المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.الشفيع خضر سعيد
إما وحدة على أسس جديدة ... أو دولتين على حد الإخاء
إما وحدة على أسس جديدة ... أو دولتين على حد الإخاء
06-23-2010 12:53 PM

قراءة في المشهد السياسي:

نفرة الإنفصال و زفرة الوحدة!

إما وحدة على أسس جديدة ... أو دولتين على حد الإخاء

د. الشفيع خضر سعيد
[email protected]

قبل عدة أيام، دشن شباب الأنفصال في الجنوب حملة (نفرة الانفصال) حيث انطلقت في مدينة جوبا مسيرة هادرة احتوت على كلمات وشعارات وملصقات تبشر بمزايا الانفصال. وبحسب ما أوردته وسائل الإعلام، فإن المسيرة أمها أعداد غفيرة من المواطنين معظمهم من الشباب. ونسبت تصريحات لمنظمي \"نفرة الإنفصال الألفية\" تؤكد أنها مدعومة من غالبية القوى الجنوبية، وأنها ستستمر الى حين تتويجها بالانفصال في الاستفتاء المزمع تنظيمه في يناير المقبل.

وفي الشمال، الإنفصاليون الشماليون يباركون الحملة مرددين \"قطر عجيب يودي ما يجيب!\"، وآخرون شربوا حتى الثمالة من كأس اللامبالاة، فهم إما في نقاش محتدم حول مباراة القمة بين الهلال والمريخ، أو منهمكون في متابعة المونديال، ولا يهمهم إن إنفصل الجنوب أو أن إضراب الأطباء دخل أسبوعه الثالث!!!

أما الحكومة، شمالها وجنوبها، في جوبا وفي الخرطوم، فكأنها، في لعبة الشطرنج الأخيرة هذه، آخر ما تفكر فيه هو الأرض والجنود. لقد أصاب الأستاذ مقداد خالد عين الحقيقة حينما كتب في صحيفة \"الرأي العام\"، عدد الأحد 13 يونيو الجاري: \"التاريخ يذكر كيف أن الشعب الكندي شرع في إرسال رسائل متوسلة لسكان مقاطعة كيوبيك لترجيح خيار الوحدة. كما سير التظاهرات الحاشدة التي تعد بأن يلقى أبناء المقاطعة معاملة مميزة حال إختاروا البقاء في الدولة الموروثة ما جعل من الدولة الكندية ما هي عليه اليوم.\".

نحن لسنا مجرد متفرجين في هذا المسرح العبثي...، نحن أبناء بلاد السودان...، ورثة تانهسو...، أحفاد بعانخي وتهراقا وكل ملوك النيل. نحن الذين تربينا على كلمات علي عبد اللطيف وهو يحاكم المستعمر: \" لايهمني أن انتمي لهذه القبيلة أو تلك، فكلنا سودانيون، يضمنا قطر واحد، ونعمل من أجل هدف واحد، هو تحرير بلادنا من سيطرتكم\"... نحن الذين نرى في السودان مشروعا لدنيا جديدة في أفريقيا...دنيا الوحدة في التنوع...دنيا التعايش السلمي والتسامح الديني ... دنيا الإمكانيات الكامنة لإقتصاد الإتحادات الكبيرة الغنية...

نحن ننظر إلى الإنفصال كدعوة من مجموعات جنوبية غاضبة مدفوعة بماقاست من ظلم وغبن وخيبة أمل، ومن مجموعات شمالية مدفوعة بالعنصرية والتعصب الديني وضيق الأفق. دعوة تبصق على تاريخ الوطن وتلتف على حقيقة أن كل التضحيات والدماء من الجنوب والشمال كانت من أجل هذا السودان...دعوة لا ترى بعين المستقبل لأنها إما مشدودة إلى الماضي، أو منكفئة على ذاتها. لكنا، رغم كل ذلك نريد أن نرتب لإستفتاء لا تعقبه كوارث ، فإما وحدة على أسس جديدة أو دولتين على حد الإخاء.

وجدت من المناسب أن أكرر هنا ما كتبته في مقال سابق في مارس الماضي: \"لقد كان واضحا للجميع أن فترة الانتقال الراهنة، الممتدة من 2005 إلى 2011، تكتسب أهمية أكبر بما لا يقارن بسابقاتها، وذلك بسبب المأزق المأساوي الذي تعيشه بلادنا اليوم منذ 1989 والذي راكم وضاعف نوعيا تجليات الأزمة الوطنية منذ الإستقلال والمتمثلة في أسئلة اقتسام السلطة وتوزيع الثروة وشكل الحكم وعلاقة الدين بالدولة ومهددات وحدة البلاد وقضايا الحريات والديمقراطية وحقوق الأنسان.....الخ. وفي البدء راحت أعلام الأمل ترفرف طربانة بما تضمنته الاتفاقات الموقعة لحكم الفترة الانتقالية والتي جاءت في درجة أرقى من المواثيق التي حكمت فترات الانتقال السابقة. لكن سرعان ما نكس الأمل أعلامه وهو يلحظ أن الجهد الفكري والسياسي واللغوي المبذول في صياغة هذه الإتفاقات لم يبذل نصفه عند تنفيذها. والمسألة هنا ليست في عدم الوعي بأهمية الفترة الانتقالية، بل تكمن في الوعي تماما بتلك الأهمية مع تجاهلها لصالح المصلحة الحزبية الضيقة.\". ولا أعتقد سيختلف إثنان في تحميل الفترة الإنتقالية الراهنة وقياداتها السياسية وزر التفريط في وحدة البلاد.

عموما، ليس من المفيد مواصلة البكاء على الأطلال، وأرى ضرورة أن تتضافر كل الجهود، في الشمال وفي الجنوب، لخوض معركة الثواني الأخيرة من أجل إنتصار خيار الوحدة. ومن الضروري هنا التشديد على أن من يصر على خيار الإنفصال ليس من زمرة الأشرار مثلما أن من يصر على خيار الوحدة ليس بالضرورة من صفوة الملائكة. وأعتقد أن الجميع مطالب بالتعامل مع قضية الوحدة والانفصال، بإعتبارها القضية المركزية ذات الأولوية القصوى فيما تبقى من أيام حتى الإستفتاء. وعندما أقول التعامل أقصد التقدم بمقترحات ومبادرات، عسى ولعل.......!

من جانبي، أرى أن المقترح أدناه يستحق النظر إليه ببعض العناية، حتى يحظى بالنقاش والحوار حوله، ومن ثم تطويره في شكل مبادرة تتقدم بها الحركة السياسية السودانية. والإقتراح في الحقيقة هو إعادة صياغة، أو قل صياغة اللحظات الأخيرة، لما ظلت تتناوله أدبيات السياسة السودانية خلال الفترات الماضية:

الإقتراح

1. بأن تتبنى مؤسسة الرئاسة، الدعوة لمؤتمر مائدة مستديرة تشارك فيه كل القوى السياسية في الجنوب والشمال، حكومة ومعارضة، وبحضور الأمم المتحدة، الإتحاد الإفريقي، الجامعة العربية، دول مبادرة الإيقاد، شركاء الإيقاد، ضامنوا مبادرة السلام الشامل، دول الجوار... ويمكن إضافة آخرين.

2. يبحث المؤتمر ثلاثة بنود:

أ‌- الترتيبات الضرورية لضمان تهيئة المناخ الملائم لقيام الاستفتاء في موعده.

ب‌- الإتفاق على التدابير الضرورية لضمان قبول وتنفيذ نتيجة اللإستفتاء.

ت‌- مشروع \"الفرصة الأخيرة للحفاظ على وحدة السودان على أسس جديدة\" ليطرح في الاستفتاء القادم.

ث‌- الترتيبات اللازمة في حال جاءت نتيجة الاستفتاء لصالح الإنفصال.

مشروع الفرصة الأخيرة

أولا: يبني المشروع على ما تم الاتفاق عليه في اتفاقية السلام الشامل، أي لا ينسخ أي بند من بنود الإتفاق، بل يعمل على تطويره لمصلحة تطلعات شعبنا في جنوب الوطن، مستفيدا مما جاء في الجزء (ب) المادة 2-4-2 والذي ينص على عمل الأطراف مع مفوضية التقويم والتقدير خلال الفترة الإنتقالية بغية تحسين المؤسسات والتدابير التي انشئت بموجب الاتفاقية ولجعل وحدة السودان جاذبة لشعب الجنوب.

ثانيا: مراجعة هيكل الحكم والسلطة، بما في ذلك النظر بعين الإعتبار لمقترح تقسيم البلاد إلى كيانين: الكيان الشمالي ويضم خمسة مناطق (أقاليم، كيانات) هي: كردفان، دارفور، الأوسط، الشرقي، الشمالي، والكيان الجنوبي. أما العاصمة القومية، الخرطوم، فتتميز بوضع خاص كمركز (District) ذو مسافة واحدة من الكيانين. ووفق هذا المقترح سيكون لكل من الكيان الشمالي والكيان الجنوبي حكومته الخاصة، واللتان ترتبطان بالسلطة الإتحادية في الخرطوم، مع توضيح مضمون السلطات والصلاحيات وتوزيعها بين السلطة الإتحادية والكيان الشمالي، وبين السلطة الاتحادية والكيان الجنوبي. ولعل كلمة السر وراء صمود وفعالية تقسيم كهذا، هي الديمقراطية. ديمقراطية الحكم اللامركزي القائمة على إزالة المظالم وعلى تلمس رغبات السكان بصورة ديمقراطية عند إجراء أي تقسيم إداري، وعلى مراعاة مسائل الهوية وإحترام الثقافات المحلية والمساواة بينها جميعا.

ثالثا: إحترام ما تم الإتفاق عليه في اتفاق السلام الشامل حول توزيع الثروة بين الشمال والجنوب، والبناء فوقه بالنسبة لباقي السودان منطلقين من عدة مرتكزات، أهمها: 1- مراعاة التوازن الجهوي وحماية الشرائح الاجتماعية الضعيفة، لأن ما تعانيه بلادنا من تشويهات هيكلية كرست امتياز فئات معينة، ومفارقات تنموية بين الأقاليم المختلفة، واتساع دائرة الفقر، وتدهور الخدمات...الخ. 2- قومية كل الثروات الطبيعية في السودان، مع ضرورة أن نضع في الإعتبار عدة عوامل حاسمة تتمثل في إزالة المظالم دعما لخيار السلام العادل والوحدة الطوعية، وتوظيف ثروات البلاد في إعادة تعمير وتأهيل الانتاج الزراعي والحيواني والبنية التحتية والتعليم والصحة واقتناء التقنية الحديثة لترقية الصناعة، وفي تصفية آثار الحرب الاهلية وعلاج مأساة النزوح واللجوء، وفي محاربة الأوبئة و الزحف الصحراوي وحماية البيئة..الخ. 3- توزع عائدات الثروات الطبيعية وفق نسب يتفق عليها، وذلك على أساس:أ- نسبة تخصص للميزانية العامة ولخزينة الدولة، مع التأكيد على المعاملة التفضيلية للمناطق المتأثرة بالحرب والمناطق الأقل نموا. ب- نسبة تخصص لميزانية التنمية، مع إعطاء أولوية لمشاريع التنمية في مناطق المعاملة التفضيلية. ج- نسبة تخصص لمناطق التنقيب والاستخراج تستشمر في إصلاح البنية التحتية وخلق فرص عمل وتوفير الخدمات مثل مياه الشرب النقية والعلاج والتعليم..الخ.

رابعا: معالجة قضية الدين والسياسة وفق مساومة تنطلق من حقيقة أن السودان بلد متعدد الديانات والمعتقدات، أغلبية مسلمة ومسيحيون ومعتقدات أفريقية. ومن هنا شرط التسامح والاحترام في المعتقد الديني كمقدمة للمساواة في المواطنة حيث لا تخضع المعتقدات لمعيار وعلاقة الأغلبية والأقلية. ومن هنا أيضا شرط إقرار حقيقة أن الدين يشكل مكونا من مكونات فكر ووجدان شعب السودان، ومن ثم رفض كل دعوة تنسخ أو تستصغر دور الدين في حياة الفرد وفي تماسك لحمة المجتمع وقيمه الروحية والأخلاقية وثقافته وحضارته. وتحديدا، يلتزم الجميع بالمبادئ التالية:

- المساواة في المواطنة وحرية العقيدة والضمير بصرف النظر عن المعتقد الديني.

- المساواة في الأديان، على أن تعترف الدولة السودانية وتحترم تعدد الأديان وكريم المعتقدات وتلزم نفسها بالعمل على تحقيق التعايش والتعامل السلمي والمساواة والتسامح بين الأديان والمعتقدات وتسمح بحرية الدعوة السلمية للأديان وتمنع وتجرم استغلال الدين في السياسة أو الإكراه أو أي فعل أو إجراء يحرض على إثارة النعرات الدينية أو الكراهية العنصرية فى أي مكان أو منبر أو موقع فى السودان.

- الشعب مصدر السلطات والحكم يستمد شرعيته من الدستور.

- سيادة حكم القانون و استقلال القضاء ومساواة المواطنين أمام القانون صرف النظر عن المعتقد أو العنصر أو الجنس.

- ضمان الحقوق والحريات الأساسية السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

- كفالة حرية البحث العلمي والفلسفي وحق الاجتهاد الديني.

- يتأسس التشريع في البلاد على أساس الالتزام والتقيد التام بالمبادئ التالية:1- تعتبر المواثيق والعهود الدولية المعنية بحقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من دستور السودان والقوانين السودانية ويبطل أي قانون أو مرسوم أو قرار أو أمر أو إجراء يصدر مخالفاً لها ويعتبر غير دستوري. 2- يكفل القانون المساواة الكاملة بين المواطنين تأسيسا على حق المواطنة واحترام المعتقدات وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة، ويبطل أي قانون يصدر مخالفا لذلك ويعتبر غير دستوري. 3- ووفق هذه المبادئ يمكن أن تتسع الاجتهادات لكي تشمل مصادر التشريع الدين والعرف مع عطاء الفكر الإنساني وسوابق القضاء السوداني.

خامسا: بالنسبة للترتيبات اللازمة في حال جاءت نتيجة الاستفتاء لصالح الإنفصال، يبحث المؤتمر بالتفصيل: قضايا التسويات بين الشمال والجنوب والفترة الانتقالية الضرورية لذلك، مشروع للتكامل الإقتصادي بين الطرفين، إقرار مبدأ الحريات الأربعة بالنسبة لسكان البلدين، والتي تشمل حرية التنقل، والتملك، والإقامة، والعمل.

أخيرا، الجوهري في هذا الإقتراح هو إلتئام مؤتمر المائدة المستديرة، أما ما سيطرح في المؤتمر فليس بالضرورة أن يكون المقترح الوارد أعلاه، وإنما أي مقترح أو مبادرة أخرى لا تيأس من محاولات الحفاظ على وحدة البلاد، حتى ولو في الثانية الأخيرة. المهم أن نحاول...ونحاول.....ونحاول.


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1010

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#2793 [كمال]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2010 01:39 PM
نتمنى من الله العزيز القدير بأن السودان يفضل موحدا لان الذى لايعرفه الانفصاليون الشماليون بالذات لان الذين ينادوا بالانفصال من الجنوب قد يكون لهم مببراتهم كما اسلفت فى مقالك ولكن الذى لايعرفه الانقاذ ومنابر دعاة الانفصال بأن المذكور فى مقالك ده كله سوف يواجهونه فى حال قبام دولة شمالية لان كل النخب السياسية والمفكرين ليسوا كانوا عاجزين بمواجهة مشروع الانقاذ الذى اخرجنا من الظلمات الى النور كما يدعون لان هنالك لن يكون فى جنوب والحادبين على مصلحة البلد والقدموا الغالى والرخيص فى سبيله لايوجد شيئا اخر سيخسرونه عندها فقط سيعلمون هل هم فقط الذين يدينون بالاسلام الواحد ده ولافى رسالة سماوية لايعلم بها شعب السودان الطيب هى موجودة فى معيتهم فقط ؟ وفقه الدين وسنته انحصر فى عقول ومفكرى دعاة الغيرة على الاسلام الانقاذيين عندها فقط سيعرفون اين اضاعوا ليس السودان فحسب بل بصدد ضياع لديننا وعاداتنا والتى ورثناها ابا عن جد هل فكر نسور الانقاذ فيما سوف يواجهونه حقيقةً ؟


د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة