المقالات
السياسة
من رسائل هكس باشا في أيام حملتي سنار وكردفان عام 1883م
من رسائل هكس باشا في أيام حملتي سنار وكردفان عام 1883م
10-10-2015 07:35 AM

من رسائل هكس باشا في أيام حملتي سنار وكردفان عام 1883م
Letters of General W. Hicks Pasha written during the Sennar and Kordofan Campaigns, 1883
From the book: “The Road to Shaykan” في كتاب "الطريق إلى شيكان"
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
----- -------- ----------- ----------- -------

مقدمة: هذه ترجمة لقليل من رسائل هكس باشا التي خطها بقلمه وأرسلها لزوجه سارة صوفيا ديكسون وهو في غضون مسيرة حملته عبر سنار وكردفان. وقام بجمع تلك الرسائل والتعليق عليها البروفيسور مارتن دالي (M. W. Daly) من جامعة درام البريطانية في كتاب صدر عام 1983م من مركز دراسات الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية بتلك الجامعة، وذلك تحت عنوان "الطريق إلى شيكان".
وقد ذكر دالي في مقدمته لتلك الرسائل بعضا من المصادر التاريخية المهمة التي تناولت ما أسماه "مجزرة شيكان"، منها على سبيل المثال كتاب عصمت حسن زلفو "شيكان"، وكتاب "المهدية والسودان المصري" لوينجت (والذي صدر في عام 1891م)، وكتاب "الدولة المهدية في السودان" الصادر عام 1970م، وكتاب ريتشارد رويال "الحملات المصرية بين عامي 1882 – 1885م" والصادر في طبعته الثانية عام 1900م.
وهيكس باشا (1830 –5 نوفمبر 1883م) هو ضابط إنجليزي عمل في الهند والحبشة إلى أن تقاعد في 1880م. ثم عاد للخدمة في جيش الخديوي المصري في 1882م، وأرسل للخرطوم في بداية عام 1883م رئيسا لأركان الجيش، تحت قيادة سليمان نيازي باشا. وعلى إثر الهزائم التي مني بها الجيش قامت الحكومة بتكوين جيش من 8000 كانت أصول أغلبهم من الفلاحين من بقايا تمرد عرابي الذين أُتى بهم للسودان مصفدين بالأغلال. وقام هكس بتدريب 5000 منهم وسار بهم إلى سنار لملاقاة جنود المهدية في تلك المنطقة، وأنتصر عليهم، مبعدا بذلك خطر هجومهم على الخرطوم. ثم قدم هكس استقالته من خدمة جيش الخديوي، ولكنها رفضت، ورقي ليغدو قائدا لحملة الحكومة ضد جنود المهدي في كردفان، ذلك الإقليم الذي كان المهدي قد اِسْتَوْلَى على عاصمته الأبيض في يناير من عام 1883م. وكان من رأي هكس أن الهجوم على المهدي في كردفان لا طائلة منه. ورغم ذلك فقد نفذ ما أمر به وسار نحو كردفان من الخرطوم في سبتمبر من عام 1883م بجيش قوامه 7000 من المشاة و1000 من الفرسان، مع 2000 من المرافقين للحملة، منهم 13 أوربيا صحافيا (تذكر مصادر أخرى أن جيش هكس كان مؤلفا من 10000 من المشاة و1000 من سلاح الفرسان الباشبوزق، و14 قطعة مدفعية و6 مدافع رشاشة ، في مقابل نحو 40000 من جنود المهدي). وفي أيام بدء حملة هكس أفلح المهدي في إسقاط مدينة الأبيض، إلا أن هكس باشا أمر بمواصلة الزحف إلى دارفور من أجل إنقاذ حاكمها سلاطين باشا. ووصل هكس بجيشه في اليوم التالي لبدء تحركه من الخرطوم إلى الدويم ومنها عبر الصحراء نحو كردفان.
وتعرض جيشه في الخامس من نوفمبر لمؤامرة من المرشدين المحليين، والذين قادوهم إلى غابة كثيفة 30 ميلا جنوب الأبيض حاصرهم فيها جنود المهدي (وقيل أن ذلك حدث عن طريق الخطأ). وذكرت كثير من المصادر التاريخية أن جيش هكس صمد ليومين كاملين قبل استسلام نحو ثلث الجنود المصريين، وتم القضاء على الباقي كان آخرهم هكس، والذي قتل بطعنة رمح أطلقه الخليفة محمود شريف. ثم قطع رأسه وبعث به للمهدي. وفر من أرض المعركة نحو 500 من الجنود المصريين وثلاثة من الأوربيين وعادوا للخرطوم.

المترجم
**** **********

الخرطوم، الجمعة 9 مارس 1883م

لم أعرف الناس على حقيقتهم كما عرفتهم في الخرطوم. معي الآن مساعد مفتش مركز إنجليزي لطيف، وثلاثة سُيَّاس لا عمل لهم غير الاعتناء بجيادى الثلاثة. ولكني اكتشفت اليوم أن أفراسى لم تعلف أي نوع من الحشيش منذ أربعة أيام كاملة، بل كانت تغذي على الحبوب وحدها – إنها لمعجزة أن تبقى على قيد الحياة حتى الآن. ولم يكلف أحد هؤلاء السُيَّاس الكسالى نفسه بملاحظة عدم وجود حشيش في الإسطبل، أو أن يبلغ أحدا عن ذلك.
عدت لتوي من جولة تفقدية على الباشبوزق الذين يعسكرون في منطقة مقرن النيلين الأزرق والأبيض على بعد ميلين من مقري. كان معظمهم من الألبانيين، وكانوا أفضل من كثير ممن عرفت من الباشبوزق الآخرين. ووعدني قائدهم (والذي بدا لي عسكريا صارما بما يكفي) بأنه سيكون مسئولا عن بقائهم في أرض الميدان ليحاربوا معا – في نفس الصف – وليس كل واحد بمفرده. لذا سأخذهم معي في الحملة لأن أشكالهم راقتنى.
أوفى الخديوي بوعده، وجعلني قائدا على الجيش هنا، والحكمدار ومن تحته من الضباط كلهم يفعلون ما آمرهم به. لقد أمرت اليوم بإقامة استعراض بالأسلحة النارية (firing parade) غدا، وسنقيم عرضا تدريبيا للمدفعية بعد غد. أريد أن أرى دقة التصويب عندهم. وقمت اليوم بالتفتيش على 3000 من رجال المشاة المصريين. لم أر في حياتي رجالا بمثل تلك الأجسام الرياضية الرائعة. خطبت فيهم (عن طريق مترجم فوري) وذكرتهم بأن الخديوي قد أرسلني لأقودهم في الحملة، ووعدتهم بأنهم سيعودون لقراهم عما قريب إن أحسنوا السلوك في أيام الحملة، وقد أعيد للخدمة من يحسن الأداء منهم. وأوضحت لهم بأنهم لم يرسلوا للسودان للتخلص منهم. وذكرت لهم أن الخديوي أكد لي ذلك بنفسه، وأن الضابط الإنجليزي يصدق وعده دوما. وقلت لهم أيضا إن مصلحتهم وسعادتهم هي أهم شأن عندي، وإني على أتم الاستعداد لسماع أي شكوى أو مظلمة من أي فرد منهم، وأن أزيل ما قد يكون لحق بأي منهم من جور أو حيف. وأخبرتهم بأن ما من أحد يمكن أن يصدق أن جيشا مكونا من جنود يعوزهم التنظيم والتسليح والتدريب، مهما كثر عددهم، يمكن أن يصمدوا أمام تلك الأجسام القوية وهي تحمل بنادق ريمنجتون. ونصحتهم بأن كل ما عليهم فعله هو أن يقفوا أمام (هؤلاء الأعداء) وأن يصوبوا عليهم فوهات بنادقهم في الأسفل دون عجلة، وسيزيلونهم من على سطح الأرض.
سأواجه في المعركة رجلا اسمه الفكي موسى (ذكر مارتن إن هكس يقصد موسى ود حلو وهو من البقارة الدغيم، وشقيق الخليفة علي ود حلو). أعتقد أنه أحد وكلاء المهدي، ومعه نحو 10000 من المتمردين، والذين اتخذوا لهم مواقع في الجزيرة أبا، حيث ولد المهدي (هكذا) على النيل الأبيض. لقد أصيب حسين بك القائد المصري في الكوة بالرعب، إذ أن ما معه من الجنود المصريين لا يتجاوز عددهم 1600 رجلٍ، وهو الآن يطلب المدد العاجل. وسأقوم بعد نحو تسعة أيام بقيادة حملة مكونة من بطارية مدافع جبلية (Mountain guns)، وأخرى لمدافع نوردنفلت (Nordenfelt Guns)، مع 300 من الباشبوزق و3200 من المشاة المصريين. وسنسافر بالباخرة وبمراكب عديدة حتى الكوة لنأخذ معنا حسين بك ورجاله. وسنضم لرجالنا 5000 من الجنود القادمين من بربر مع عدد من المدافع.

الخرطوم، الثلاثاء 13 مارس 1883م

منذ خطابي إليك يوم الجمعة الفائتة (9 مارس) ظللت في حالة عمل دائم، كما هي عادتي دوما. شهدت استعراضا بالأسلحة النارية لجنودي، ووجدتهم يصوبون نيران أسلحتهم في الهواء. تعجبك أجسامهم الرياضية القوية عندما تنظر إليها، ولكنهم لن يتعلموا التصويب الدقيق أبدا (كان ونستون تشرشل قد وصف جيش هكس بأنه ربما يكون "أسوأ جيش ذهب للحرب في العالم قاطبة، فقد كان جنوده يعوزهم التدريب والتنظيم والمال، ولهم من القواسم المشتركة مع أعدائهم أكثر مما لديهم مع ضباطهم". المترجم). لقد أمرت ضباطي بإقامة تدريبات "ضرب نار" يومية بالمعسكر، وقمت بتوزيع منشور باللغة العربية لهؤلاء الجنود قلت فيه:
"لاحظ سعادة الجنرال هكس من العرض الذي أقيم يوم السبت الفائت أن الرجال يخطئون عند التصويب ببنادقهم، فهم لا يحكمون السيطرة عليها بقوة على أكتافهم، ولا يسحبون الزناد مرة واحدة بقوة وثبات، بل ترتعش أيديهم وهم يفعلون ذلك. وتكون النتيجة أنهم يصبون نيرانهم نحو السماء، وهذا لا يؤذي العدو، بل يفسح له المجال للهجوم. والمفروض طبعا أن يمسك الجندي ببندقيته بقوة ويصوب بها بثبات إلى الأسفل حيث يصيب العدو في مقتل، ويكون في مأمن من هجومه. وبالاستخدام الصحيح لهذه البنادق ليس أمام جنود العدو أدنى فرصة للنجاة. ولكن إن واصلنا في تصويبنا الرديء، سوف تكون النتيجة وبالا علينا، وكل ذلك بسبب إهمالنا نحن.
صوبوا للأسفل، ودون استعجال. صوبوا للأسفل".
لعل ما نبهت إليه هؤلاء الجنود يجدي فتيلا. بالأمس شهدت تدريبا بالمدافع الجبلية، ولم يكن سيئا. إلا أنني اضطررت لإيقافه لأن الأهالي (المدنيين) كانوا يجوبون في مرمى النيران من كل صوب. وواضح أن العميد لم يتخذ الاحتياطات اللازمة لمنع ذلك.
يسود الآن كثير من اللغط والارتباك حول من سيخلف عبد القادر باشا في حكم السودان (المقصود هو عبد القادر باشا حلمي، والذي عمل حكمدرا للسودان بين مايو 1882م إلى مارس 1883م. المترجم)، وهل سيعين علاء الدين باشا مكانه (المقصود هو علاء الدين باشا والذي عين حكمدرا بين مارس 1883م ونوفمبر 1883م. المترجم). وتعم الآن في الإدارة روح الشك والمؤامرات بسبب مغادرة عبد القادر باشا حتى قبل وصول علاء باشا بديله المحتمل. وكل هذه الفوضى تعيق عملي هنا. ولا أحصل على أي نوع من التعاون أو المعلومات الدقيقة عن أي شيء. ولا أحد يعلم لمن ستؤول الأمور مع كل هذا الارتباك في الإدارة. لقد طلب مني بالأمس علاء الدين باشا النصح بخصوص تلغراف وصله عن مغادرة عبد القادر باشا، وفيه طلب لنا بدراسة إمكانية إيقاف عبد القادر باشا عن العمل، أو الانتظار إلى حين الانتهاء من العمليات العسكرية الجارية. قال لي علاء الدين باشا إنه سينفذ ما أراه أنا صائبا.
أعتقد أنه ليس من العدل أن يترك لي وحدي تقرير من سيحكم السودان. هذه هي مهمة الحكومة المصرية. إن نصحت علاء الدين باشا بشيء فسيقول الناس: "انظروا لهذا الرجل ... خبرته بالسودان لا تتجاوز أسبوعا واحدا، وها هو ينصح بعزل رجل خبير بالبلاد من منصبه، ويضع مكانه أحد الجنرالات الفاشلين...".
بعثت لبيكر باشا (والذي لم يكتب لي منذ أن غادرت القاهرة) بتلغراف قلت له فيه:
"لم تنفذ الأوامر القاضية بتركيز الجنود السود في الخرطوم. وليست معي كتيبة سوداء واحدة. أعتقد أنه يجب تدارك هذا الأمر بأعجل ما تيسر. سأذهب برجالي الحاليين لسنار، غير أني لا أثق بهم في كردفان. وفي الواقع ليس هنا أي قوة تصلح لحملة كردفان. لابد من تحسين الوضع، ولا بد من جنود من سلاح الفرسان. أرجو أن يجد طلبي هذا التعضيد من طرفكم." ( بيكر باشا هو الضابط الإنجليزي فالنتين بيكر 1827 – 1887م، والشقيق الأصغر لصمويل بيكر حاكم الاستوائية ومكتشف منابع النيل الأبيض. وكان ذلك الضابط قد أتهم وأدين باغتصاب سيدة بريطانية في مركبة إحدى القطارات في 1875م، وألفت حول تلك الحادثة رواية إباحية. المترجم).

الخرطوم، الأربعاء 14 مارس 1883م

لا أستطيع أن أصف لك مدى اشمئزازي من كل شيء في هذا المكان. إنني محاط بالمؤامرات والخداع وبثلة من الكذابين. الوضع مقزِّز. لا أصدق شيئا مما أسمع، ولا أحد ينجز شيئا أطلبه البتة. لا يحس أي فرد هنا بالخجل. الناس هنا إما يتآمرون لصالح عبد القادر أو لصالح علاء الدين، وينسج كل فريق الأساطير والأكاذيب عن الفريق الآخر. ويتفنن الجميع في تضليلي وتزويدي بكاذب الأنباء والمعلومات ليفسدوا ما بيني وبين الطرف الآخر. إنه أمر مشتت للأفكار. وللأسف ليس للضباط الإنجليز هنا ما يمكنهم عمله لمساعدتي، بل يزيد بعضهم من مصاعبي. لقد أخذ عبد القادر معه خيرة جندي متحديا بذلك الأوامر.
لا أدري إن كنت قد أخبرتك أن حامية الأبيض لم تستسلم للمهدي إلا بعد أن عضها الجوع بعد أن قضت على كل حصان وكلب أو أي حيوان آخر بالمدينة. بل قيل إنهم أكلوا حتى جثث موتاهم. لقد كانوا في حالة رعب وهلع من أن يذبحهم المهدي وجنوده. ولكن تمكن قليل منهم من الفرار والوصول للخرطوم. لقد قابلت اليوم أحد هؤلاء الفارين وأخبرني بأن العرب (هكذا) تشاجروا مع المهدي لأنه احتفظ لنفسه بكل الغنائم، ولم يترك لهم شيئا، فهجره كثير منهم. أعتقد أن بإمكاني إحداث شقاق في معسكره إن أفلحت في التواصل والتفاهم مع كبار قادته. ولكن كيف لي ذلك ونائب الحكمدار رجل مِكسال تعوزه الكفاءة، ولا يمكنني الاعتماد عليه في أي شيء، خاصة وأنني جاهل بالبلاد وأهلها.

الكوة، على النيل، 9 أبريل، 1883م

وصلت هنا قبل أربعة أيام. وكنت قد توقفت في الدويم، حيث قمت بتعزيز جيشي بـ 800 محارب. ولم يقم العدو بمهاجمة جيشي رغم أنهم على بعد 15 ميلا منا. ولا أعتقد أنهم سيقومون بمهاجمتنا بصورة جادة الآن. ولن ألتفت إليهم إلا بعد أن أقضي على المتمردين في الجبلين، وأنظف منطقة سنار من التمرد. بعد ذلك سألتفت نحو منطقة كردفان.
أنا الآن في غاية الانشغال وعقلي مثقل بالهموم .... بسبب هؤلاء المسئولين والضباط المصريين الملاعين. ولم أكن لأقدم لهذه المنطقة لو كنت أعلم ما سأواجه هنا من مصاعب عسيرة. كنت قد اشترطت في البدء أن تصرف لجنودي متأخرات مرتباتهم كاملة قبل السير في هذه الحملة. وأكد لي الحكمدار أنه أرسل بالفعل كل المبالغ المطلوبة لدفع مرتبات الجند، مع عشرين ألف دولار لمقابلة نفقات الحملة. غير أنى اكتشفت إن ما أرسل فعلا كان يقل كثيرا عما هو مطلوب فعلا. فجنودي الآن في الكوة لم يستلموا بعد مرتبات الشهور الستة السابقة. أما الجنود في ود الزاكي فلم يستلموا مليما واحدا منذ تم تعيينهم. وعوضا عن العشرين ألف دولار التي وعدت بها لم أحصل إلا على ألفين.
كنت قد عقدت العزم على السفر للخرطوم اليوم لمطالبة الحكمدار بتنفيذ وعوده، إلا أنني قليل الثقة بمن سأتركهم خلفي هنا، ولا أرى أنه من الحكمة ترك الحملة دون قائد. لذا سأرسل النقيب دي
كوتليجون للخرطوم لحث المسئولين على الإسراع بحل مشاكلنا المالية. وسأرسل معه أيضا الرائد مارتن والنقيب وولكر لتلقي العلاج. هما مريضان جدا ولا أعتقد بأنهما سيعودان إلينا مجددا.
لقد فاقت درجة الحرارة هنا 100 درجة، ولا أدري إلى كم ستصل. ولكني بصحة جيدة والحمد لله. أركب حصاني كل صباح وأطوف به في المناطق الريفية مع قليل من الحراس المسلحين. هذه هي متعتي الوحيدة.

الدويم، 21 مايو 1883م (الساعة السابعة صباحا)

هذا المكان منتن بصورة لا توصف. لقد قام الرجال هنا، ولمدة عشرة شهور متصلة، بتلويث شاطئ النهر بكل ما قد يخطر على بالك. بل إن آلاف الجثث كانت قد رميت على الشاطئ. لقد أمرت بوقف كل ذلك، ورغم ذلك فرائحة المكان ما زالت نتنة.
سيأتيني سليمان باشا اليوم مع من بقي في جيشه، وسأقرر بعد ذلك ما سنفعله. أتوقع أن نعود للخرطوم بعد عشرة أيام، إذ أن المتمردين ما إن يسمعوا بمقدمي، حتى ينفضوا ويفروا نحو شات (Shatt) على بعد 15 ميلا، وإلى شاق؟ (Shag) حيث كان أحمد المكاشفي شقيق الزعيم الذي كان المهدي قد أرسله لمحاربتنا فقتلناه (قتل أحمد المكاشفي في معركة جبل سقادي في عام 1883م بحسب ما جاء في قاموس الشخصيات السودانية لريتشارد هيل).
لقد قدمت إلى هنا خصيصا لمقابلة الزعيمين عساكر والمنا (هما الشيخ عساكر ود أبو الكلام وشيخ المنا إسماعيل من زعماء الجوامعة). فقد تلقى عساكر مني خطابا عرضت فيه عليه عفوا شاملا، وكان المنا قد تخاصم مع المهدي، وكان من المتوقع أن يقدم علي مع عساكر. وعند وصولي هنا علمت أن المنا قد دخل في صدام عسكري مع المهدي، قتل فيه عدد من الجنود من الطرفين.، وقبض على المنا أسيرا.
وقدم إلي أحد الأهالي من الأبيض وأخبرني أن المهدي سيتوجه لجبل قدير، والتي أرسل إليها أهله وبعض ما يملك. بينما كتب لي علاء الدين باشا بأن المهدي سيتوجه إلى أبو زيت (لعل المقصود أبو زبد". المترجم). وأنا أعلم أن ما جاء به علاء الدين ليس صحيحا. ثم أتاني رجل دين من الأقباط ليخبرني بأن المهدي قد أسر كل جنود الحكومة في الأبيض وتوجه إلى جبل قدير عندما سمع بعزمي على الزحف نحوه، وأطلق أسر كل القساوسة والأخوات.
لم أسمع من عساكر ولا المنا شيئا، وهذا مما يزيد في حيرتي هنا. سأقابل غدا بعض المتمردين قرب سنار الذين جاءوا يطلبون العفو. سأرسل خيمة الديوان (divan tent) إلى حيث سألقى هؤلاء التائبين وأقيم احتفالا بالمناسبة.


في الطريق إلى كردفان، 4 أكتوبر 1883م

كما أخبرتك في الرسالة الماضية، إني مضطر لهجر خط الاتصال، ونحن الآن في عزلة تامة عن العالم الخارجي. لقد كنا محظوظين حتى الآن في العثور على بعض برك مياه الأمطار التي كان ما بها من ماء يكفي لقواتنا. اليوم شربنا كل نقطة ماء وجدناها في البركة القريبة من المعسكر الذي أقمناه. غير أن فرقة الاستطلاع معي اكتشفت بركة أخرى على الطريق الذي كان مقررا أن نسلكه غدا. لا أثق كثيرا في مرشدينا. وفي صباح الأمس الباكر بعثت 100 فردٍ من سلاح الفرسان للقيام بعملية استطلاع لمكان اسمه سرخانة (Sarakhana) على بعد 16 ميلا، غير أن المرشدين قادوهم بعيدا نحو أرض لا يمكن اجتيازها (impassable) ومليئة بالحشائش البرية التي يزيد ارتفاعها عن رؤوس الخيول. وهنالك تعرضوا لإطلاق نار من إعرابيين. نجح الرائد هيرث في قتل أحدهما، بينما تولى أحد جنودنا قتل العربي الثاني. ولم يعثر فريق الاستطلاع على مكان به ماء فعاد خائبا عند الساعة التاسعة ليلا. لا أدري ما كان سيحدث لو بعثت كل جنودي ، كما كان يريد ضباطي (وليس فرقة استطلاع) ، لتلك المنطقة. بعثت اليوم بفرقة استطلاع أخرى لمنطقة سرخانة ولم ترجع تلك الفرقة حتى الآن (الساعة الآن السادسة مساء). أرجح أن تكون قوات المهدي قد هاجمتهم، فهنالك طريق يربط الأبيض بسرخانة. كنت قد حذرت فاركوار (Farquhar) قائد فرقة الاستطلاع تلك من مغبة التعرض لأي هزيمة في هذا الوقت بالذات، لما سيكون لها من أثر كارثي على مهمتنا النهائية. أتمنى ألا يتهور ذلك الضابط. لقد قمنا بإيقاد نار ضخمة على بعد ميلين من المعسكر حتى ترشد ذلك القائد لموقع المعسكر عندما يحل الظلام. أعلم أن هنالك آبار في سرخانة. وإن استطعنا أن نصل لتلك الآبار وكانت المنطقة آمنة، سوف أرسل نصف قواتي لتحتلها وتحصل على مياه تكفينا لمدة ثلاثة أيام قادمة.
الساعة التاسعة والنصف: عاد فاركوار ومعه بقية فرقة الاستطلاع. تم العثور على منطقة سرخانة، واكتشفوا وجود برك مياه على طول الطريق من هنا إلى سرخانة. ولم تصادف فرقة الاستطلاع إلا عددا قليلا من الأعراب، وفقدنا أحد جنودنا بسبب جرح خطير أصيب به.
وأنا أكتب هذه السطور أخبرت أن علاء الدين باشا سيرسل لي من الدويم رسالة عاجلة على ظهر جمل.

خاتمة:

كانت تلك آخر رسالة (رسمية أو شخصية) تصل من هكس باشا، رغم أنه ظل يكتب رسائل تتعلق بعمله، وأخرى لزوجه. وواصل هكس وجنوده مسيرتهم البطيئة بين 4 أكتوبر و5 نوفمبر 1883م رغم شح مياه الشرب وقلة المعلومات الاستخبارية عن عدوهم. وزاد الطين بلة الصراع بين هيكس وضباطه المصريين، والإدارة العليا بالبلاد.
وكان المهدي يرسل فرقا صغيرة من جيشه لتصطدم مع جنود هيكس بقصد تعطيل مسيرتهم. وبدأت المعركة الفاصلة يومي 3 و4 نوفمبر في غابة قرب شيكان، وانتهت في صباح يوم 5 نوفمبر بمقتل هكس وغالب جيشه.

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2717

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1352134 [salama]
0.00/5 (0 صوت)

10-11-2015 06:24 AM
رائع جداً يادكتور

[salama]

بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة