المقالات
السياسة
أيام بين نجد والحجاز (2-4)
أيام بين نجد والحجاز (2-4)
10-11-2015 11:38 AM


ما العز إلا للمدينة وحدها مأوى الرسول ومهبط الأملاك
ذو العرش عظم قدرها وأجلّها من أجل ساكنها الكريم الزاكي
يا نفسُ من لي أن أزور ضريحها لتقرّ من أنواره عيناكِ
لك يا مدينة في الجوانح صورة جَلتْ القلوب لنا بها مرآكِ
أهوى قبابكِ والجبال وسيما أحداً وماءكِ والثرى وهواكِ
(صديق الأزهري)
هنا يطيب المقام ويحلو العيش وتسمو الروح وترتاح النفس وتقرُ القلوب، كيف لا وأنت في حضرة سيد البشرية وفي ديار الأنصار من الأوس والخزرج الذين آووا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين حتى ذكرهم الله في كتابه الكريم منوهاً بفضلهم في قوله: " والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم" فهذه شهادة وإشادة لا يضاهيها قول بشر مهما أوتي من البلاغة والبيان. طاب لنا المقام وزاد استئناسنا برفقة الأخ الدكتور التجاني إبراهيم الذي قدم من تبوك مع أسرته أيضاً؛ فاجتمع الشمل وأخذنا بأطراف الحديث والذكريات حتى حان التفرق فتوجه الحجيج إلى مكة المكرمة، وغادر التجاني إلى تبوك. أما نحن فقد اسرجنا القلوص متجهين صوب ينبع الصناعية، فتركنا مسجد قباء على يميننا والحرة الغربية على الشمال منا، وضربنا كبد جبال الحجاز فتجلت لنا عظمة الخالق الذي أبدع هذه الصور المتعددة والمتنوعة من جبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، وبعدها يتبدل شكل الأرض؛ فتصبح صحراء جرداء تكسوها الرمال الذهبية الناعمة، وتتناثر فيها خيام البدو ومضاربهم وهم يرعون أغنامهم وإبلهم. هذه، يا حضرات السادة القراء الكرام، ديار أهلنا جهينة التي تشمل ينبع البحر ويسكنها عدد كبير من قبائل جهينة وأكثرهم رفاعة، ثم ينبع النخل ويسكنها عدد كبير من قبائل جهينة مثل بني إبراهيم وذبيان. وتمتد قراهم شرقي البحر الأحمر وعلى الساحل ومن بينها الفرعة والعيص والجابرية وبواط وغيرها كثر. ويشاركهم السكنى في هذه المنطقة بنو عذرة خاصة في وادي القرى من أعمال المدينة المنورة. وهؤلاء يمثلون مجموعة اجتماعية اعتنقت نمطاً من الحب حمل أسمها؛ هو الحب العذري الذي ينُسب إليها، فتماهت معه وعبّرت عنه. ومن شعرهم في هذا الصدد قول قيس بن الملوح مجنون ليلى:
أليس وعـدتني يا قلب أنّي إذا ما تبـتُ عن حب ليلى تتوب
فها أنا تائبٌ عن حـبِّ ليلى فمالك كلما ذُكـرتْ تذوب
وما لكَ قد حننتَ لوصلِ ليلى وكنتَ حلفتَ أنـك لا تؤوبُ؟
بلى قد عُدتَ يا قلبي إليها فهذا الدمعُ منسكبٌ صَبيــــبُ
يخَبِّرُ أنَّمــــا الأشواقُ نارٌ وتحت النــــارِ أضلاعٌ تــــذوبُ
وبعد رحلة حلا فيها الأنس حتى قصرت المسافة، وحنت الروح إلى مرتع الأجداد وموطنهم وأمجادهم التالدة، أمسكت بخطام القلوص وأنختها أمام دار أخي وصديقي ياسر فضل السيد، في مدينة ينبع الصناعية، هذه البقعة فائقة الجمال والروعة. فهي واحدة من عدة مدن صناعية أنشأتها الحكومة السعودية الرشيدة، لتكون مقار لتكرير النفط والاستفادة من مشتقاته، مثل الجبيل ورأس تنورة على ساحل الخليج العربي شرقاً، وينبع الصناعية التي توجد في منطقة المدينة المنورة، وهي مطلة على البحر الأحمر، وبها شركات صناعية كبيرة مثل سابك وأرامكو، وتضم معالم عديدة منها المركز السياحي، وتشتهر بكثرة الحدائق وتوفر الخدمات، وتحتوي على ميناء الملك فهد الصناعي. ولمزيد من التوضيح فإن المنطقة الواقعة على الطريق بين جدة والمدينة يوجد بها كثير من المواقع ذات العبق التأريخي مثل بدر التي دارت فيها موقعة الفرقان أو غزوة بدر الكبرى وهي أول معركة في الإسلام قامت بين الحق والباطل؛ لذلك سميت يوم الفرقان، وكانت البداية حينما خرج المسلمون للقاء قافلة أبي سفيان ولم يكونوا خارجين للقتال، ولكنّ الله أراد لهم النصرة والعزة للإسلام واستئصال شوكة الكفر. وتقع فيها الأبواء أو ودان وهي مركز تابع لمحافظة رابغ، شمال منطقة مكة المكرمة، وكانت في الجاهلية وصدر الإسلام من ديار بني ضمرة ، ويمر بها وادي كبير من أودية تهامة، كثير المياه والزرع، يلتقي فيه واديا الفرع والقاحة فيتكون من التقائهما وادي الأبواء. وفي الأبواء يوجد قبر السيدة آمنة بنت وهب أم رسول الله عليه الصلاة والسلام. ويكفي هذه القرية شرفاً أنها قد مرَّ بها الرسول صلى الله عليه وسلم عدة مرات كانت الأولى مع والدته، والثانية مع عمه أبي طالب والثالثة عندما خرج لتجارة السيدة خديجة، والرابعة في غزوة الأبواء، والخامسة في غزوة الحديبية، والسادسة في عمرة القضاء، والسابعة عام الفتح، والثامنة في حجة الوداع. وكل هذه المناطق تقع وسط جبال الحجاز التي تمتد بين إقليم تهامة ونجد. وتتميّز هذه الجبال بأنها تسير في سلاسل متوازية وفيها أعلى قمة في السعودية، في جبل السودة، بالقرب من أبها. كما يهبط منها مئات الأودية شرقاً نحو نجد، وغربا نحو تهامة، من أشهرها وادي فاطمة، ووادي العقيق ووادي الرمة. ومن ينبع شددنا الرحال إلى الطائف.

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 462

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة