة الخديوية البريطانية. فهم قد كانوا على جانبي الصراع المتمثل في القوى الغازية والقوى الوطنية. فلقد انقسم الولاء السوداني، ولو جزئيًا، بين هاتين الجبهتين. فشهادة عبد الله ود عدلان هذه تؤكد وبجلاء شديد أن القوات التي غزت السودان كان السودانيون جزءًا لا يتجزأ من تركيبتها. بل مثلوا في كل المعارك التي دارت، ركائز هامة في القوات الغازية، وفي مختلف حروبها على كل الجبهات. ولربما تكون الفوائد المادية والمعنوية سببًا وراء تبديل هؤلاء السودانيين، الولاء الوطني، بالولاء للأجنبي. وربما يكون الشعور الوطني لم يكن قد تبلور بقدر كاف بعد، وبقيت الأمور مشتبهة وملتبسة، وفي حالة تشكُّل. ولربما يكون الولاء للحداثة أصبح يغلب على الولاء للانتماءات التقليدية، وربما، وربما. بصورةٍ عامة، تثير قصة ودعلان أسئلة وإشكالات كثيرة.
كتب المفتش الإنجليزي، جورج ريتشارد بريدن، الذي أخذ قصة حياة اليوزباشي عبد الله ود عدلان شفاهًا من فمه، ما نصه:
"ولقد حرصت على تسجيل مذكرات الرجل تماما كما نطق بها لسانه، ولم أتصرف بأي طريقة في أقواله حذفا أو اضافة، ولم أستوثق منها بالرجوع للوثائق ومضاهاتها بما كان متوفرا عندي من وثائق أو مذكرات رسمية. ولا بد لي هنا من تسجيل إعجابي بذاكرة الرجل المدهشة وحافظته القوية، وعدم تردده أو تلجلجه أو تلعثمه وهو يروي تاريخ حياته وكأنه يقرأها في يسر من صفحة كتاب أمام ناظريه. وآمل أن أكون بتسجيلي مذكرات هذا الشيخ الكبير قد حفظت للأجيال القادمة صفحة من تاريخ السودان والحياة فيه في سنوات مضت، وكثير من ذلك التاريخ الشفاهي قد ضاع مع رحيل جل من صنعوه أو عاصروا أيامه".
أيضًا من المواد الممتعة، والمفيدة جدًا، المقتطفات التي ترجمها الصديق، بدرالدين من رسالة دكتوراه للباحث العراقي ظاهر جاسم محمد، عن مساهمات السيد علي الميرغني، (1884 – 1968م) في التطور السياسي بالسودان. فهذه المقتطفات على صغرها تأتي بأبعاد وتفاصيل إضافية، في ما يتعلق بالصراع بين الختمية والمهدية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إضافة إلى عرض جوانب مهمة من سيرة السيد علي الميرغني.
أيضا شملت الترجمات المنشورة في هذا الكتاب مواد عن الرق المنزلي في القرن التاسع عشر، وأخرى عن الزار، وعن قبائل البجا والجندر، وعن الأغاريق في السودان، وعن الخرطوم القديمة، وعن نساء سنار، ونساء أمدرمان، وغير ذلك. الشاهد أن الكتاب متنوع جدًا، ويغطى نطاقًا واسعا في الشؤون السودانية المختلفة، الأمر الذي يجعله مستودعا معلوماتيًا للباحث في الشؤون السودانية المتشابكة، ومرتكزا غاية في الإفادة في توليد الأجندة البحثية الجديدة. يضاف إلى ذلك أن الترجمة اتسمت بأسلوب سهل وممتع، وبلغةٍ شديدةِ الوضوح.
أيضًا، اشتملت المواد المترجمة في هذا الكتاب على أوراقٍ وشهاداتٍ مختلفةٍ، عن الحقبة المهدوية، في فترتي حكم الإمام المهدي، وخليفته عبد الله بن محمد تورشين الملقب بـ "التعايشي". ولقد وجدت في كل ما كتب عن المهدية في عديد الأوراق والشهادات التي ضمها هذا الكتاب، زادًا معرفيًا جمًا. والمهدية، في تقديري، لا تزال أرضًا بكرًا تنتظر منا الأبحاث الموسعة المعمقة. أيضًا، مما لفت نظري في هذا الكتاب، دراسة عن قبيلة الحلاوين بالجزيرة، نشرت عام 1934 في "السودان في رسائل ومدونات"، بواسطة إداري بريطاني عمل في مديرية النيل الأزرق، وقتها. ولفتت نظري خصومات الحلاوين وحروبهم مع جيرانهم الكواهلة. الشاهد أن الصراعات والحروب القبلية السودانية، قلما نجدها في التراث المكتوب، بين أننا نجدها في التراث الشفاهي المتناقل. وفي هذا خطر كبير. فأجيال الرواة يغيبها الموت باستمرار، ما يجعل جزءا من تاريخنا عرضة للضياع. وما من شك أن تكون "شعبة أبحاث السودان"، أو ما سمي لاحقًا "معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية"، قد أجريا أبحاثا حفظت قسطًا معتبرًا من تراثنا الشفاهي هذا. غير أن توظيف المواد البحثية ونشرها على نطاق واسع، وتوظيفها في ما يخدم جهود رفع الوعي العام، وصياغة الثوابت القومية المشتركة، لا يزال، في تقديري متخلفًا.
هناك قصور واضح من جانب الأكاديمية السودانية، ومن جانب الحكومات السودانية المتعاقبة في ترجمة الآثار التي كتبها الأجانب عن السودان؛ سواء كانوا إداريين سابقين في الحقبة الاستعمارية، أو مستكشفين ورحالة، أو أكاديميين دارسين للقطر السوداني. ومعروف أن جامعة درم Durham بالمملكة المتحدة، تملك أكبر أرشيف عن السودان، خارج السودان. ولقد انحصرت الإفادة من هذا الأرشيف وسط بعض الباحثين السودانيين المتقنين للغة الإنجليزية، وحدهم. في تقديري، كان ينبغي على الحكومات السودانية المتعاقبة أن تخلق نسخة، معربة، موازية، من هذا الأرشيف يتم حفظها داخل القطر. ولكن، هل أنجزت الحكومات السودانية المتعاقبة شيئًا؛ أعني، أي شيء! حتى نطالبها بترجمة ذلك الأرشيف الثري؟
التهنئة للصديق بدر الدين الهاشمي بهذا الجهد الفردي الكبير، وهذا الاسهام المتميز في إثراء المكتبة السودانية بهذه السلسلة الرائعة، التي تسد، رغم المحدودية التي تكتنف المبادرات الفردية، عادةً، ثغرةً بينةً في المكتبة السودانية. وأهيب به ألا يتوقف أبدًا. إنه يقوم بعملٍ سيحفظه له التاريخ بأحرفٍ من نور.
أما أنت عزيزي القارئ، وعزيزتي القارئة، فإنكما أمام كتابٍ ممتعٍ غاية الامتاع، ومفيد غاية الفائدة. ولسوف ترون!

النور حمد
الدوحة أبريل 2015


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1274

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1346269 [بيرم]
0.00/5 (0 صوت)

09-28-2015 10:40 PM
تقديم رائع لترجمات الرائع دائما بروف بدر الدين...

[بيرم]

#1346247 [رشيد خالد]
0.00/5 (0 صوت)

09-28-2015 09:34 PM
- جهد مقدر من البروفيسور بدرالدين الهاشمي و يستحق الإحترام.
- لقد وجدت في بعض هذه الترجمات ضالتي من معلومات كنت أجهلها.
- نعم نحن في حاجة إلي تفكيك نظام تفكيرنا هذا الذي يسير في خط مستقيمLinearإلي نظام التفكير الدائري Radial thinking و هذا إسلوب العصر الحالي,إذا تشابكت الأمور و تعقدت. في مجال الإدارة مثلآ و هو تخصصي أصبح التنظيم يميل إلي التنظيم الدائري أو الشبكي Network بدل صورة التظيم التقليدي Scalar.أخذ الناس في الغرب يتحدثون عن الزمن الدائري و عدم خطية Non-linearity كثير من المسائل التي كان يعدونها خطية .نحن في حاجة إلي تعديل المعتقد Paradigmالذي نحمله و التصورات عن كثير من مسائل التاريخ و الحاضر المعاش حتي يمكننا مواكبة العصر الذي نعيش فيه.

[رشيد خالد]

دكتور النور حمد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة