المقالات
منوعات
الأركي : تطريز بالسعف الذهبي على صدر عبد السيد
الأركي : تطريز بالسعف الذهبي على صدر عبد السيد
09-29-2015 10:09 PM


1
عندما يتضامن القمر مع باسق النخل هناك على الرمال وتختلط ألوان الخضرة مع الذهب القمري، يستكين القمري بأعلى الغصون ولا تشم هناك غير عبير أنفاس الخضرة ورائحة الطين وتلك رائحة لها فعل المخدر لمدمنيها عندما تدخل إلى الرئات بلا إستئذان وتتمشى في مفاصل الناس مؤكدة لتلك العلاقة الأزلية بين جذور النخل وجذور الناس والحياة. في أمسية كتلك ، تسمع أصوات لواري مجهدة قادمة من بعيد كانت يومها تكافح لتشق طريقها عبر تلال الرمل العاتية حيث يعالجها "المساعدية" ب" صاجات" إما خففت من حنين اللوري فعبرأوزادت من أنينه فصبر مجاهدا يطلق بوقا غنائيا حنونا مؤكدا عزمه على بلوغ صنعاء وأن طال السفر. وفي مثل ذلك الليل ربما سمع الناس من بعيد "نقارة" تفتتح طقوس عرس جديد في قرية مجاورة أو ربما مادحين شعت أنوار رتائهم من بعيد :
صلاة في سلام على غوث الانام
مزيل الكرب طه إذا وافى الزحام
إذا ما في القيامة تجلى في النظام
إلهي بالعقاب وخلف من ملام
تقم يا خير مرسل لنا في ذا المقام
وربما حمل صدى النهر من بعيد زغرودة عابرة للموج وربما كان هناك صوت لصائح يستحث سير حماره "الحى الله والدايم الله" . ذاك خليط من رائحة الناس وأنفاس الحياة ونواتج العلاقة بين التراب والإنسان والتراب هناك هي الأصل وهي المآل الاخير للحياة مثلما التراب منشأ تلك الحياة فمن نخلة شابة في عيد لقاحها الأول ألى نخل منقعر.
2
"عرب ود عايد" هم احدي تلك الصور الناطقة النابضة بالحياة وتجديد خلاياها في تلك القرية ...قرية الأركي بلياليها الآسرة وروائح الطعام التي كانت تفوح من بيوتها. عبد السيد وجابر خمسين وعبد الكريم قدموا الى قريتنا من صحراء الهواوير التي أتى منها بنفس الطريقة الى مناطق قنتي ومنصوركتي النعام آدم ذات يوم فأشعل في ربوع الوطن رناته الحنونة معلنا انشاء امبراطورية اغنية الطنبور وانهمار أغاني الحب والحنين والصبابة في ذاكرة الوطن. من باديته جاء النعام إلى شاطيء النيل لتتلاقح أنامله المدهشة مع تجليات حسن الدابي وصبابات محمد سعيد وخدر محمود. ومجموعة عبد السيد التي استقرت نهائيا في قرية الأركي جاءت هي الاخرى لتعلن انشاء امبراطورية حب وعشق ومحنة للناس والنخل وقيم صناعة الحياة بنبض القلب وعرق الجبين وصفاء السريرة . هناك عاشوا في منزل بسيط يطل على قوز جميل ليس بعيدا عن بيت العم عبد الله ود عايد رحمه الله... أحد أعمدة القرية فسماهم الناس بأسمه "عرب ود عايد".
3
أؤلئك الرجال الثلاثة الذين الذين خالطوا سكان القرية ، كانوا وما زالوا عونا لهم في ادارة اقتصادهم المعيشي في رعاية النخل وبناء البيوت وفلاحة الأ رض وصيانة أملاك الذين ابتلعتهم الحواضر أو المدن البعيدة وحمل هموم الناس أفراحا وأتراحا. في الليل يتجمعون على "القوز" وهناك تر تخي أعصاب عناء الهار على صوت المزامير الآسرة...ينتقل صداها إلى السكان الذين يبدأون حينها طقوس الاستكانة لنسمة الليل العابرة في أحواشهم الواسعة.
تكريم عبد السيد الذي تم على يد شباب القرية من خلال قافلة طبية كبيرة ضمت عددا من المسئولين والقيادات الشبابية بالأركي جاء تجسيدا لقيم لقيم الوفاء والتسامح بين قبائل السودان واعلاء لقيمة أن هذا وطن يتسع للجميع وأن القلوب هي جنة المأوى قبل المكان. تلك أسس يجب أن تدرَّس في وطن تنتاشه الخطوب والقبلية الضارة.
في قريتنا التي تحولت بيوتنا فيها الأن إلى أطلال وغزاها الشوك والشجر الغريب ، نحتاج إلى مد أيادينا من بعيد لتتشابك مع أيادي عبد السيد ومجموعته بمعاولها وطواريها ومناجلها.
4
إن العم عبد السيد يدرك أحتفاء المولى سبحانه وتعالى بالنخل "والنخل باسقات لها طلع وجيد"...وهنا يتمدد النور القرآني المبارك ليحيل عبر سواعد عبد السيد ورجاله نخلنا العجوز إلى غيد حسان فما الجيد الا من خصائص الغادة ورابط أخضر بين قوام الحبيبة وقوام النخلة اللادن.
الدكتور فتح العليم عبد الله ود عايد جلس ذات يوم الى مجموعة عبد السيد وهم ينشدون بمزمارهم في هدأة الليل:
شقليق الصندل العند الخواجات
العساكر اتسلحوا وأخدوا المهمات
وأصبح السودان مسلِّم ست ساعات
يخبرنا الدكتور بعدها أنه علم بعد ذلك بسنين أن تلك كانت رواية ليوم أرسل فيه الانجليز باخرة لإنقاذ غردون وعلى متنها الضابط أستانلي ليتمكنوا من صد المناصير لمدة ست ساعات غير أن المناصير تمكنوا بعد ذلك من القفز إلى الباخرة وذبح الخواجة وأخذ الشفرة المعدة لانقاذ غردون وإرسالها إلى المهدي.
مجموعة عبد السيد إذن كانت مجموعة لصياة الناريخ عبر رواياتها الكامنة في بطون التاريخ الغير مدونة. تلك مجموعة آلت على نفسها أن تصون الحياة والتاريخ وأطلالنا العائدة .انها عائدة بلا شك لتصبح من جديد مرتعا للصواني والمديح والذكر الحكيم ما دامت هنالك قيم تكرم أمثال عبد السيد الذي جاء الاحتفاء به تطريزا بالسعف الذهبي على صدره.
إنه تطريز بالذهب عل صدر شراعان نيلية في قريتنا اسمهم "عرب ود عايد"



[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1305

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1347236 [محمد حسن فرح]
0.00/5 (0 صوت)

09-30-2015 02:03 PM
ماهذا!؟ ماذا تريد ان تقول!؟

[محمد حسن فرح]

د.عبدالرحيم عبد الحليم محمد
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة