المقالات
السياسة

10-06-2015 09:00 AM

تقديم للجزء الخامس من "السودان بعيون غربية"
الدكتور السفير الخضر هارون

شرفنى البروفيسور بدر الدين على الهاشمي مؤلف هذا الكتاب بتقديم هذه الجزء الخامس من سفره القيم "السودان بعيون غربية" للقراء والقارئات. وقبل الدخول فيما طلب منى القيام به أود أن أعلق تعليقاً مقتضباً عن المؤلف وعن كيف تعارفنا وأحسب أن ذلك من صميم التعريف بكتابات البروفيسور الهاشمي: خاصية هي السر فيما أنتج حتى الآن من إنتاج غزير يعد من أفضل ما أثرى المكتبة السودانية ومن أحوج ما هي في الحقيقة في مسيس الحاجة إليه. والتعليق المقتضب الذى أود الإشارة إليه يتعلق بصفة هي من صفات العلماء وهى التواضع الجم الذى يجعل الكاتب صيادا للمعارف يلهث دوماً في طلبها لا يطفئ ظمأه كثرة ما كتب وما أنتج بل يضاعف إحساسه بغزارة المعارف التي لم يحزها فيطيل السفر ويضنى طاقاته بمزيد من الكد والمثابرة بل ويتمنى أن ينسأ له في عمره حتى يشفى غليله ويروى ظمأه من المعارف. والمحزن أن تلك غاية لا تدرك ومرتقى صعباً لا يبلغ المريء ذراه مهما فعل.
كتب إلىّ قبل أعوام خلت معلقاً ومقرظاً لمقالة لي نشرتها يومية (سودانايل الإلكترونية) وعنوانه الإلكتروني بها (بدر الدين على) هكذا حافة. فكتبت إليه شاكراً ظناً منى أنه أحد الأصدقاء والزملاء الذين أعرفهم من طاقم السلك الدبلوماسي والذى يحمل ذات الاسم. فكتب إلىّ مصححاً أنه شخص آخر. ولم يذكر (الهاشمي). وعندما كتبت ناعياً شقيقي الأصغر جعفر كتب إلىّ مواسياً مستفسراً عن رجل كان بائعاً متجولاً ايام طفولتنا في الخرطوم يبيع الجوافة .ولم ترد فيما كتب (الهاشمي) إلا بعد أن أهداني مشكوراً عدداً من كتبه المهمة التي تركها لي، فعلمت أنه المترجم المعروف الذى ظل مثابراً على الكتابة في الصحافة السودانية منقباً في بطون أمهات الكتب والدوريات المرموقة عن كل مفيد وعلمت حينها أننا ابناء جيل واحد بيننا مشتركات.
تكمن أهمية هذه السلسلة الذهبية "السودان بعيون غربية" في موضوعاتها فهي تروى جانباً مهماً من تأريخ السودان ومن جوانب في الشخصية السودانية لا يراها السوداني. ولقد اتفق وأنا أطالع مقالات هذه الطبعة الخامسة أنى كنت قد شرعت منذ حين في مطالعات مماثلة لكتابات لكتاب غربيين فاقتنيت كتاب "عصر البطولة في سنار" ل جيى اسبولدينق، و" رحلات بوركهارت فى النوبة والسودان" لجون لويس بوركهارت المترجم. ورغم أن كتابات الرحالة الغربيين تشتمل على مبالغات ترمى إلى التشويق والإثارة وقد أسهمت بذلك فيما أسماه إدوارد سعيد "صناعة الاستشراق" كما أنها مع تطور علم الإنسان لا يعتد بها كثيراً من الناحية العلمية ، إلا انها مفيدة من حيث أنها تعطى وصفاً على السطح للمجتمعات من حيث الظاهر من الثقافة كالمطبخ واللباس وإحياء الأفراح والأحزان والزينة وأدواتها و سحنات الناس وما على ذلك.
وعلى ذكر بوركهارت أود الإشارة إلى مقالة البروفسور الهاشمي عن "الأغاريق في السودان" فقد رصد بوركهارت عددا كبيراً من الكنائس اليونانية المهجورة في النوبة بعد أن حل الإسلام محل النصرانية هناك. وفرّق بوركهارت بين ملامح النوبة والزنج بالشعر والأنف رغم أن الفوارق في الألوان ليست كبيرة إلا أنه عندما اشار إلى أنوفهم قال إنها على الجملة مطابقة لأنوف الإغريق رغم أن الأنوف القوقازية المنتصبة توصف بأنها رومانية لا يونانية وربما دار بخلده أن اختلاطا قد كان بين النوبيين واليونانيين. وهذا دليل يؤكد في ظني صحة ما ذهب إليه " دين كالمون" في مقالة الهاشمي المترجمة . كذلك يسترعى الانتباه ما جاء في المقالة بأن ملوك النوبة قد استخدموا في بعض الحقب اللغة اليونانية كلغة رسمية ودينية أيضاً في كنائسهم. هناك إشارة هامة أيضاً لمستوطنات عربية في تلك الأنحاء من قديم ربما أجتذبها ثراء المنطقة من المعدن لا عجب فكلمة "نوبيا" مشتقة من "نوب" ومعناها الذهب : أي بلاد الذهب. ويكاد ينحصر إطلاق اسم " دهب" على الرجال في السودان على المنحدرين من منطقة النوبة. واستوقفنى أيضاً في تلك المقالة أن اللقب الذى كان يطلق على ملكاتنا (الكنداكة) Condace قد أصبح اسماً يطلق على النساء في أوروبا كسائر الأسماء النسوية. ولا غرو فقد جاء ذكره في الكتاب المقدس في "أعمال الرسل" في العهد الجديد عندما ذُكر أمين خزينة الكنداكة ملكة النوبة كأول لا يهودي يدخل النصرانية . وقد ذكر لي البروفيسور زكريا بشير إمام أن البعض استنادا إلى ملامح أبى الفلسفة سقراط يعتقدون أنه نوبي العرق. وفى كتاب البريطاني مارتن بيرنال "أثينا السوداء" حديث هام عن الجذور الإفريقية والآسيوية للحضارة اليونانية . وفى مقابلة له مع إحدى محطات التلفزة التي يديرها أمريكيون سود في الولايات المتحدة شاهدتها وكتبت عنها ,إشارات إلى أن أفلاطون ذكر أنه تعلم الهندسة والرياضيات في مصر وأكد أن مصر المذكورة تشمل بالقطع بلاد النوبة كما أن ملامح الفراعنة والتي عرضها في ذلك البرنامج لا تختلف عن ملامح المحس في صواردة وعبري وصاى. وعلى الجملة، فالسودان الممتد يومئذ حتى سنار كان جزءا من العالم القديم وكان سكانه أخلاطاً من أجناس شتى. ذكر بوركهارت أن حكام مصر لما أعياهم وقف غارات النوبة على مصر استنجدوا بالسلطان العثماني سليم الأول في القرن السادس عشر والذى أرسل فرقاً من مسلمي البوسنة للسيطرة عليهم فذابوا وتزاوجوا مع النوبة وما اسم "بوشناك" في تلك الأنحاء إلا بعض صدى لذلك التأريخ..
وقفت ملياً عند مقاله عن مواقف مهدى السودان من الرق وتحريره وهو ترجمة لما كتبه كيم سيرسى ومعارضته لما ذكره البريطاني "بيتر هولت والسوري "نعوم شقير" من أن الثورة المهدية قامت في الأساس احتجاجا على منع تجارة الرقيق مؤكدا بعد اطلاعه على منشورات المهدى أن الثورة كانت دينية في الأساس، وأن المهدى كان يعد الأرقاء بالعتق إذا انضموا للثورة. ويشير البروفسور محمد عمر بشير في كتابه "مسألة جنوب السودان" أن تجارة الرقيق كانت قد بدأت في الانحسار عند قيام الثورة المهدية وأن التذرع بإعادة فتح السودان كان محض ذريعة تتخفى وراءها المطامع الاستعمارية. هذا لا ينفى أن الرق كان واحداً من أعمدة الاقتصاد في السودان. وقد ذهلت للأفواج الكبيرة من الأطفال المختطفين التي كانت تجلب من مواطن الوثنيين السود وترسل لتباع كسائر السلع إلى خارج الحدود كما جاء في إفادات بوركهارت.
وعن دور السيد على الميرغني في تطور السودان السياسي ترجم المؤلف مقالتين من أطروحة دكتوراه لظاهر جاسم محمد اشتملتا على إضاءات هامة عن الرجل، ورغم أن ما جاء فيهما لم ينف تأييد السيد على الميرغني وطائفة الختمية المطلق للغزو الإنجليزي المصري الذى بدأ زحفه عام 1896 بالاستيلاء على دنقلا، إلا أن الكاتب أكد عدم صحة أن الرجل جاء جندياً في عسكر كتشنر بل أكد وجوده في سواكن عندئذ.
والكتاب الذى بين أيديكم يحتوي على كم هائل من المقالات المشوقة المفيدة عن ملاحظات الغربيين عن بلاد السودان فيما يتصل بالعادات وبوضع المرأة تصعب الإشارة إليها جميعاً كما ترون. فالكتاب القيم بين أيديكم.
وفى الختام لم استغرب أن البروفسور الهاشمي قد برع في الترجمة، وتخير من الموضوعات ما هو مفيد استنادا إلى تخصصه العلمي في الأدوية والسموم. وأحسب أن هذا التخصص الدقيق الذى يقتضى الحذر والدقة حفاظاً على الأرواح هو الذى قاد خطى الهاشمي وهو مبعث دقته في الترجمة وحرصه ألا يعتريها الحشو الضار والتخليط المميت. فله التحية على هذا الجهد المقدر الذى ستحفظه له الأجيال القادمات بلا ريب.

الخضر هارون


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 703

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1350326 [جمال علي]
0.00/5 (0 صوت)

10-06-2015 09:23 PM
أزاحت البعثة البولندية الآثارية التي تعمل في دنقلا العجوز,الرمال عن دير قبطي منذ عشرين سنة.كانت الرمال تراكمت علي هذا الدير و غطته تمامآ.صور السيدة العذراء و الكهنة بحالها رغم أن عمر الدير ستمائة سنة خلت كما أفادني أحد أعضاء البعثة.تم ترميم بعض جوانب الدير بالحطب و الجريد و أصبح مزارآ للناس و ترقد أمامه مقابر النصاري أو مقابر الكفر كما يسميها الأهلين.
و السؤال هو هل كان يوجد في هذه المنطقة نصاري من النوبة في ذلك الوقت أي القرن الخامس عشر الميلادي ,أم أن الدير كان يخدم نصاري آخرين من غير النوبة؟

[جمال علي]

الدكتور السفير الخضر هارون
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة