المقالات
السياسة
إني لأجد ريح نهلة
إني لأجد ريح نهلة
10-14-2015 04:02 PM


صدرٌ كاعب. ملامح دقيقة. خصرٌ قال الوهاب له كن فكان ولا أضيق. على كتفيها، حيث أضاف الخالق "مهوى خيالاتي الفانية عشقا و رغبة"، ثمة شعر فاحم ينسدل مثل ليلٍ سرت في ثنايا حلكته دعواتُ أولئك القائمين الثلث أو يزيد قليلا.

أما إبتسامتها، أما إبتسامتها "الساحرة الوادعة الرقيقة الحانية"، أما إبتسامتها "ذات الصفاء و البهاء و الرواء"، أما إبتسامتها "التي أذابت ركبتيَّ على سعير الدهشة و مارأفت، فلا حول ولا قوة إلا بالله"!.

هكذا، في زحام ذلك العرس، حين بدأ يخرق الأرض بشاربه الوليد بالغا به جبال العاديات طولا، رأى نهلة، شقيقةَ العريس، كما لم يرها من قبل. "أجل نهلةْ، نهلةٌ نهلةْ، و ماأدراك ما نهلة".


"تبارك الله أحسن الخالقين"، همسَ لنفسه.

و شرع يترصدها فيما تبقى من نهار أُترعت جوانحه بالولائم و أنغام الصبايا و زغاريد النسوة الجميلات. و قد أدرك، دفعة واحدة، أن ماهزَّ كيانه، على ذلك النحو، كان ولاريب أوانُ زراعته.. بذرة إحساسه الجديد و هي تعلن عن ذاتها فيما هي تتوغل هناك.. بعيدا بعيدا.. شاقةً طريقها إلى أعماق ذاته السحيقة بيسر و لا هوادة.. قبل أن تتلألأ في الحال زهرةً معطارة زكية.. تزين أرض عواطفه البكر.. حيث لا إختلاج نما.. حتى تلك اللحظة.. سوى "دغل كراهية الشيطان" و "أعشاب حبِّ الوالدين.. تقاةِ الناس.. و خالِقهم من عدم".

ليلا، قبيل زفاف شقيقها، بعد محاولات أمسكتِ الرهبةُ و الحياء بأقدامها، نجح أخيرا في الدنو منها، بينما أخذ يتناهى من مكان سحيق أشبه بعبق تاريخ حميم، مبينا الغاية و الوسيلة، شارحا الهامش و المتون، واصفا نضار الطريقة و الطريق؛ صوتُ شيخه ابن حزم الظاهري "و أقصى أطماع المحب ممن يحب المخالطة بالأعضاء، إذا رجا".

"مبروك"، قال.

ولم ينسَ:

"إن شاء الله عُقبالِك".

سحبتْ راحتها الدقيقة من باطن كفه في دلال. و قالت لحظة أن شرع يكابد وهج الأنوثة المتدفق من مدار وجهها حديثا: "الله يبارك فيك، يا حسن، و إنتَ كمان عقبالك". كان بهاء الحفل و ضجيجه يختفيان في ظل كلماتها الحيية الوامضة.

منذ تلك اللحظة، و لسنوات ملء أيامها الإشراق، صار مسكونا بعشق نهلة. "أتتبع فقر حركتها ذا الادقاع و غنى سكناتها". "أجرِّدها بعين خيالي فأراها كملكة ساعة الوصل مغسولة ندية". "أسرج بعير إنتظاري خلف نافذة دارنا المطلة على دارها". "أترقب سحر طلعتها، تاليا على تخوم الرؤية، و قاب الفجاءة و قوسيها، ما تيسَّر من آيات الهوى والصبر الجميل:

وَلمَّا أنْ جَلَتْكِ لـــيَ اخْتِلاســــــــــــاً
أكُــــــفُّ الدّهْرِ للحَيْــــنِ المُتـــــــَاحِ
رأيْتُ الشّمسَ تطلعُ منْ نقــــــــــابٍ
وغصنَ البانِ يرفُلُ في وشـــــــــاحِ
فَلَوْ أسْتطيعُ طِرْتُ إلَيكِ شَوْقــــــــــاً
وكيفَ يطيرُ مقصوصُ الجنــــــــاحِ؟".

هكذا، لأسباب، ما زال يخجل من ذكرها، كان يكتفي من الحبِّ بالنظر. و حين تغيب خارج مجاله البصري محتجبة داخل دارهم لأيام، و يمضّه رهق الشوق إليها، كان يخلع نعليه، كي يقابله هناك، في سجوده الطويل، طالبا منه، و هو المانع العاطي، أن يتقبل منه دعوتين إثنتين و لا ثالثة: "اللهم.. خالقَ الذكر و الأنثى.. اجعل نهلة.. بنت الجيران.. من نصيبي.. و أرزقنا.. فالقَ الْحَبِّ و النَّوَى.. ثلاثة أبناء من الذكور.. واحد لنصرة المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها.. الآخر لرعاية والديه حين يدركهما الكبر.. أما الثالث الثالث.. يا مَن لا تخفى عليه في الأرض ولا في السماء خافية.. فأنت أعلم به منّا... و اللهم.... ربَّ ابن عباس حبر الأمة... و عليِّ بن أبي طالب باب مدينة العلم... إدخلني جامعة الخرطوم... فهي مفتاح الفرج لعبد فقير مثلي... فمن لم يدرس باللغة الإنجليزية و أنت العليم ببواطن الآمور فلا مستقبل له". لكنه، لحكمة لا يعلمها إلا هو، أدخله " دار العلوم".

"في هذه اللحظة.. و الذكريات دابة الغريب و سنام وصله.. أذكر رنينَ ساعة حائط انجليزية قديمة.. إرتعاشَ حافة شاربي الذي نما.. و سحابة من حزن غامض عبرت سماء عينيها السوداوين.. حينما أخبرتها في حشد من الجيران بسفري الوشيك إلى أرض الكنانة". حتى الآن، ما زال يتساءل آناء الليل و أطراف النهار: "هل كانت تهجس لحظتها بكل ما سيجري أثناء غيابي الطويل"؟.

في سنوات الدراسة المتخمة بالرسوب، بُعيد خيام الجرجاني، أو شامَ قواعد الخليل بن أحمد، أو حتى عند شروح ابن طباطبا؛ كان يتلقف أخبارها.. يتسقطها من هنا و هناك. و في كل مرة.. لذات الأسباب ربما.. كان يسلك للسؤال عنها طرقا ملتوية و صيغا غامضة.. و كان طيفها يطل.. دائما دائما.. من أروقة "دار العلوم".. مثل نسمة صبر تمنح المعنى لكلماتٍ في عنادِ "جعجع" و "مجمجم" و "عقنقل".

و ما إن يحلّ عليه مساء آخر حزين، حتى يكفّ عن عادة الطواف حول غرفة السطح المؤجرة، شارعا في مغالبة هوانَ الغرباء، دمع البين، و أشياء أخرى. و إذا المآقي نضبت.. و غار ماؤها في صحراء الفقد و لا أمل.. و تقطَّعت به الأسباب و غامت الطريق أمامه و تلاشت الرؤية و عزَّ الصديق و الرفيق المؤانس.. يبدأ بالنظر في أسى إلى سماء القاهرة المضيئة.. و ليس ثمة من عزاء سوى النشيد:

لَيَاليّ بَعْدَ الظّاعِنِينَ شُكُولُ
طِوالٌ وَلَيْلُ العاشِقينَ طَويلُ
يُبِنَّ ليَ البَدْرَ الذي لا أُريدُهُ
وَيُخْفِينَ بَدْراً مَا إلَيْهِ سَبيلُ

هكذا هكذا، عند تشابك الهواجس و اضطرام الضعف اللذيذ، كان يخلع نعليه.. كي يقابله هناك.. داخل صحن الجامع الأزهر.. طالبا منه هذه المرة إستجابة دعاء من أهلكه ثقلُ الحنين: "اللهم.. ربَّ السبعة.. الذين ستظلهم بظلك.. يوم لا ظل إلا ظلك.. لولا تصرف عني سحر المصريات.. أصبو إليهن.. و أجهل حبَّ نهلة.. فثبِت أقدام العاشق.. و احفظ نهلةَ في غيابي.. وقِها.. مُجيبَ الدعواتِ.. شرَّ غريمٍ أجهله، آمين".


[email protected]



تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1178

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1355493 [الزول السوداني]
5.00/5 (1 صوت)

10-16-2015 10:22 PM
رائع والله نتوقع منك المزيد

[الزول السوداني]

#1354732 [سوداني]
5.00/5 (1 صوت)

10-15-2015 01:48 AM
لله درك يا عبدالحميد البرنس!
يا اعشي زمانك: فقد قلت في نهلة هنا ما قاله في هريرة (او بالكاد)!
يا عالم سودانك: فقد قلت في البسمة هنا نثرا ما قاله عالم فيها شعرا (او بالكاد)!

This is a piece of prose of captivating beauty and tenderness

ناهيك عن الاقتدار السردي والبلاغي:
This is a showcase example of what literary critics have in mind when describing a piece of writing as: compelling

شكرا عبد الحميد البرنس، فهذا غذاء للروح يا رجل!

اهديك (والقراء الاعزاء) بعض مما قال عالم عباس في البسمة

اقراء (وربك الاكرم) وفكر اثناءها في … نهلة!


أبـرق بـبـسـمـتك الـتى..
وهى الـتى لـو راءهـا مـوسى لـقال لأهله
آنـست نارا فـامـكثوا . وهـي الـتى..
لو أشرقـت مـا اخـتـار أهـل الأرض
شــمـسـا غــيـرهـا. وهــي الـتـي
مــن أجلـها قــد أطـفـئتْ نـارُ الـمجوس
أبـرق بــبـسـمـتـك الــتـي
فــالـمـوت خــيـم في الـنـفوس
هـيـا احـيـها وابرق بـبـسمتك الـتـي
نـحيا عـليها فـي زمان الـقحط والدم والهزائم
وهـي الـتـي إمـا نـجوع نـمد أيـدينا لـها.
فـنـحسها كـالمنّ والـسلوى ومـائدة الـسماء
يزفهـا عـبـقُ الــنسـائـمْ
وهـي الـتي إمّا تـحيق بـنا مرارات ُ الهزيمة
ونـرتاح فـي أفـيائها. ونعود من عرصاتها
أقـوى عزيـمـة
إنا تعلمنا ببسمتك التعالي عن مهاوي الضعف فينا
فـابـتـسم
إنـا تـعـلمـنا بـبـسمتك الـسـمـو

[سوداني]

عبدالحميد البرنس
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة