المقالات
السياسة
تحت ظل عمامة الفاسدون في أنفسهم والمفسدون لغيرهم مكافحة الفساد حرث في بحر يا وزير العدل
تحت ظل عمامة الفاسدون في أنفسهم والمفسدون لغيرهم مكافحة الفساد حرث في بحر يا وزير العدل
10-05-2015 11:08 AM


نشرت صحيفة الراكوابة الإلكترونية تصريحا صحافيا، لوزير العدل السوداني بتاريخ الأول من شهر أكتوبر الحالي، قال فيه: (..... لايجوز إتخاذ إجراءات في مواجهة موظفي مكتب والي الخرطوم السابق في أعقاب تحلل المشتبه بهم من الثراء الحرام، وأضاف النور" وقد عرضت لجنة التحقيق التحلل ووافق المشتبه بهم فلا يجوز إتخاذ إجراءات أخرى فى مواجهتهم مرة ثانية").

من الذي قال هذا يا سيادة وزير العدل؟، وكيف ينتهي أمر من يزور في مستندات رسمية ويخون أمانة الوظيفة العامة ويشترك جنائيا مع غيره ليكتسب حقا عاما يعود عليه وعلى أسرته وخاصته بالنفع بهذه البساطة؟، تقول قولك هذا وقانون الثراء الحرام والمشبوه الذي أصدرته وزارة العدل، تناقض نصوصه على علاتها وعيوبها كل حرف صرحت به بشأن هؤلاء السُراق واللصوص وخائني الأمانة والمختلسون، الذين ولغوا في المال العام من رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم، وبان السحت على وجوههم قبحا، وباض وفرخ أمراضا مزمنة على أجسامهم المترهلة حتى عجزت العين من على البعد أن تميزهم أهمُ غُدُوِّا أم َرواحا.

بتصريحك أو بالأصح بقرارك الجازم هذا، لا يجوز اتخاذ إجراءات جديدة في مواجهة موظفي مكتب والي الخرطوم...إلخ. قد جعلت من هذه اللجنة محكمة جنائية مختصة بالنظر في الجرائم، وبالتالي وفقا لقرارك الذي قضى بعدم جواز اتخاذ إجراءات جديدة ضد المتحللين في جرائم فساد مكتب الوالي السابق على نفس الجريمة مرتين، طالما أنهم "تحللوا"!!، أي أرجعوا المال موضوع الجرم إلى خزينة الدولة، ويا دار ما دخلك شر، أليس هذا ما ترمي إليه؟.

وإذا قبلنا بمنطق التحلل المعوج هذا وإنه يعفي من يتحلل من عواقب أفعاله مهما كانت جسامتها وخطورتها، فلنا أن نسأل متى تحلل هؤلاء؟، هل تحللوا من تلقاء أنفسهم نسبة لأوبة ضمير غائب لم يكن يوما حاضرا فيهم، أم أنهم تحللوا بعد إفتضاح أمرهم؟، وأرجح الثانية وأبني عليها أفتراضي هذا، وأقول لك مطمئنا، إن بقرارك هذا أجدك قد خالفت صحيح الدين نفسه، ناهيك عن القانون الوضعي الذي له تدابيره الخاصة مع من يتعاون مع سلطات التحقيق معترفا بجرمه، وليس من بينها العفو المجان من عواقب الجرم بأي حال من الأحوال.

ألم يقل الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 33_34].
فقبول التوبة يا سيادة وزير العدل في دولة الشريعة مقرون ومشروط بـ قبل القدرة على المفسدين والظفر بهم، وليس بعد القدرة عليهم، وفضح فسادهم من قبل أجهزة الدولة.

بالطبع يا سيادة وزير العدل علينا أن نقر بأن للوظيفة الميري أحكامها، وخاصة إذا كانت تحت ظل عمامة الديكتاورية والشمولية، فقرارك هذا بطي صفحة هذه الجريمة الجسيمة ينسجم تماما مع توجهات دولة المشروع الحضاري، وذمة قادتها الفاسدون في أنفسهم والمفسدون لغيرهم.

ومن نافلة القول يجب علينا تذكيرك بكل تواضع بالقانون الذي حدد في نصوصه تحديدا نافيا للجهالة بأن المحاكم وحدها هي التي تصدر أحكاما تأخذ "حجية الأمر المقضي فيه"، وأنه لا يجوز محاكمة المدان أو الذي تمت تبرئته على نفس الجرم مرتين تحت ظل ذات الولاية القضائية، إذا كان قد صدر بحقه حكم بات ونهائي بالإدانة أو بالبراءة، وينطبق هذا التحديد على الجرائم الجنائية، حتى ولو اعتبرت قوانين الدولة الرسالية التي أنت وزير عدلها أن الفعل لا يشكل أي جريمة، فيمكن اعتباره فعلا جنائيا وفقا للمعايير الدولية بناء على طبيعة الجريمة نفسها والعقوبات المحتملة بحق من قام بارتكابها. فهل إختلاس وسرقة المليارات من أموال الشعب السوداني لا تعتبر جريمة حتى تقضي فيها لجنة لا معقب على قرارها؟.

فاللجان يا سيادة وزير العدل يتم تشكيها لأسباب عدة، والذي يهمنا منها في هذا المقام: هو تحريك المسؤولية الجنائية في حدود النصوص التي وردت بالدستور على سبيل الحصر، على أن لا يؤدي تشكيل هذه اللجان إلى الاعتداء أو المساس بحقوق المواطنين التي يكفلها الدستور. فهل فساد الأراضي الذي حدث في مكتب الوالي السابق لم يتأذى منه المواطنون اقتصاديا؟.

ولكي لا نهاجم السيد/ مولانا عوض الحسن النور وزير العدل الحالي بكلام إنشائي مرسل لا يقوم على ساق الحجة المفحمة والمنطق السليم، لابد لنا من إيراد بعض نصوص هذا القانون. وهو قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989، الذي ألغى القانون الذي سبقه مع الإبقاء على بعض اللوائح التي صدرت بموجب أحكامه، وهو قانون مكافحة الثراء الحرام لسنة 1983. مع إضافة كلمة المشبوه للقانون الجديد، وحسنا فعلت وزارة العدل هذا، لأن هذه الكلمة "مشبوه"، سيكون لها فعل السحر في المستقبل القريب الذي لاح سنا فجره، فما أكثر المشبوهين في دولة الفساد الذين سيقعون تحت طائلة القانون العادل، وليس اللجان.

والذي يدعم قولنا هذا، إن قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه قد حدد المحاكم للأفعال التي تخالفه، وليس اللجان بأي حال من الأحوال، حيث أوردت نصوصه الآتي: تختص المحكمة الجنائية الأولى أو أي محكمة أعلى أو تكون مختصة وفقا لأحكام أي قانون بنظر الجرائم التي ترتكب بالمخالفة لأحكام هذا القانون. انتهى النص.

بالرغم من الثغرات المعيبة التي جاءت في نصوص هذا القانون بمجمله، إلا أنه لم يشر إلى تكوين أي لجنة لتقوم مقام الشرطة والنيابة والمحاكم في مباشرة التحريات، ومن ثم تقديم المتهمين إلى عدالتها العرجاء، لأنه ببساطة نجد أن القانون المشار إليه قد تكلم عن إدانات ومصادرات وفصل من الخدمة وغيرها من العقوبات في حالة الإدانة، وهذه العقوبات الجنائية السالبة للحرية والمال لا تقوم بها إلا المحاكم، وليست من إختصاص أي لجنة حتى لو تم منحها سلطات قضائية جزئية تمثلت في إجراءات استدعاء الشهود والمتهمين وتوجيه اليمين وغيرها من الإجراءات القضائية لاستجلاء الحقائق.

فكيف يقر السيد/ الوزير بقرارات الذي سبقه وهو يعلم عوارها البين؟ ومن أي مرجعية أو سند دستوري جاء السيد وزير العدل السابق بهذه اللجنة وأجلسها مقام القضاء لتقضي بقضايا جنائية مكتملة الأركان والدوافع، والتي ساهمت بطريقة مباشرة في تدمير إقتصاد دولة بأكمله، لتفقر شعبها، وتجعله فريسة للعوز والفاقة والمسغبة.
ما أود قوله في الختام، ليس هذا تخذيلا لمجهودات السيد وزير العدل في مكافحة الفساد، فلكل مجتهد نصيب، إلا في دولة نظام الاخوان المسلمين التي قامت أعمدتها على الفساد والظلم، وأكل أموال الخلق بالباطل. المسألة يا وزير العدل الثائر أكبر بكثير من تحريك هذه القضية أو تلك، فالمأساة قد تجسدت في وطن بأكمله ليصبح مسرحا مفتوحا لكل أنواع الفساد منذ صرخة الإنقلاب المشؤوم الأولى، التي ذهبت بالترابي حبيسا، وأتت بالبشير رئيسا.
الصادق حمدين
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 643

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الصادق حمدين
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة