المقالات
السياسة
منصور خالد لورد من أمدرمان (2 ـ 4)
منصور خالد لورد من أمدرمان (2 ـ 4)
10-10-2015 11:57 AM

منصور خالد لورد من أمدرمان (2 ـ 4)
حسير الطرف أمشي في مهب الريح
أشل الساق أعدو في وجه النار ممتشقا من التبريح
ذراعي أخرس في اليم لا يقوى على التلويح
أعلق همتي في غيمة شهلاء
أسامة تاج السر
ــــــــــــــــــــــــــــــ
لا تقف الممارسة الصحفية عند أساليب المهنة الرائدة، بل تدخل في صراع الأحداث وتكون جزءا من مسيرة الأوضاع، وتلك خاصية تنقل المقال الصحافي إلى تدوين التاريخ. وقياسا لا يمكن تجاوز كل من شارك وكتب عند مراجعة سجل العلاقة بين الصحافة والتاريخ. ولعل القارئ لكتاب الدكتور منصور خالد (حوار مع الصفوة) يستوقفه أن الكاتب اختار لحظة تاريخية حاسمة من تاريخ السودان، وتحديدا عقب ثورة أكتوبر 1964، كي يطرح أفكارا يتجاوز بها نمط التفكير السائد واللغة التقليدية في إطار قراءة موسوعية للمتغيرات العالمية وإدراك عميق للتطور الإنساني بمنهجية صارمة ميزت الكتاب.
وجاءت خريطة تبوبيب الكتاب في ثلاثة أبواب غطت ثلاثة محاور متصلة سياسيا وتاريخيا بموقف الكاتب من الحدث والوصول إلى المعلومات التي تعد سيفه الباتر في طرح القضايا ومحاورة الأطراف، وهنا تصبح مرجعية الحوار والكتابة (المعلومات).
غير أن المعلومات عند الدكتور منصور خالد لا تقف غايتها عند حدود الدليل، بل تصبح جزءا من الذاكرة التي قد تقود الكاتب إلى صدامات مع روؤى وأفكار ومراكز قوى ومشاريع في الداخل والخارج.
كما تشكل ثقافته السياسية والتاريخية مراكز قوته في الكتابة، بل يكشف مؤلفه عن قدراته الكبيرة في تحليل الحدث والاعتماد على المعلومات في توضيح الأبعاد والمفارقات المصاحبة لدور الكاتب في تمتين النص.
ولعل الاعتماد على المعلومات قد جعل من كتابات الدكتور منصور خالد في مستوى قراءة التاريخ، وربما قادته إلى مواجهات عاصفة على أصعدة مختلفة، وتلك صلة بين الصحافة والسياسة تحددها الأسباب في فترات من الزمان قلما تتكرر. وقد ظل الدكتور منصور خالد سنوات طويلة في هذه المجال، بات على يقين راسخ أن مراحل المواجهة لا تكون ترسانة الدفاع والهجوم فيها سوى المعلومة التاريخية التي تصف الحدث دون أن تنقص أو تزد.
القضية المؤجلة
ملامح المجتمع الجديد هو عنوان الفصل الأول من كتاب (حوار مع الصفوة) يحتوي على 9 مقالات جاءت في 96 صفحة، تحمل بين صفحاتها أول بعد في شخصية الدكتور منصور خالد من جهة أنه نموذج حي للكاتب المثابر الذي يعكف على نصه الخاص بصبر وإناة غير ملتفت للنصوص التي يدونها فحول وأفذاذ الكتابة.
والبعد الثاني الذي يقدمه الدكتور منصور خالد في هذا الفصل أن الجهد المبذول في الكتابة يتعين أن يكون في طريق المساعدة في بناء الوطن. ولذلك اهتم بتأكيد أن يقدم الكاتب بقدر المستطاع بدائل عندما ينتقد الأوضاع، وأن يرتبط برؤية إستراتيجية وأن لا يشغل نفسه بمسائل ذاتية، ويبدو هذا ظاهرا في مقالاته عن الخدمة المدنية والدبلوماسية السودانية والتخطيط التربوي والثقافي للشخصية السودانية.
ابتدر الدكتور منصور خالد، مقالاته بموضوع الدستور في السودان، واستفاض في المبادئ الأساسية التي يرتكز عليها الكيان الدستوري والماهية الشرعية له مهتديا بتجارب أمم تشابه ظروفها السياسية والاجتماعية ظروف السودان.
ورغم أن الدستور يعد أشهر قضية مؤجلة في السودان منذ استقلاله في يناير 1956، حيث تؤجله كل حكومة إلى الحكومة التي ستأتي بعدها، إلا أن الدكتور منصور خالد قد أثبت أنه رجل قادر على وضع أفكار مهمة على مائدة الحوار حول الدستور الذي ينبغي أن يسود في بلد مثل السودان.
وصحيح أن التاريخ لا يعيد نفسه، إلا أن المفارقة تكمن في أن الأفكار التي دونها الدكتور منصور خالد في جريدة (الأيام) بتاريخ 28 فبراير 1965، هي ذات الأفكار التي أذاعها جمال محمود وزير الدولة بمجلس الوزراء السوداني بتاريخ 28 يوليو 2015 حول (اتفاق الأجهزة العدلية في السودان على 14 موجها إعداد دستور دائم يتوافق حوله المجتمع وتلتف حوله القوى السياسية مكوناتها).
الليلة والبارحة
ما أثاره الدكتور منصور خالد من أفكار حول الخدمة المدنية قبل 50 عاما، كان فرصة للحوار حول مستقبل التنمية في السودان، خاصة أن الخدمة المدنية دوما تجد نفسها في مساحة ليست من اختصاصها الأصيل وهو التعبير السياسي عما يحدث وليس تقديم ما ينفع الناس في معاشهم وحياتهم، والذى هو دورها الأصيل ومهمتها الرئيسية. وسواء اتفقت أو اختلفت معه، فإنك تجد نفسك مدفوعا للاستماع إلى ما يقول، خاصة حين يقرر أن الخدمة المدنية لكي تكون (خدمة عامة سليمة تتطلب غرس قيم المسؤولية الشخصية واحترام الملك العام والمواطنة الصالحة).
ومع ذلك لا يحسبن القارئ أن الخدمة المدنية قد أعطيت كل الفرص، بل على العكس قد تكون الخدمة المدنية هي الضحية الأولى لكل التقلبات السياسية أو الانقلابات العسكرية في السودان، إذ يفقد منسوبيها وظائفهم تارة بسيف التطهير وأخرى بمسدس الإحالة للصالح العام.
واقع الحال أن الخدمة المدنية تفعل ذلك لشغل الفراغ الذي خلقه موت السياسة عند الأحزاب السودانية بمختلف مسمياتها وإيدلوجياتها ومراحل تأسيسها أو تشرذمها.
على أن القضية الأهم التي طرحها الدكتور منصور خالد، في هذا المجال قبل 50 عاما، تتعلق بـ (تخطيط القوى العاملة تخطيطا يشمل إعادة النظر في متطلبات الوظائف وجمع وتحليل احصائيات القوى العاملة في الميادين وإنتاج المعاهد التعليمية وأسس البعثات التعليمية للخارج).
وقد لا تشبه الليلة البارحة، فدافع هذا الاستطراد أن مؤتمرا بدأ الإعداد في مطلع هذا العام، وضم 1200 من قيادات الخدمة المدنية التقوا في 30 يوليو 2015 بمقر مجلس الوزراء السوداني برئاسة الفريق أول بكري حسن صالح النائب الأول للرئيس السوداني، انتهى إلى (إصلاح الخدمة المدنية وتنمية مواردها البشرية، تحقيقا لمبدأ العدالة والمساواة ومراجعة تشريعاتها وآلياتها).
إثارة الدهشة
يمكن النظر إلى الدكتور منصور خالد في المقال المعنون (الشخصية السودانية والتخطيط التربوي والثقافي)، على أنه أكثر الكتاب السودانيين قدرة على إثارة الدهشة عبر الجملة القصيرة المتزنة، وعبر قيمة متحركة من قيم الوطن ونبضه، تكاد تراه في سطوره يتحرك على قدمين مثل عامل كادح يحمل ألته داخله، وإن لم يحملها على كتفيه، ليملأ الحياة بالبساطة والتفاؤل.
ورغم أن رحم السودان ظل ينجب المفكرين وأصحاب الرؤى دون انقطاع، إلا أن أزمات النخبة المتفاقمة جعلت أصوات هؤلاء المفكرين تذهب إدراج الرياح. وعلى الرغم من نصاعة أفكارهم وعمق رؤاهم، إلا أنهم يحملون تناقضات وأزمات التحول من المجتمع التقليدي إلى ما يعرف بالمجتمع الحديث الذي ما هو إلا اندماج في الثقافة المهيمنة. كما أنهم صناع وحملة ملامح ورموز وقيم الثقافة الغالبة. فعلى سبيل المثال عندما يتحدث مفكر في قامة الدكتور منصور خالد عن الدور الذي تلعبه الثقافة والتربية في (تأكيد الشخصية القومية وخلق الفكر الوطني الجديد الأصيل). وذلك ما يطرح بإلحاح السؤال عن مسؤولية الصفوة في أزمة الهوية التي تعصف بالسودان، والتي وصلت في وقتنا هذا إلى حد التصادم. وكان واضحا أن الغزو الثقافي وتزايد الاختلاط بالخارج سيفضي إلى تآكل القيم وأنماط السلوك لصالح أنماط واردة أهمها المزاج الاستهلاكي والتفاخري.
ويعزز كل ذلك الاعتقاد بأن الأنظمة السياسية المتعاقبة منذ الاستقلال لم تنطلق من رؤية ثقافية ولا مشروع مجتمعي يستند إلى منظومة قيم بعينها. وحتى المثقفين الذين اجتذبتهم الأنظمة السياسية المختلفة خدموا تلك الأنظمة أكثر مما خدموا أفكارهم ومشاريعهم المجتمعية.
وعلى الرغم من مضي وقت طويل على كتابة المقال، فما زالت الآراء التي طرحها الدكتور منصور خالد محتفظة بصلاحيتها وملاءمتها لأوضاعنا الحالية، خاصة حديثه عن التثقيف الشعبي كعنصر مكمل للتربية والتعليم.
الخطر الداهم
عندما تقرأ مقال (يوم أكل الثور الأبيض الشيوعية وخطرها الداهم) تدرك تماما انك لم تكن أمام مقال صحفي عابر، وإنما أمام مجهود سبقته رؤية محددة ونباهة واضحة.
كان عمر الدكتور منصور خالد حين نشر هذا المقال بالضبط 34 عاما و10 أشهر و15 يوما، فإذا ظن قارئ المقال أنه كان يحمل في عمره هذا قنديلا متوهجا من المعرفة، فظنه صحيح، بل يمكن أن نضيف إليه أنه كان يمارس دوره التنويري في حياتنا الثقافية السودانية، ولعله كان يسلك طريقا جديدا ينقلنا إلى القواعد الخلقية التي يجب أن يرعاها الناس في العمل السياسي.
الشاهد أن الدكتور منصور خالد كشف أن اهتمامه بالوطن ليس اهتمام أهل السياسة الذين يجمعون الأخبار للتندر على الحكومة في أخر الليل. ومن هنا أحس بالمسؤولية الأخلاقية والتاريخية تجاه ما يجري وتجاه الحقيقة التي من خلالها ينبثق الشعور بالحرية، لأن الحس التاريخي يجبر الإنسان علي الكتابة، لا ضمن تقاليد جيله بالذات فحسب، بل وبوعي متزايد واستشراف اللحظة والوقوف في مهب الآتي.
ويبادر إلى التأكيد أن لا انفصام بين الدين والأخلاق، ويتحدث عن (الدين كعقيدة شاملة تخطط العلائق بين البشر وترسم لهم السلوك الاجتماعي وتحدد مسؤولياتهم تجاه الكون الكبير). كما يقرر أن النقد الموجه إلى الشيوعيين هو (قضية فكر لا قضية أخلاق).
تمثل تجربة الكتابة عند الدكتور منصور خالد في مجال الدين والأخلاق، مرجعية تاريخية ـ سياسية ـ اجتماعية، قد مضى وقت طويل دون أن تدرس، لكي يتمكن القارئ من التواصل مع واقع الكاتب الذي يمثله، ومدي تأثير النص المكتوب فيه. ومع ذلك، فقد تمكن الدكتور منصور خالد أن يؤرخ للحظة (حقبة استثنائية فريدة) في تاريخ السودان الحالي، متكئة علي الذكريات المغمسة بالدم، والحاضر المغمس بالتحدي، والآتي المغمس بالترقب.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1432

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1351977 [River Nile]
0.00/5 (0 صوت)

10-10-2015 05:23 PM
منصور خالد ما هو إلا صنم من أصنام أشباه المتعلمين السودانيين التى يرفعونها لمرتبة الآلهه .

إذا كان هذا الصنم - منصور خالد - فاهماً و مثقفاً و نزيهاً ووطنياً كما يعتقدون فيه ،

فلماذا استمرأ العمل تحت حذاء ديكتاتور سابق ، و الآن تحت حذاء ديكتاتور أسوأ من السابق .

لماذا كان يسبح بحمد مستبد أرعن مثل نميرى و يرضى بمناصب لا تقدم و لاتجدى ؟

هل كان يعتقد أن نميرى ينفع السودان بشيئ ؟

ولماذا هو مستشار الجاهل الكبير فى القصر الجمهورى الآن ؟

دعا جاهداً إلى فصل الجنوب ، وهل هناك خيانه أسوأ من ذلك ؟

رحمةً بعقولنا ،

أتركونا من تمجيد هذا الصنم .

[River Nile]

ردود على River Nile
[مصطفى دنبلاب] 10-11-2015 09:25 PM
المقال تحدث عن مؤلفات للدكتور منصور خالد ارجو قراتها وبعدها اعلن لنا تقييمك فيه حتي تؤكد لنا بانه صنم.

European Union [husseinmusa] 10-11-2015 01:20 PM
مقال للدكتور: منصور خالد*،، منشور بجريدة الشرق الأوسط في 20يونيو 2002م
الزين يغيب عن عُرسِه

في الحادي والعشرين من أبريل/ نيسان بعث تورهيلد فايكن والففان ديرهيقين، رسالة للطيب صالح يدعوانه فيها باسم المنتدى النرويجي للكتاب للقاء يعقد في معهد نوبل في السابع من مايو. طوت الرسالة القارة لتستقر حيث تستقر الرسائل التي يحملها بريد الطيب، لا يلتفت لها إلا لماما. ففي تلك الرسائل فواتير الكهرباء والماء والغاز، ومطالبات لندن كاونسل، وإعلانات الناشرين; كما فيها اطراءات المعجبين والمعجبات، وما يُبرده الأصدقاء والحادبون. كثيرا ما يترك الطيب أمر هذه الرسائل لأم زينب، في حين يغرق في صومعته مع صحب وشجت عُرى مودته معهم مثل الجاحظ، وأبي الطيب، وأبي تمام; وصدق أو لا تصدق، ذي الرمة والراعي النميري. لأمثال الطيب عوالمهم الخاصة، لا يهربون اليها فرقا من الحاضر أو استهانة به، وانما لأنهم يدركون في قرارة انفسهم بأنهم أتوا هذا الزمان بآخره، فلم يسرهم كما سر من أتوه على شبيبته. العود إلى أولئك حُبّب إلى نفسه، دون ان يلهيه عما يدور حوله في عالم الفكر والأدب.

أيا كان الحال، أغفل الطيب رسالة النرويجيين كما أغفل رسائل أخريات. على أن تلك الرسالة كانت دعوة لعرس هو صاحبه; تكريم المنتدى لفريدته «موسم الهجرة إلى الشمال»، بين مائة أثر أدبي كان لها، فيما قالت الدعوة، أثر على التاريخ الثقافي للعالم، كما تركت أثرا مميزا في خيال كاتبيها وتفكيرهم. المائة أثر أدبي انتقاها مائة أديب وشاعر من بينهم أربعة من النوبليين هم وولي سونيكا، (نيجيريا)، نادين قولدمر، (جنوب افريقيا)، ف. س. نايبول، (ترينداد)، شيموس هيني، (ايرلندا). وكان المحكمون المائة، في مجموعهم، يمثلون ثقافات العالم المتنوعة، وبينهم رجال ونساء من العرب والمسلمين لا ينكر اسهامهم في الحقل الأدبي إلا جاهل أو مغلاط: آسيا جبار (الجزائر)، أمين معلوف وحنان الشيخ (لبنان)، نور الدين فرح (الصومال)، صنع اللّه ابراهيم ونوال السعداوي (مصر)، عبد الرحمن منيف (المملكة العربية السعودية)، سلمان رشدي (الهند)، يشار كمال (تركيا)، فؤاد التكرلي (العراق)، سيمين بهبهاني (إيران). موسم الهجرة، اختارته تلك النخبة ذات الحس والزكانة مع ما اختارت من آثار من الأدب المكتوب، منذ ان عرف الانسان الكتابة. ويا لها من رفقة: حكايات كانتربري (جيوفري شوسر)، الكوميديا الالهية (دانتي)، هاملت ولير وعطيل (شكسبير)، أوديب الملك (سوفوكليس)، الالياذه (هومير)، فاوست (جوهان ولفقانق جوته). إلى جانب تلك الآثار في الأدب القديم; اختيرت ايضا لآلئ فرائد من الأدب الوسيط والمعاصر: دون كيخوته (ميخيل سرفانتس)، الحرب والسلام وآنا كارنينا (ليو تولستوي); الأعمال المختارة (انطون شيخوف); مدام بوفاري (جوستاف فلوبير)، يوليس (جميز جويس)، أوراق العشب (والت هويتمان)، مرتفعات وذرنق (ايميلي برونتي)، الغرور والتحيز (جين أوستن)، القلعة والمحاكمة (فرانز كافكا)، الترقبات العظيمة (تشارلس ديكنز)، مائة عام من العزلة والحب في زمن الكوليرا (جبرائيل غارسيا ماركيز). تلك صحبة تزهي «الموسم»، كما يزهي الطل الورود. لم تكن رائعة الطيب هي الكتاب العربي المعاصر الوحيد الذي وقع عليه الاختيار، بل تضاممت إلى درة القصة العربية «اولاد حارتنا» لشيخ الروائيين ومتصوف الأدباء نجيب محفوظ. تلك درة أبى لها الذين يقرأون نيابة عن الناس ان تُجلى على أهلها في موطنها. أهو تدني السقف العقلي؟ أم هو ضيق الوعاء؟ فتبين الابعاد الصوفية العميقة في قصص محفوظ لا يشكُل إلا على أمثال هؤلاء. لم يكن «الموسم» أيضا هو الأثر الافريقي الوحيد الذي انتقاه المحكمون، إلى جانبه كانت قصة الأديب النيجيري المتميز شنوا اشيبي «تتساقط الأشياء». اشيبي كاتب لا يكل، ولكن «تتساقط الأشياء» هي جواده الرابح، الفرس الذي سبق كل أفراسه بلا منازع، أو هكذا نحتسب. هي أبرع تصوير للمجتمع الافريقي المأزوم، وفد اليه المبشرون البيض، واقتحمه الاستعمار، فقضيا على الموروث، ولم يتجذر فيه ما اقحموا عليه من صفات وخصائص. وان كان «الموسم» يعبر عن قلق وجودي عميق، فإن قرية اشيبي في «تتساقط الأشياء» هي رمز لأزمة لم تعان منها نيجيريا وحدها، بل تتكرر في كل قطر في القارة، والأزمة تبدأ دوما عندما يتساقط القديم قبل، أو دون، أن يولد الجديد.

الطيب، من بعد، رجل عميق التدين، على سنته ومنهاجه. قلما يحمل تدينه على كف قميصه، أو يتظاهر به. شأنه شأن اهل السودان الذين تصالح أهله مع دينهم ودنياهم، ففيهم الأزهري المتحذلق، وفيهم رجل الدين المؤمن والصادق مع نفسه، وفيهم بت مجدوب التي تعاقر الخمر، ولها بالطبع شركاء من الجنس الآخر. وهم يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويحجون إلى بيت اللّه ان استطاعوا إليه سبيلا. ومع هذا وذاك، يحسنون إلى ذي القربى والجار الجُنُب والصاحب بالجَنب وابن السبيل. كادوا يكونون ملائكة، ومن مكرورات الطيب «ولو شاء لأنزل ملائكة». التعايش السلمي بين هؤلاء، هو التسامح الديني في اعلى درجاته. التسامح الديني، واليُسر في أمور العقيدة، ميراث غرسه فينا الاباء والأجداد قبل أن نعرف الطريق إلى الكتاب المطبوع. أدواتنا للتعلم في ذلك الزمان كانت اللوح والعمار (حبر يصنع من سُخام القدور)، نستنشق رائحته الصادحة في حبور، لا ندري إن كنا نستنشق معها أول أو ثاني اكسيد الكربون. وكان الأشياخ يغرسون في قلوب الناس فضائل الدين بلا فظاظة ولا غلاظة، ولو فعلوا لانفض عنهم الحواريون. لايمان الطيب العميق أشير، إذ كان لرائعته صحاب بين أروع نصوص الأدب العرفاني: المثنوي لمولانا جلال الدين الرومي، وأريج البستان للسعدي الشيرازي. المثنوي الذي يضم ستة مجلدات شرحه وترجمه للقارئ العربي المحقق ابراهيم الدسوقي شتا، وكان للمجلس الاعلى للثقافات في مصر الفضل في نشره من بعد ان قام شتا باصدار جزءين منه على نفقته الخاصة. يشد العقل إلى جلال الدين التصاقه بجذعه، في الوقت الذي يهوم فيه بخياله الطماح إلى الآفاق الإنسانية العليا; أصله ثابت وفرعه في السماء. يقول «كل من يبقى بعيدا عن اصوله، لا يكف يروم أيام وصاله». ويقول «من افترق عمن يتحدثون لغته، ظل بلا لسان ولو كان له ألف صوت». واللغة ليست هي الأصوات التي يتحدث بها الناس، وانما هي كل دنياواتهم الفكرية والمعنوية. فجلال الدين لم يتأن عن فراق من «يتحدثون لغته» في بلخ عندما وطأتها جحافل المغول. اتجه إلى سمرقند ومكة ودمشق ثم بلاد الروم حيث أخذ اسمه. كتب جلال الدين المثنوي في القرن الثالث عشر الميلادي ليختزل فيه كل المعاني الإنسانية السامية في الإسلام في ثلاثين ألف بيت، يكاد كل بيت فيها يدعو المرء للتسامي عن العرض الزائل، ويلجم النفس عن الاغترار بالحال، ويندب الإنسان إلى الأدب والمحامد. يقول جلال الدين «ترك الوقحاء الأدب واخذوا كالمتسولين يتخاطفون قطع اللحم»، وما أكثر الذين ما برحوا يتقاتلون على الفتائت. وقال لمن ولوا أمور الناس: «من الأدب يمتلئ الفلك بالنور، وبالأدب يعصم الملك ويتطهر»، أفهل من عاصم للملك في دنيانا ومطهر، يروضه على الأدب، أي محاسن الأخلاق. أجل، فارق مولانا أرض «المتحدثين لغته» بعد ان اضناه اليأس من فجاجتهم لأن «أحوال العارفين لا يدركها فج ساذج، فينبغي ان نُقصر الكلام. سلاما».

أما أريج البستان، فقد كان لمصر قصب السبق في نقله إلى العربية أيضا على يد استاذ محقق آخر، الدكتور أمين بدوي. آثر بدوي ان يطلق على «بوستان» السعدي اسم اريج البستان. فكلمة «بو»، في قوله، تعني العرف أو الشذى، و«ستان» لاحقة مكانية كقولك كرد (ستان)، افغان (ستان)، وترك «ستان». ظلت الترجمة حبيسة داره حتى قيض اللّه لها ناشرا يدرك قيمة العلم والأدب، الأستاذ محمد المعلم صاحب دار الشروق. البستان أصغر حجما بكثير من المثنوي، الا انه لا يقل عنه خوضا في بحور المعاني. فحكاياته وعبره توصي الملوك بالعدل وحسن التدبير، وتحض عامة الناس على الاحسان والرضا والتواضع، وتحث الجميع على كبح جماح النفس حتى لا تفرط أو تطغى. في انتقاء المحكمين لهذه الكتب، لا شك ان عنصري الانفعال والتفاعل الذاتي لعبا دورا; فالموضوعية الكاملة لا تتحقق إلا في احصاء ما هو بحت خالص كالاريثماطيقا. كما أن لاختلاف الذائقة الأدبية، والمزاج النفسي بين الناقدين أثرهما على الأحكام. بيد أننا لا نرى في انتقاء مائة كاتب وأديب مختلفي الرؤى والمشارب والأذواق لهذه القلائد عدولا عن الحق، مهما كان معنى كلمة الحق في مجال تقويم الأدب. وقد جاء على الناس زمان في تاريخ الأدب العربي كان نقاد الشعر فيه لا يتحدثون عن أعظم شعراء العرب فحسب، بل عن أجمل بيت قالته. وكان من أولئك النقاد من يصدر حكما بالإعدام الأدبي على المئيين. فابن رشيق، مثلا، يقول ان أبا نواس والبحتري أخملا في حياتيهما خمسمائة شاعر، كلهم مُجيد (العمدة). ابن رشيق غالى كثيرا في نقده وتقويمه للشعراء، إلا في حالة واحدة: «ثم جاء المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس». ولا ننكر أن لمزاجنا الخاص علاقة بالاستراحة إلى ذلك الحكم. نقول، مع كل، ان المحكمين لم يرتجلوا حكما عندما استنكروا المؤلفات التي قاومت عوادي الزمان، من هوميروس إلى شكسبير. ولا نخالهم، أيضا، تعاسفوا في احكامهم عندما اضافوا اليها الجديد الذي لم يمتحنه الزمان، كما امتحن ما سبقه. ولربما وجدوا في ذلك الجديد، مثلما نجد، الشمول الانساني مع الخصوصية المبهرة، والنفاذ في المحلية مع التجلي في الإنسانية. لهذا لم تعد تلك الآثار هي أدب زمانها ومكانها فحسب، بل أدب الزمان الآتي وكل مكان. مثل هذه الآثار الأدبية، قال عنها ابراهيم المازني في مقال له عما اسماه «الشعر الحقيقي»، انها «تزيد الإنسان عراقة في انسانيته». ولكن سيبقى للخلاف مجال طالما اختلفت الأذواق. في هذا الشأن قرأنا باستمتاع ما كتبه أمير طاهري (الشرق الأوسط 2 يونيو/ حزيران) حول احتفاء المنتدى النرويجي للكتاب بالمؤلفات المائة. وكشأنه دوما كان طاهري سباقا في عرضه للجديد، في الأدب كما في السياسة والاقتصاد. وعلنا نوافقه الرأي على نعيه على المحكمين غياب بعض الآثار الكلاسيكية العربية التي استذكر من اصحابها محمد عبد الجبار النفري (من النفر بالكوفة) صاحب المواقف والمخاطبات. فالمواقف والمخاطبات لا تقل جدارة عن المثنوي، وقد عرفها المستشرقون وأشادوا بها قبل ان يذيع أمرها بين قراء العربية، إذ انكب على دراستها وتنقيتها وتحقيقها الأستاذ آرثر اربري اعتمادا على النسخة الموجودة في المكتبة البوديليانية باكسفورد. وعقب ذلك التحقيق اصدرتها دار الكتب المصرية في عام 1934. ومثل النفري غاب «نبي» جبران الذي ظل طبقا شهيا في موائد الدراسات الاكاديمية في الولايات المتحدة منذ ان رعت صاحبه ميري هاسيكل وقدمته لمجتمع فكري كان يعاني يومها، بل يفتو يعاني، من الانغلاق والتمركز في الذات. غاب النبي والمجنون وأفانين من الأدب الجبراني الرومانسي الصادح في غنائيته. كما غابت عنها آثار ابن حزم في الحب (طوق الحمامة)، ومسامرات أبي حيان التوحيدي (الامتاع والمؤانسة) التي خاض فيها كل بحر وغاص كل لجة. وعلنا لا نيأس ان افتقدنا اسماء الشعراء العرب الفحول بين العصبة المئية، إذ لم يكن أيضا لكيتس، وبوشكين، وشيلي مكان بينها. ثم ان الشعر العربي، مع عمقه الإنساني، كثيرا ما يستغلق حتى على أهله، رغم انه، كما وصفه ابن سلام الجمحي، «علم قوم لم يكن لهم علم اصح منه»، كما طغت على ذلك الشعر نزعات صارخة في محليتها، ومفرطة في افتعالها، خاصة في التفاخر القبلي والمدح والهجاء. وكان الشعراء، كما يقول احد القدامى، يمدحون بثمن ويهجون بلا ثمن. لا نستبدع، إذن، غياب الآثار الشعرية العربية التي ننام ونصحو بها، بقدر ما نستبدع غياب القرآن كأثر أدبي، اعجازه في بلاغته. ولعلنا نشير بوجه خاص للقرآن المكي. فاختيار سفر ايوب، من بين كل أسفار الكتاب المقدس (العهدين القديم والجديد) كان، كما أورد طاهري بصدق، لأنه جمع بين الأدب والدين. ليس هو مدونة تشريع أو أوامر لا تفهم إلا في سياقها الزمني، وقد لا تتفق مع المزاج والقيم المعيارية للذين لا يدينون بديانتها. فالقرآن المكي يؤهله، بجانب الإبداع الأدبي فيه، ارساؤه المبادئ الإنسانية، واعلاؤه لرايات التسامح، وتكريمه للذكر والأنثى، بل للإنسان ـ بصرف النظر عن جنسه ـ كخليفة للّه في الأرض. لهذا نقول ان طاهري لم يخطئ الهدف عندما وصف ذوق لجنة الاختيار بالتطرف، ونردف: إلى حد ما. على ان الكاتب المدقق لم يصب الهدف عندما قال منتقصا من قصة سلمان رشدي «أولاد منتصف الليل»، التي احتلت مكانها بين الآثار المائة، انها كتبت «في الأصل للسخرية من فتوى الخميني ولا تنال أبدا شرف العمل الأدبي». أولا صدرت أولاد منتصف الليل (أول مؤلف لرشدي نال شهرة عالمية) في عام (1980)، في حين صدرت «الآيات» بعد قرابة العقد من ذلك التاريخ (1989). فلا يجوز القول، إذن، بأنها ما كتبت إلا للسخرية من فتوى الخميني، بالرغم من جدارة تلك الفتوى بتأليف مائة كتاب للسخرية منها. وفيما بين الكتابين أصدر رشدي كتابا آخر هو الخزي (Shame)، ولعله استوحى موضوعه من مقتل ذي الفقار علي بوتو على يد سفاح باكستان العسكري. وستظل «أولاد منتصف الليل»، القصة الاليغورية التي تصور الهند غداة الاستقلال بدرجة عالية من التوتر الدرامي والرصانة في السبك، هي أجود ما كتب رشدي. «الآيات»، من جانب آخر، لم ترق لنا، لا لفحشها (فقد قرأنا في الأدب العربي ما لا يقل فحشا فيما كتبه الزنادقة والمهرطقون)، وإنما لما تبعثه في النفس من الملالة. حجم الرواية وطولها وحدهما لا يحملان المرء على الملل، فالحرب والسلام لتولستوي بصفحاته الخمسمائة وألف لا يبرمك ولا تشق قراءته عليك. كل صفحة فيه تجعلك تتلهف إلى التي تليها. وليس هذا حال «آيات» رشدي التي يشوبها الافتعال، ولهذا يعتري نسيجها الوهن في أكثر من مكان. ليت الذين يبغضون رشدي لتفحشه في «الآيات»، لاموه على الضعف الداخلي في قصته، فالأديب يحاسب على رداءة أدبه، لا على قلة أدبه. ليتهم فعلوا معه ما فعله العامي الروماني بسينا الشاعر في رواية يوليوس قيصر: العامي: مزقوه إربا إربا فهو واحد من المتآمرين.سينا: أنا سينا الشاعر (لست المتآمر). العامي: إذن مزقوه إربا لشعره الرديء، مزقوه لشعره الرديء.
نعود بعد استطراد، إلى زيننا الذي غاب عن العرس، ولم يستخففه الزهو بما نال من ميز ورفعة بعد ان بلغه الأمر. بداهة علمي بنبأ فوز «الموسم» كان بعد يومين من إعلان النبأ في مجلس حافل تحلقنا فيه حول أديب كبير ذي سماح يفاد من علمه وترجى بركة دعائه، الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري. جاء الطيب، كعهدي به إلى ذلك المجلس يمشي رويدا، لا يَزهق في السير. ثم انتحى لنفسه أقصى المواقع في المجلس رغم إلحاف الشيخ عليه ليجلس بجانبه، فهو أثير لديه. وجلس من بعد صامتا وكأن لم يخرج لتوه منتصرا في واحدة من أمهات المعارك الأدبية، وما أكثر أمهات معاركنا خبيثة الأصل، وما أكثر انتصاراتنا ظنينة النسب. جلس الطيب صامتا حتى همس اليه الدكتور نجم عبد الكريم: «يا طيب لماذا لا نكتب عن هذا الظفر التاريخي». وهمس نجم مجهور له دوي. قلت للطيب: «ما القصة؟». قال: «واللّه ناس النرويج دعونا لحفل في قاعة نوبل لأنهم اختاروا موسم الهجرة مع كتب لجماعة تانين». قلت: «ومن هم الجماعة؟». قال «شكسبير وبرونتي وهمنجواي». لو لم اكن اعرف الطيب عن ظهر قلب، لقلت «يا للافتراء!». ولكني أعرف هذا «الزول»، تواضعه يعتصر الدموع، بل يثير الغضب لدى أصحابه في بعض الأحيان. هو صادق عندما يرفض التعالي، ومخلص عندما ينأى بنفسه عن التنفج، وأبغض الأشياء إليه لي شدقه بالتفصح. لم أر رجلا كالطيب يهضم حق حقه، وهو بذلك راض حامد شاكر. هو نفس «الزول» الذي عرفته في سني الدراسة، وخبرته من بعد في لندن حيث ظللت اختلف عليه ورفيق دربه صلاح أحمد في كهف كان يؤويهما في ثيرلو بليس، يكثران فيه القرى على الأضياف بوجه خصيب. من ذلك الكهف خرج لنا طيب آخر، بعد ان غرق إلى أذنيه في المجتمع الجديد الذي اختاره لمقامه وصارت له فيه رفقة وصهرة، دون ان يتأنجل. لم ينض الوطن أبدا عن ذاكرته وعن قلبه. هذا العمق في الجذور لم يمنعه من الافادة من ذلك المقام، وتلك الرفقة أفاد منها فائدة لم تتوفر لكثيرين، ولم يحرصوا عليها، ولذا بقوا في مهجرهم، أو عادوا إلى ديارهم أخيب مما تركوها. ولعل من أهم ما أفاد الطيب إرهاف وعيه الجمالي على إرهاف، وتعميق شعوره الإنساني على عمق. ولولا هذا الشمول الإنساني الذي أضفى على أدب الطيب طابعا كوزموبوليتانيا، لما وجد كتابه الطريق إلى عشرين لغة في هذا العالم الفسيح. رأى أهل الطيب أيضا فيما أخذ يطل به عليهم شيئا جديدا، ألفوه ولم يألفوه. تناول المتاع المشاع في حياتهم العادية وصاغه في أشكال يتبينون ملامحها فيما ظلوا يمارسون ويعيشون، ولكن تدهشهم في صوغها الجديد صور ذات ظلال. هذا هو دور الصائغ المُجيد. يتناول المادة التي نعرفها جميعا، ذهبا كانت أو فضة أو عاجا، يستنطق صمتها، ويشكلها في هيئة أو وضع هو منها، وليس منها. كثيرون يقسون على الكاتب حين يتوسلون له أو يحثونه، كي يكون صاحب رسالة مباشرة، وللتعبير المباشر أهله; بعضهم يصيب هدفه، وأكثرهم يخيب سهمه عن رميته. الطيب لم يخلق ليعظ في الجبل، هو عصي على التصنيفات الجاهزة التي يجيدها من هم ليسوا على شيء. قلة هم الذين يستطيعون وضع بلادهم على خارطة الأدب العالمي بكل ما في أهلها من تمزق وجودي يعترف به البعض وينكره الآخر، واستماتة للحفاظ على مناقب الخير التي ورثوها أو ظنوا انهم ورثوها، وبكل ما فيه أيضا من فحولة واستخذاء، وآمال وخيبات. لا يحسن القراءة من لا يرى ما في أقاصيص الطيب ورموزه من رسالات الرفض، والتحدي، والانتصار للإنسانية. حتى «الدومة» (شجرة عظامية من الفصيلة النخلية) أصبحت عند الطيب رمزا للتحدي والرفض. ولعل اتخاذ تلك الشجرة التافهة محورا لنضال جبار أبلغ في تعبيره عن اتخاذ كافكا للقلعة محورا للحياة والنضال في قريته البوهيمية. لا نسمي الطيب مهاجرا أو لاجئا أو منفيا لأن الأوطان ليست ظواهر جغرافية، فالأوطان ترتحل في قلوب أصحابها. مرة أو مرتين بدا لي الطيب غنيا عن وطنه، لا يستخفه إليه إياب. هذه الاستكانة لرأي شاعره وشاعري الحبيب، ربما كانت تعبيرا عن ألم أمضه كما يُمض الخل اللسان المقروح: رؤية أهله وقد أخذهم من أخذهم قهارة وعلى كره منهم، حتى أصبح وجود الوطن كله ملحقا بوجود فئة من أهله. ولعل الذي أثار حفيظة الكاتب ـ أكثر من العذاب والتعذيب ـ غسيل الأمخاخ ومحو الحكمة المأثورة في بلاد ما عرفت حتى أشد عهودها المعاصرة احلولاكا وزارات للعقل وللحقيقة، وأخ كبير يتنفس على الرقاب. يخشى الطيب على هؤلاء مصير ونستون سمث، فمتخيلات جورج أورويل أصبحت حقيقة في وطن لم يعد لها أصلا. ومتى؟ بعد ان صوحت الأغصان في «حقل الحيوان»، ولم يعد للخنازير الذكية أثر حتى في البلاد التي أنجبتها. لهذا فشت للطيب قالة: «هؤلاء، من أين أتوا؟» تلك قلادة سوء قلدها كبير أدبائنا لمن قلد. في لقائنا المحضور قال نجم للطيب، وتبعه الأديب الفَطِن، عبد اللّه محمد الناصر لماذا أنت ضنين؟ لماذا لا تكتب؟ تلهفت لسماع الجواب. قال أديبنا: هناك ما هو أهم من الكتابة؟ لم يقنع الجواب السائلين فأردفا: مثل ماذا؟ قال الأديب الكبير: القراءة مثلا. أقطع انه لم يقلها تكلفة; بل كان صادقا فيما قال. فالطيب رجل فِكّير، والقراءة تمنح المرء أفقا غير محدود للتأمل. كما ان الكتاب، كما قال الجاحظ، هو «الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، يطيل امتاعك، ويشحذ طباعك». وليس مثل الجاحظ قارئ. لقي حتفه بين الكتب حين سقطت خزانة كتبه على أم رأسه. ذلك الحب القتال للقراءة لم يمنع الجاحظ من أن يكون أكثر أهل عصره انهماكا في التأليف في كل ضروب المعرفة; حتى الحيوان كان له موقع في سياحاته المعرفية. لا تئد الكتابة فانها، إن صَدَقت، هي المرشد من الضلال، ولا تكسر القلم فهو المفصح عن الأحوال. يا زين، يا طيب، يا صالح، وتلك صفات لفضائل تتسابق... كتبت أم لم تكتب، نحن بك فخورون. وفخورون بأن بعض ما أورثته لنا وجد في التاريخ مكانا له مع سفر أيوب.. «ليت كلماتي الآن تكتب. ليتها رسمت ونقرت إلى الأبد في الصخر بقلم حديد» (الاصحاح التاسع عشر/ 3). لقد تُوجت يا زين في مملكتك، مملكة الأدب، مملكة الأثر الباقي; فبقية الممالك كلها أدنى من مملكة لير، لا تساوي حصانا. ويوم تعود، لن تكون عودتك إلى وطنك كعودة أودو ديسوس بعد حروب طروادة، لم يتذكره غير كلبه وممرضته. سيكون في استقبالك وطن ذو زهاء; الذين تعرف والذين لا تعرف من أين جاءوا. ففضلك لا يجهله إلا من يجهل القمر.

European Union [kaka] 10-10-2015 11:49 PM
لا تكن سطحيا في نقدك هذا موضوع عميق حاول ان تفهم ما يُكتب


أسامة تاج السر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة