المقالات
السياسة
المذكرات المفقودة لرفيق الملكة فيكتوريا الأخير
المذكرات المفقودة لرفيق الملكة فيكتوريا الأخير
10-07-2015 08:12 AM

المذكرات المفقودة لرفيق الملكة فيكتوريا الأخير
The lost diary of Queen Victoria's final companion
عرض لكتاب:"فيكتوريا وعبدول " Victoria and Abdul
بن ليش Ben Leach
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

تقديم: نشرت صحيفة "التلغراف" البريطانية الصادرة في يوم الأربعاء 26/ 2/ 2011م عرضا لكتاب : "فيكتوريا وعبدول" لمؤلفته "شراباني باسو"، من إصدارات دار النشر البريطانية The History Press. . وعبدول هذا هو الاسم المختصر لخادمها وموضع ثقتها الهندي "عبد الكريم".
ولما كان لملكة بريطانيا فيكتوريا (1819م – 1901م) علاقة وثيقة بتاريخ السودان في فترة المهدية، وما قيل عن أنها حظيت بشرف (مشكوك في أمره) طلب يدها للزواج من خليفة المهدي أو أحد رجاله (ربما يونس ود الدكيم)، فلقد وجدت أنه قد يكون من المفيد للقارئ السوداني القيام بترجمة موجزة للعرض الذي كتبه عنها "بن ليش" محرر الأخبار بصحيفة "صنداي تلغراف."
أنا لم أر في ما جاء في أمر العلاقة "الشخصية" بين الملكة وخادمها الهندي ما يشين، فتلك المرأة كانت على أعتاب العقد السابع من عمرها عندما قدم لبلاطها الشاب الهندي وعمره 26 ربيعا! ويبدو أن التزمت والتحفظ "الأخلاقي" المفرط في ذلك العصر الفيكتوري هو ما صنف تلك "العلاقة" بما قد يشين!
ليس من باب الإعجاب (وحده) أن يشيد المرء بعدم تقديس "هؤلاء الناس" لعظمائهم وحكامهم، وبالحرية السياسية والفكرية التي تبيح للكل أن يكتب في "رموز الأمة" ما يشاء دون خوف من اتهام بخيانة أو تجاوز لـ"خطوط حمراء"!

المترجم
------------------------------------------------------------------------------------
قالت الملكة فيكتوريا في ذات يوم من أيام عام 1888م (وتحديدا في الثالث من نوفمبر من ذلك العام) للدوقة لويزي عندما زارتها في قلعتها الاسكتلندية "بالمورال": "إنني مولعة جدا به. إنه شخص طيب ولطيف ومتفهم ... إنه مصدر راحة كبيرة لي". لم تكن بالقطع تتحدث عن بعلها الحبيب "البرت"، والذي رحل عن دنياها في عام 1861م، ولم تكن أيضا تتحدث عن "جون براون"، خادمها الاسكتلندي الذي رافقها سنين عددا، والذي كان قد ملأ – بطرق متعددة- فراغ حياتها بعد رحيل زوجها، إذ أنه كان قد مات أيضا في 1883م. كانت الملكة فيكتوريا تتحدث عن خادمها الهندي "عبد الكريم" والذي يبلغ من العمر24عاما. كانت علاقتها بعبد الكريم (عبدول) قد أثارت موجات من الاهتزازات في أوساط البلاط الملكي، وعدَها البعض من أقبح فصول الفضائح في خلال حكمها الطويل، والذي بلغ 64 عاما. ولتأكيد ما كان تحسه العائلة المالكة من حرج بالغ حيال تلك العلاقة، فقد أمر ابنها الملك ادوارد (1841م – 1910م )، وبعد وفاتها مباشرة بحرق جميع الرسائل والصور التي توثق لتلك العلاقة بين والدته وخادمها الهندي "عبدول"! بيد أنه ظهر مؤخرا وكامل الأرشيف الذي كان يوثق لرسائل وصور "عبد الكريم" و"مذكراته المفقودة"، والتي احتفظت بها عائلته سرا لمدة قرن ونيف. وتوضح تلك المذكرات ما غمض من نوعية العلاقة بين الرجل ومليكته.
وتخبرنا الوثائق أن "عبد الكريم" كان قد حط رحاله في بريطانيا عام 1887م، وسرعان ما شغفت به الملكة، والتي كانت تكبره باثنين وأربعين عاما. وتفيدنا تلك الوثائق أيضا بتطورات علاقة الرجل بها. اكان "عبد الكريم" قد بدأ حياته موظفا (كاتبا) صغيرا في أقرا (المدينة الهندية الواقعة على ضفاف نهر يامونا في ولاية أوتار برادش، والتي بها "تاج محل" في شمال الهند. المترجم) إلى أن صعد نجمه ليغدو أحد أخلص أصدقاء الملكة فيكتوريا ومستشاريها، بل وأكثر المقربين إليها حظوة.
واكتشفت السيدة "شراباني باسو" مؤلفة كتاب "فيكتوريا وعبدول" تلك الوثائق بعد أن فرغت من تأليف كتابها عن العلاقة بين الملكة وخادمها الهندي الشاب. قدمت المؤلفة في عام 2010م لمدينة بانقالور لبدء تدشين إصدار كتابها هذا عندما تلقت محادثة هاتفية من المجلس البريطاني. كانت بيقم قمر جيهان (والتي كانت حينها قد بلغت الخامسة والثمانين من العمر، وأصابها الوهن وعميت عيناها) إحدى قريبات "عبد الكريم" القلائل الأحياء، إذ لم يكن "عبد الكريم" قد رزق بأطفال. ورغم حالتها الصحية تلك، فقد كانت ذاكرتها حية، وكانت تحتفظ بالكثير من الذكريات المتعلقة بقريبها عبد الكريم عندما كانت تعيش في داره في مدينة أقرا. وكانت "بيقم" تحتفظ أيضا بمذكرات الرجل ، والتي رصدت حادثات أيامه عندما كان في خدمة الملكة فيكتوريا. وبعد شهرين من ذلك التاريخ طارت "شراباني باسو" من لندن صوب كراتشي حيث تسلمت المذكرات مغلفة بغلاف جلدي أنيق ذي أطراف ذهبية، وهذا ما كان يستعمل في كل مكاتيب وندسزر (وندسزر هي قلعة ملكية شهيرة من العصور الوسطى في بيركشير بإنجلترا. المترجم). شملت مذكرات "عبد الكريم" حوادث العقد من الزمان الذي قضاه في لندن، والممتد من 1887م إلى 1897م. وكانت العائلة قد أخذت معها تلك المذكرات، والتي كانت مليئة بالصور وقصاصات المجلات، من الهند عند هروبها من البلاد في عام 1947م عقب الأحداث الدموية التي أعقبت الانفصال (بين الهند والباكستان)، وظلت تحتفظ بها في مأمن إلى أن سلمتها للكاتبة "شراباني باسو". وقامت الكاتبة بعد تسلمها لتلك المذكرات بتعديل قصتها المثيرة عن الملكة فيكتوريا وخادمها الهندي "عبد الكريم" وتطعيمها بمقاطع مما جاء فيها، وبما جاء في بعض كتابات الملكة فيكتوريا المكتوبة باللغة الهندوستانية، والتي قامت المؤلفة بترجمتها للمرة الأولى.
قدم "عبد الكريم" إلى إنجلترا للمرة الأولى لحضور العيد الذهبي للملكة فيكتوريا (في 1887م)، إذ أن الملكة كانت قد أمرت بإحضار رجلين هنديين ليقوما على خدمة أميرين هنديين كان من المقرر أن يشاركا في احتفالات ذلك العيد. ولمحت الملكة ذلك الشاب الهندي الطويل القامة، المفرط الأناقة، فسحرت به. ولم ينقض عام إلا وكان "عبد الكريم" قد ارتقى من مجرد نادل يقوم على خدمة طاولات الضيوف إلى أحد أهم شخصيات البلاط الملكي. رغم ذلك يسجل "عبد الكريم" في الفقرات الأولي من مذكراته عن ضآلة شأنه في وسط العائلة المالكة فيقول: "تحت ظل صاحبة الجلالة الملكة فيكتوريا، أشرف – وبكل تواضع- أن أضع أمامك أيها القارئ ملخصا موجزا لبعض من مذكراتي خلال عملي في البلاط الملكي من أيام العيد الذهبي لجلالتها في 1887م إلى عيدها الماسي في 1897م. وبما أني لم أكن إلا عابر سبيل في أرض غريبة وسط أناس غرباء، فإنني أثق في أن القارئ سيغض الطرف عن ما في كتاباتي من أخطاء، وأن ينظر بعين العطف في مضمونها."
ويمضي في القول فيحدث القارئ عن الخواطر التي راودته عند قدومه لإنجلترا لأول مرة: " في عام 1887م، وبناء على توصية من دكتور تايلر رئيسي المباشر في السجن العمومي (حيث كان يعمل كاتبا. المترجم) قدمت إلى لندن للعمل كوصيف orderly للملكة فيكتوريا. يجب القول بأن كلمة "وصيف" كما نفهما نحن في الهند هنا هو اسم لمرافق الملك أو الأمير أو الشخص المهم ذو الحيثية، وهو بهذا الوصف يفوق رصيفه في الجيش البريطاني الحامل لذات المسمى الوظيفي، إذ أنه في بريطانيا مجرد "نفر" في أدنى رتبة في الجيش يعمل كخادم شخصي لضابط ، ويفعل ما يؤمر به. رضيت بتلك الوظيفة بالمعنى الهندي الذي أفهمه، وسافرت لإنجلترا."
وعند مقدمه للندن زار حديقة الحيوان ومتحف مدام توسو، بيد أن معالم لندن السياحية لم تكن هي من ضمن أسباب مجيئه لإنجلترا. إنه في لندن للقاء الملكة فيكتوريا. يتذكر قصة لقائه الأول معها فيكتب: "طلب مني ومن دكتور تايلر بأن نقف في مكان معين قرب غرفة طعام الملكة وأن ننتظر قدومها. كنت قلقا بعض الشيء من مقابلة الإمبراطورة الأعظم (في العالم). وسرعان ما قدمت الملكة يصحبها دوق كونوت والأميرة بياترس. انحنى دكتور تايلر على الفور تحية للملكة ، وفعلت ذات الشيء على الطريقة الشرقية. وقدمت لجلالتها قطعة ذهبية وضعتها على باطن يدي هدية مني لجلالتها. لمستها الملكة ثم ردتها إلي كما تقتضي العادة الهندية. وتبادلت الملكة بعد ذلك كلمات قليلة مع دكتور تايلر، وبذا انتهت المقابلة الأولي معها."
وبعد يومين تلقى دكتور تايلر تلغرافا يطلب منه العودة لقصر بكينجهام في معية "كريم". كتبت الملكة في يومياتها التالي حول خادميها الهنديين الجديدين: " أولهما محمد بخش...رجل شديد السواد صاحب وجه مبتسم، والآخر يصغره بكثير، ويسمي عبد الكريم، لونه أفتح بكثير من صاحبه، وهو شاب طويل، مليح الشكل وجاد الملامح. والده طبيب شعبي من مدينة أقرا. قبل الأثنان قدمي."
أدخل كريم الطعام الهندي "الكري" في قائمة الطعام الملكي، وبدأ يعلم ملكته اللغة الأردية في دروس مسائية. وكان ذلك يسعدها غاية السعادة فهي مغرمة بالهند وبثقافتها، وتعد نفسها مليكة ذلك البلد أيضا. رغم ذلك، لم يكن عبد الكريم سعيدا بعمله الضئيل الشأن حيث كان يقف على خدمة مائدة الطعام الملكية. وقد عبر في مذكراته – في أكثر من موضع- عن رغبته في العودة لوطنه الأم. كتبت له الملكة خطابا تطلب فيه منه البقاء، غير أن ذلك الخطاب كان من ضمن ما أحرقه ابنها الملك إدوارد من وثائق ورد فيها ذكر عبد الكريم. ولحسن الحظ احتفظ الرجل بنسخة موثقة لذلك الخطاب. جاء في خطاب الملكة الآتي: " قرأ علي الجنرال دنهي طلبك...سأكون في غاية الأسف لفراقك، إذ أنني أكن لك كل الإعجاب والاحترام. لكني أتمنى – على الأقل- أن تظل هنا حتى نهاية العام أو بداية العام المقبل حتى يمكنني تعلم ما يكفي من الهندوستاني (لعلها تقصد اللغة الأردية. المترجم) منك حتى أتحدث بها قليلا. سيسعدني أن أزكيك لوظيفة في الهند تناسبك، وأن تأتي لتراني في انجلترا من وقت لآخر". وأنجزت الملكة ما وعدت به، فتم تعيين عبد الكريم في وظيفة معلم خاص للملكة و"الكاتب الهندي" لجلالتها. كتب عبد الكريم مغتبطا: "لن أنسَ ذلك اليوم ما حييت. سأظل شاكرا للملكة جميل إحسانها وأتمنى لها طول العمر ودوام السعادة." بعد ذلك ظل عبد الكريم يرافق الملكة في حلها وترحالها، وحتى في جولاتها الأوروبية، حيث قابل العديد من ملوك ورؤساء تلك البلدان.
وسمحت له الملكة باستقدام زوجه لإنجلترا، وأعطت للزوجين بيتا صغيرا في كل قلعة أو قصر لها في المملكة المتحدة ، بل وبنت له منزلا في قلعة بالمورال أسمته "بيت عبد الكريم" تكريما له. ولم يدخر عبد الكريم جهدا ولا مالا في سبيل تزيينه وتزويقه، وأقام حفل استقبال ضخم لعلية القوم عندما تم تجهيز داره تلك. وكان عبد الكريم مغرما بجمال تلك القلعة الاسكتلندية التي كانت تحبها الملكة أيضا، وقال إنها تذكره بمرتفعات في بلاده. لم يكن عبد الكريم محبا لمدينة جلاسجو الاسكتلندية، فهي عنده مدينة قذرة، وما كان لها أن تكون غير ذلك – حسب رأيه- فهي مركز تجاري فقط، وبها العديد من الصناعات مثل صناعة الفحم، وتقع على نهر كلايد الذي لا تستطيع سمكة واحدة أن تعيش فيه!
حسده كثير من الناس في البلاط الملكي على حظوته وقربه (الدائم) من الملكة. وكانت الملكة (المغرمة بكتابة الرسائل) تبعث له بعدد من الخطابات بشكل يومي، وغدا أكثر المقربين لها، وأكثرهم نيلا لثقتها. كانت أما لتسعة أطفال، غير أن علاقتها بهم جميعا لم تكن حميمة، بل كانت في بعض الأحايين جافية. كانت تفتقد زوجها الراحل، وتشعر بالوحدة وتفتقر للأنس بشدة. ومع مرور السنوات تمدد نفوذ عبد الكريم، وصار للخادم الهندي خدما كثيرين. وخشي المسئولون من تمدد نفوذ عبد الكريم، إذ أنه كان يطلع على كل رسالة كانت تسطرها الملكة، وبدأ ينصحها بما يجب عليها أن تكتبه في مسائل هامة مثل الصراع الديني بين الهندوس والمسلمين، مما أثار عجب وحنق الكثيرين. لم يكن غريبا أن حكمها كان دوما في صالح المسلمين! كان الطلب الوحيد الذي رفضته الملكة له هو طلبه منحه لقب "فارس الإمبراطورية البريطانية".
وبلغ الحنق على عبد الكريم أقصاه عندما قضت الملكة ليلة في عام 1889م في بيت واحد مع مدرسها الهندي في منزل اسكتلندي منعزل كانت تتقاسم العيش فيه قديما مع خادمها الاسكتلندي جون براون، والذي أقسمت أن لا تطأ ثراه بعد رحيل ذلك الخادم الأمين.
ويبدو أن العلاقة بين الخادم الهندي (26 عاما) والملكة (70 عاما) كانت علاقة أفلاطونية (روحية لا جنسية. المترجم). وحاولت كثير من الدول، وأفراد كثر في العائلة المالكة إبعاد عبد الكريم عن الملكة دون جدوى، فقد كانت الملكة ترد كل تلك المحاولات لأسباب عنصرية وللحسد والغيرة وليس غير ذلك. لم تفت تلك المحاولات على عبد الكريم، فكتب عنها في مذكراته.
ثم توفيت الملكة في عام 1901م، وخصص لعبد الكريم مكان بارز بين المشيعين. بيد أن الحراس أمروه بعد أيام قليلة من وفاتها بتسليمهم كل الرسائل التي بعثتها له الملكة. فعل الرجل ذلك، إلا أنه نجح في إخفاء مذاكرته عن أعينهم. وما زالت هنالك بعض الرسائل التي نجت من الحرق محفوظة في قلعة وندسزر. ومن ضمن تلك الوثائق بعض المذكرات التي سطرتها الملكة باللغة الهندوستانية، قامت المؤلفة "شراباني باسو" بترجمة أجزائها الثلاثة عشر بدقة بالغة. وتفصح تلك الوثائق عن طبيعة العلاقة بين الملكة وعبد الكريم.

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1406

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1350663 [محجوب عبد المنعم حسن معني]
0.00/5 (0 صوت)

10-07-2015 01:11 PM
توصلت كاتبة بريطانية إلى وثائق لم يكشف عنها من قبل بشأن العلاقة الوثيقة التي كانت تربط ملكة بريطانيا الشهيرة فيكتوريا ومعلمها الهندي المسلم، عبد الكريم.
الوثائق هي مذكرات يومية جمعتها الكاتبة شاراباني باسو واعتمدت عليها كمراجع في تحديث طبعة جديدة من كتابها "فيكتوريا وعبد الكريم" ، وهو الكتاب الذي يعرض للعلاقة القوية التي كانت تربط الملكة الشهيرة مع مدرس هندي وسيم طويل القامة ومسلم.
ومن شأن تلك المذكرات تعزيز التكهنات بأن علاقة الملكة فيكتوريا مع عبد الكريم كانت أقوى من علاقتها مع جون براون، وهو خادمها الاستكلندي الذي تحول إلى حبيب لها بعد وفاة زوجها الامير ألبرت في عام 1861.
وتكشف المذكرات كيف أن الشاب عبد الكريم فكر في الاستقالة من وظيفته بعد وقت قصير من التحاقه بها، لأنه كان يعتقد أنها وظيفة دنيا، ولكن الملكة توسلت إليه كي يبقى قريبا منها.
الصديق المقرب
كان عبد الكريم شابا لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره عندما حط رحاله في بريطانيا قادما من ولاية أجرا بالهند. وكانت المهمة التي وفد من أجلها هي خدمة المائدة الملكية في حفل اليوبيل الذهبي للملكة فيكتوريا عام 1887. وقد جاء عبد الكريم إلى الحفل الملكي الباذخ باعتباره "هدية من الهند إلى الملكة ، وكان وصوله بعد أربع سنوات من وفاة حبيب الملكة جون براون.
وفي غضون عام واحد، نجح الشاب المسلم في ترسيخ أقدامه كواحد من أهم المتنفذين في البلاط الفيكتوري ، وأصبح معلم الملكة ومستشارها لشؤون الهند.
وكما كان جون براون ، أصبح عبد الكريم صاحب نفوذ واسع في حياة الملكة التي استخلصته وجعلته موضع ثقتها وكاتم أسرارها. وبعكس سلفه براون، نجح عبد الكريم في الخروج من دائرة الخدم إلى دائرة الحاشية المقربة من الملكة.
وكشفت الكاتبة شاراباني باسو لبي بي سي أن الخطابات التي كتبتها الملكة لعبد الكريم خلال السنوات التي عاشها في بريطانيا وحتى وفاتها عام 1901 تؤكد عمق علاقتها مع عبد الكريم، حيث كانت تلك الخطابات تحمل توقيعات مثل "أمك المحبة" ، "أقرب صديقة لك".
والمثير أن فيكتوريا كانت توقع بعض خطاباتها لعبد الكريم بقبلات متلاحقة على الورق.. وهو أمر لم يكن معتادا على الاطلاق في تلك الأيام.
وتقول شاراباني إن من المؤكد أن تلك العلاقة كانت مشبوبة بالعاطفة، وأن تأثيرا امتد على مستويات عديدة تتجاوز علاقة الأمومة التي يمكن أن تنشأ بين شاب هندي وسيدة كانت تجاوزت الستين من عمرها في ذلك الوقت.
العزاء الملكي
ولكن شاراباني تقول أيضا إن من غير المرجح أن فيكتوريا وعبد الكريم كانا عاشقين بالمعنى الحرفي للكلمة، حتى وإن كانا أمضيا ليلة رومانسية دافئة وحدهما في الكوخ الريفي المنعزل الذي اعتادت الملكة أن تقضي فيه بعض الليالي مع جون براون.
وتشرح شاراباني أنه عندما مات الأمير ألبرت، حزنت فيكتوريا عليه بشده وقالت إنه كان زوجها وصديقها المقرب وأباها وأمها، ولذلك فمن المرجح أن عبد الكريم كان يقوم بدور مماثل لتلك الأدوار كلها بالنسبة للملكة.
وقد بلغ نفوذ عبد الكريم في حياة الملكة فيكتوريا حدا جعلها توصي بمنحه شرف المشاركة ضمن صفوف النبلاء وكبار رجال الدولة في مراسم دفنها في قلعة ونزور.
وقد أمرت الملكة المسنة بذلك المرسوم رغم علمها أنه سيلقى معارضة قوية من داخل البيت الملكي نفسه. والواقع أن إذا كان أفراد العائلة الملكة البريطانية كانوا يكرهون جون براون فإنهم تمنوا أن تنشق الارض وتبتلع عبد الكريم.
وخلال فترة خدمة عبد الكريم منحته الملكة فيكتوريا عديدا من الأوسمة والنياشين وخاصة لخدماته أثناء زيارات جلالتها لعواصم أوروبا ولقاءاتها مع الملوك ورؤساء الحكومات.
وقد علم عبد الكريم الملكة كيف تكتب باللغتين الهندية والأردية ، وكيف تأكل الكاري الهندي الذي أصبح فيما بعد طبقا رئيسا على المائدة الملكية.
وفي نهاية المطاف أصبح عبد الكريم هو السكرتير الفعلي للملكة فيكتوريا رغم أن البروتوكلات الملكية تضم منصبا رسميا لسكرتارية الملكة.
وحصل عبد الكريم وزوجته على امتياز حق الإقامة الحرة في كافة الأراضي والإقطاعيات والقصور المسجلة باسم الملكة في بريطانيا والهند. كما سمح له بأن يتقلد سيفا وأن يحمل أوسمته ونياشينه أثناء وجوده في البلاط ، وسمح له كذلك باستقدام كل أفراد عائلته من الهند إلى بريطانيا.
والطريف أن والد عبد الكريم حصل على استثناء ملكي خاص أصبح بموجبه أول شخص يسمح له بتدخين النارجيلة داخل قلعة ونزور بالرغم من أن الملكة فيكتوريا كانت من ألد أعداء التدخين.
وأصبح عبد الكريم يحظى بأفضل الاماكن بين صفوف النبلاء والأمراء في الموائد الملكية وحفلات الأوبرا التي تحضرها الملكة ، ويتمتع بامتياز لعب البوكر والسنوكر "البلياردو وخصصت له عربة بجياد وخادم خاص.
طرد بلا رحمة
وامتد نفوذ عبد الكريم ليشمل إدارة الملكة للشؤون السياسية في الإمبراطورية البريطانية المترامية الأطراف، وقد لعب دورا هاما من خلف الستار في تعيين أو إقالة نواب الملكة في الهند، أو اقتراح بعض التدابير لاحتواء أزمات وثورات داخلية هناك.
وتقول الكاتبة شراباني باسو إنه في الوقت الذي بلغت فيه الامبراطورية البريطانية أوج مجدها، كان شاب مسلم يجلس في مركز دائرة النفوذ والتحكم في رأس تلك الامبراطورية.
وكانت تلك العلاقة بين فيكتوريا وعبد الكريم بمثابة صدمة قاسية لأفراد الأسرة المالكة والبلاط في لندن، ومما زاد من شعورهم بالمرارة أنهم يعرفون أنها علاقة أعمق، وأكثر حميمية وسرية من العلاقة الواضحة بين الملكة والشاب البريطاني جون براون.
ولم يكن أدل على كراهية دوائر الحكم لعبد الكريم من أنه بعد ما لا يزيد عن بضع ساعات من جنازة الملكة فيكتوريا، كان من أوائل القرارات التي اتخدها ابنها إدوارد طرد عبد الكريم وإنهاء خدماته بصورة مهينة.
وتطلب الأمر عملا مباحثيا شاقا من شراباني باسو في الهند وباكستان للتوصل إلى المذكرات التي كتبها عبد الكريم بخط يده ، وقد احتفظ بها بعض أفراد أسرته بعد وفاته عام 1909.
فقد هربت تلك المذكرات أولا إلى الهند بمعرفة إبن أخت عبد الكريم عند طرد الأسرة بكاملها من بريطانيا، وقبعت المذكرات في الهند مدة أربعين سنة هربت بعدها مرة ثانية إلى باكستان التي كانت وقتها دولة وليدة نزح إليها مسلمو الهند مع قرار تقسيم شبه القارة الهندية.
وعلم واحد من أفراد أسرة عبد الكريم الذين بقوا في الهند بالكتاب الذي أصدرته شاراباني باسو عن السنوات العشر التي أمضاها عبد الكريم في خدمة الملكة فيكتوريا، فاتصل بها وأبلغها أن المذكرات في حوزة أحد المعمرين من فرع الأسرة في كراتشي في باكستان.
وبالفعل سافرت شاراباني إلى كراتشي وخاضت رحلة بحث شاقة حتى توصلت إلى النص الاصلي للمذكرات.
وتنهي شاراباني باسو تصريحاتها لبي لبي سي بالقول إنها كانت محظوظة لأنها نجحت في الكشف عن قصة الحب الغامضة والمفعمة بالعواطف الجياشة بين الملكة فيكتوريا ومعلمها عبد الكريم بعد أكثر من قرن من الزمان
المصدر bbc
مع مودتي يا دكتور

[محجوب عبد المنعم حسن معني]

ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة