المقالات
السياسة
مقتطفات من كتاب "المجتمعات المسلمة في أفريقيا"
مقتطفات من كتاب "المجتمعات المسلمة في أفريقيا"
10-15-2015 09:24 PM

مقتطفات من كتاب "المجتمعات المسلمة في أفريقيا"
Muslim Societies in Africa
Roman Loimeir بروفيسور رومان لوملير
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي



مقدمة: هذه شذرات مما ورد عن السودان في كتاب "المجتمعات المسلمة في أفريقيا" لمؤلفه الألماني رومان لوملير، البروفيسور بمعهد الأنثربولوجي الإجتماعي والمقتنيات الأثرية في جامعة قوتنقن الألمانية. صدر الكتاب عام 2013م عن دار نشر جامعة إنديانا (بلومنقنتون وإنديانيبولس).
درس المؤلف علم الأنثربولوجي والعلوم الإسلامية بألمانيا وبمعهد الدراسات الشرقية والإفريقية بلندن، ثم عمل بالتدريس في مختلف المعاهد والجامعات بألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة. وللرجل عدد من الكتب والمقالات باللغتين الألمانية والإنجليزية عن المهدي، وعن مختلف الموضوعات الأنثربولوجية والدينية (الإسلامية) في الهند وزنجبار ونيجريا والسنغال.
ويتناول الكاتب في الفصل السابع من كتابه (والمعنون: "الاستعمار المصري ومهدي السودان") بعض جوانب تاريخ الحكم المصري للسودان والمهدي والخليفة عبد الله. والسطور التالية هي ترجمة لبعض ما جاء في ذلك الفصل عن احتلال مصر لدولة سنار (الفونج). ولن يخفى على القاريء لآراء المؤلف هنا تبنيه المطلق لوجهة النظر المصرية – التركية لذلك الاحتلال. ويمكن قراءة كتابي أحمد سيد أحمد "تاريخ مدينة الخرطوم تحت الحكم المصري"، و "أكذوبة الاستعمار المصري للسودان: رؤية تاريخية" لعبد العظيم رمضان للاطلاع على "الوجه الآخر من العملة".

المترجم
**** **********

غدت أرض النيلين عقب سقوط سلطنة الفونج في بدايات القرن التاسع عشر واحدة من المناطق القليلة في القارة الإفريقية التي لم يستعمرها الأوربيون، بل استعمرتها امبراطورية إسلامية عربية هي مصر. وكما كان يحدث منذ عهود الفراعنة، كانت مصر تسعى لحماية تخومها الجنوبية، والسيطرة على وادي النيل، ووضع يديها على موارد السودان الطبيعية. وكانت سياسة السلطة في مصر تسعى لتنفيذ خطة لتحديث مصر وإقليمها الجنوبي: السودان. ورغم أن الحكومة المصرية نجحت في غزوها للسودان واستعماره، إلا أن محاولتها لتحديث السودان بقيت محض محاولات سطحية ولم تؤد إلا لخلق فوضى وعدم استقرار بالبلاد. فقد قامت الإدارة البيروقراطية المصرية الاستعمارية (والتي كان يقوم عليها موظفون أقباط) بقلب البنيات الاجتماعية (social structures) رأسا على عقب، وهمشت السلطات القائمة، وشجعت، بل دللت، الحركات الدينية والاجتماعية الجديدة (خاصة الطرق الصوفية وعلماء الإسلام) .
وهدد تمدد الإدارة المصرية في داخل أحراش جنوب وغرب السودان شبكات التجارة المستقرة ، خاصة عندما بدأت مصر في محاربة تجارة الرقيق في ستينات القرن التاسع عشر. ونتيجة لذلك تزايدت حدة المعارضة للحكم المصري – التركي، وظهرت حركة دينية ألفية (millenarian) قادها عالم الدين محمد أحمد، والذي أعلن نفسه المهدي (المنتظر)، والمخلص / المنقذ من التسلط المصري. واضطرت مصر في عام 1885م لإخلاء السودان، ثم استولت المهدية على زمام السلطة، ربما كأول تعبير عن أول "وطنية سودانية" حديثة. غير أنه ثبت أن الحكم المهدوي للسودان كان حكما كارثيا على البلاد وشعبها، ليس فقط بسبب العجز عن التغلب على الخلافات العرقية والدينية بالبلاد، ولكن أيضا بسبب الفشل الذريع في السياسات الاقتصادية والاجتماعية. ونتيجة لذلك، عانى السودان من كارثة إنسانية مدمرة في تسعينيات القرن التاسع عشر، إلى أن قام الجيش المصري، تحت قيادة بريطانية، بإعادة احتلاله في 1898م . وما زال التراث الذي خلفه الاستعمار المصري والمهدية يغذيان ويقودان السياسة في السودان حتى يومنا هذا.

احتلال مصر لدولة سنار (الفونج)

انهارت سريعا دولة المماليك ونظامها المستقر الحاكم، والذي كان قائما في مصر منذ عام 1252م، عقب هزيمة نابليون لجيشها في عام 1798م. ورغم مغادرة الفرنسيين سريعا لمصر، إلا أن المماليك عجزوا عن استرداد حكم مصر، إلى أن جاء شخص أجنبي / غريب هو (محمد علي) كان قائدا لحامية ألبانية صغيرة بالقاهرة، واستولى على السلطة بعون من بعض النبلاء وعلماء الدين الإسلامي. ونجح محمد علي في إقصاء منافسيه ممن عاونوه لتسنم زمام السلطة، وبقي وحده الحاكم القوي لمصر ، واعترفت به الخلافة العثمانية حاكما لمصر في عام 1805م . ومنذ ذلك التاريخ شرعت مصر في انتهاج سياسة تحديث حولت مصر إلى لاعب رئيس في مجالي الاقتصاد والقوة العسكرية في شرق البحر الأبيض المتوسط ، وشبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا . وتوسعت إمبراطورتيها لتضم أجزاءً من صعيد مصر حتى ساحل شرق أفريقيا، وعبر شبه الجزيرة العربية. غير أن الاستعمار المصري أصابه الفشل في نهاية المطاف بسبب التدخلات الأوربية ، والأعباء المالية والاقتصادية التي خلفها إنشاء مشاريع ضخمة وبالغة الطموح مثل قناة السويس . ورغم كل ذلك كانت مصر بين عامي 1820م وبدايات ثمانينيات القرن التاسع عشر هي من بيدها تحديد مصير السودان.
وأقام محمد علي أسس سعيه لتحديث إمبراطورتيه على سياسات اصلاحية قضت بإبعاد رجال الطبقة الصفوية (القديمة) في المجتمع من كل مواقع السلطة والنفوذ (وشمل ذلك رجال الدين)، وتأميم أراضي الإقطاعيين المماليك والأوقاف، وإعادة توزيع الأرضي الزراعية على الفلاحين، وإجبارهم على زراعة محاصيل تحددها الدولة، خاصة القطن، والذي صار عماد الاقتصاد المصري ومورد تصديره الأول من منتجات الغزل والنسيج. وقام محمد علي أيضا بإصلاحات عديدة في المجالات التعليمية حيث بنى مدارس حكومية (كتاتيب) وأخرى متخصصة في مختلف أفرع العلوم، وأنشأ جيشا جديدا يتدرب أفراده على نمط فرنسي وبأسلحة فرنسية.
وعندما قويت شوكته في مصر، طلبت منه الخلافة العثمانية أن يسيطر على الحجاز، ونفذ ما طلب منه في عام 1812م، حيث نجح في إزاحة الوهابيين من السلطة فى مكة والمدينة. وكانت القوات المصرية تسيطر أيضا، حتى عام 1819م، على أجزاء واسعة من وسط وشرق شبه الجزيرة العربية، ثم أفلحت أخيرا في هزيمة الوهابيين في المناطق الوسطى. وقام محمد علي بالسيطرة على السواحل الشرقية للبحر الأحمر تمهيدا لغزو السودان. وشملت أسباب رغبة محمد علي العديدة في احتلال مناطق وادي النيل الرغبة في التوسع، و السيطرة على السواحل الغربية للبحر الأحمر، والاستيلاء على مناجم الذهب والمعادن والعاج والمنتجات الأخري الوافرة في السودان . إضافة للسيطرة على تجارة الرقيق، وتقوية الجيش المصري بالجنود السودانيين، والتخلص من بقايا المماليك الذين فروا جنوبا لمملكة سنار، والسيطرة على منابع النيل في إثيوبيا وأواسط أفريقيا. وبذا يمكن النظر للسيطرة المصرية على وادي النيل في بدايات القرن التاسع عشر بأنها تندرج ضمن المجهودات الأخرى التي قامت بها مصر لليسطرة الكاملة على كافة طرق التجارة عبر الصحراء ومدن موانئها.
وقبل البدء في التحضير لغزوه السودان، بعث محمد علي لسلطنة الفونج بسنار ببعثة دبلوماسية في عام 1812م، وأتبعها بين عامي 1816 – 1818م ببعثتين علميتين لللاستكشاف الجيولجي. ولا يخفى أن الغرض من كل ذلك كان هو زيادة معرفته بالأحوال في تلك السلطنة.
وبدأ في أكتوبر 1820م الغزو المصري الحربي للسودان بجيش صغير إلا أنه محكم التدريب قوامه 6000 جندي، ومعه 12 من مدافع الميدان (field guns)، وذلك بقيادة إسماعيل محمد علي. واستولى الجيش المصري على معقلي الجعليين في بربر وشندي في مارس 1821م، وعلى سنار، عاصمة سلطنة الفونج، في 11 يونيو 1821م. وأرسل آخر سلاطين الفونج بادي السادس إلى القاهرة منفيا. وأحكم الجيش الغازي سيطرته في ذات العام على سائر أجزاء الجزيرة، أخصب مناطق سلطنة الفونج.
ولأن مصر كانت تتبع رسميا (واسميا) للخلافة العثمانية في تركيا، فقد أطلق على تلك المرحلة الاستعمارية "التركية". وبالفعل كان كثير من المسئولين في تلك الفترة قد أتوا من تركيا. وكان بعضهم من الشركس والأكراد والأغاريق والألبان والبربر والبريطانيين، ولم يكن بين من حكم السودان من المصريين غير ثلاثة من الحكمداريين. وغدت ودمدني أول عاصمة لحكم التركية، إلا أنه تم تحويل العاصمة لمدينة جديدة تقع عند ملتقى النيلين، هي مدينة الخرطوم.
وفي علم 1821م استولى جيش مصري آخر على كردفان، وهزم جيشا قدم من دارفور، دون أن يدخل ذلك الإقليم فعلا. وقسم الحكم المصري الجديد السودان إلى أربعة أقاليم هي دنقلا وبربر وسنار وكردفان . وجلبوا للبلاد من الأزهر أربعة شيوخ لإنشاء محاكم شرعية وإدارة للأوقاف الإسلامية. وتركت الإدارة الحكومية الجديدة في دنقلا وبربر أمر جمع الضرائب والعوائد على عاتق الزعماء المحليين، بينما تولت هي جمع الضرائب المباشرة في سنار. وأحدث ذلك ثورة عامة في أوساط سكان سنار في 1822م. وسرعان ما أنتقلت تلك الثورة شمالا لمناطق الجعليين. غير أن السلطة الاستعمارية الحاكمة نجحت بفضل قوتها العسكرية الضاربة في إخماد تلك الثورة. وخلف ذلك دمارا كبيرا في مناطق الجزيرة وبربر.
وبعد تعيين علي خورشيد بك حكمدارا جديدا للسودان في عام 1826م بدأ في إعادة بناء السودان من جديد، وأعاد تشكيل مؤسساته القضائية (الشرعية) وإصلاح نظامه الضريبى، وأسس مدينة الخرطوم عاصمة لحكمه، وأقام بها مدارس حديثة ووسائل نقل نهري. و وكل الحكمدار أمر تنظيم الضرائب للأقباط، وللذين كانوا يقودون القبائل المتحالفة، مثل الشايقية، والذين كانوا معفيين من الضرائب. وتم عزل زعماء القبائل من غير المتعاونيين وإحلال آخرين أكثر توافقا ( (accommodatingأو من المنشقين على زعمائهم القبليين مكانهم. وأدت تلك السياسة إلى مزيد من التشظي القبلي.
أقام علي خورشيد بك أيضا جيشا سودانيا جديدا، وأنشأ أول مصنع بالسودان لإنتاج الصابون والسكر، ومصنعا للتقطير. وأعاد تنظيم التجارة ووسعها لتشمل ريش النعام والعاج وأثواب "الزراق" والصمغ العربي والرقيق وقصب السكر والماشية. وشهدت تجارة الرقيق على نحو خاص توسعا كبيرا من عام 1826م، إذ كان ذلك العام هو أول عام شرعت الحكومة فيه بالقيام بحملات رسمية في أحراش الجنوب لإصطياد الرقيق. ومع مرور السنوات صارت تلك الحملات تتوغل أكثر فأكثر في مستنقعات أعالي النيل، حتى بلغوا غندوكرو قرب الحدود السودانية – اليوغندية عام 1841م.
وكانت تجارة الرقيق تدار في الأساس بالجلابة (تجار من شمال السودان)، والذين ظلوا – وهم تحت الحماية المصرية الحكومية- يتوسعون جنوبا، خاصة بعد أن تخلت الحكومة عن احتكار تلك التجارة في عام 1840م. وكان هنالك مصدر آخر لتجارة الرقيق، ألا وهي منطقة جبال النوبة. غير أن سكان تلك المناطق قاوموا تلك التجارة بضراوة، وحاربوا من أجل نيل استقلالهم من السيطرة المصرية، وصمدوا في مقاومتهم حتى عام 1884م.
وقامت الحكم المصرية بقيادة الحكمدار أحمد باشا أبو ودان (1838 – 1843م) بالتنقيب عن المعادن، ودعت التجار والشركات الأوربية للمشاركة في تلك العمليات. غير أن فترات الحكام الذين أعقبوا الحكمدار أحمد أبو ودان شهدت إنحسارا متسارعا في عمليات التنمية والتعمير. ثم تخلت الخلافة العثمانية عن ممتلكاتها في مدن ساحل البحر الأحمر مثل سواكن ومصوع، لمصر. وصادفت تلك السنوات كوارث جمة حاقت بالسودان من فيضانات ومجاعات وأوبئة (مثل وباء الحمى الصفراء في أعوام 1836 و1837 و1856م). وزاد عدد سكان الخرطوم رغما عن كل تلك الكوارث من 14000 في عام 1837م إلى 50000 في عام 1883م.
ومنذ عام 1850 بدأت البواخر والمراكب تحمل البريد والركاب والبضائع عبر النيل بين الشلال السادس فى الشمال ومحطات متفرقة شمال السدود في الجنوب. وزار الخديوي إسماعيل السودان في عامي 1856 – 1857م، وكانت من قراراته في تلك الزيارة تغيير لغة مكاتبات الدولة الرسمية من التركية إلى العربية.
ودب النشاط مجددا في أوصال الحكومة المصرية بالسودان مع مقدم سنوات حكم الخديوي إسماعيل (1863 – 1879م)، إذ بدأ فيها إدخال كثير من المشاريع الجديدة، فتم التنقيب عن المعادن في عدد من المناطق الجديدة، وربط السودان بمصر بالتلغراف، وأنشئت وحدة للشرطة النهرية. وتم كذلك تعيين أول سوداني في منصب مدير الخرطوم، كان هو زعيم الشكرية أحمد بك عوض الكريم أبو سن، وذلك بين عامي 1862 – 1879م.
وبدأت الحكومة المصرية، ولأول مرة، في محاربة تجارة الرقيق، والتي عدتها أمر عفا عليه الزمن، بالنظر إلى السياسات العصرية التي قررت الحكومة انتهاجها، وتزايد نقد القوى الأوربية المؤثرة (خاصة بريطانيا) لتلك التجارة. وأثرت سياسة محاربة تجارة الرقيق على الجلابة (مثل الزبير باشا في دارفور ومحمد أحمد القاضي في بحر الغزال)، فبدأوا في تحويل نشاطهم إلى مناطق أخرى في جنوب البلاد وغربها لا تقع تحت السيطرة المصرية. ولم يؤثر تحريم الحكومة المصرية لتجارة الرقيق على تجار الرقيق فحسب، بل أضر ببعض القبائل مثل البقارة والكبابيش، والذين كانوا يقدمون العون اللوجيستي والحماية لقوافل تجار الرقيق وهي في طريقها إلى مصر، ورفع أسعار المسترقين في شمال البلاد ووسطها، والذين كانوا يستغلون في العمل سُّخْرَة بالزراعة. وعينت الإدارة المصرية بالسودان عددا من الأوربيين في الجنوب والغرب لتنفيذ سياستها المعلنة المناهضة لتجارة الرقيق. فتم تعيين البريطانيين غرودن باشا وبيكر باشا حكاما لمنطقة الإستوائية، والإيطالي جيسي حاكما لبحر الغزال، والسويسري مونزينقر حاكما لمصوع، والنمساوي – الهنغاري سلاطين حاكما على دارفور. وواجه تجار الرقيق تلك التحركات الحكومية بإقامة زرائب (قواعد) لهم في مناطق نائية في أقاصي غرب البلاد وجنوبها.
وفي ذات الوقت توسعت الإدارة المصرية على شواطيء البحر الأحمر، فتم احتلال بعض مدن الموانيء على ساحل الصومال مثل رأس حيفون وزيلع توطئة لغزو إثيوبيا من مختلف الإتجاهات. وبدأ ذلك الغزو في 1875م بأربع حملات عسكرية، كان بعضها بقيادة المغامرالأسكتلندي ماكيلوب، والذي نجح أيضا في الاستيلاء على بعض موانيء الصومال ومدن أخرى كانت تتبع لسلطان زنجبار. بينما قاد الحملات المصرية الأخري حاكم مصوع السويسري مونزنقر، والمغامر الدنماركي اهرندروب باشا، والمصري رؤوف باشا الذي احتل مدينة هرر(انظر المقال المترجم " 1877 - 1880: ثلاث سنوات من الهيمنة السودانية على ساحل الصومال". المترجم).
غير أن خطط الحكومة المصرية لضم إثيوبيا لممتلكاتها أصابها الفشل بعد أن وضعت نفسها تحت الحماية البريطانية في 1882م، ووزعت مستعمراتها في إرتريا والصومال على إيطاليا، واستولت بريطانيا على شمال الصومال، بينما نالت فرنسا جيبوتي وزيلع. وكان من نتائج سياسات الخديوي إسماعيل المفرطة الطموح في مجال التحديث والإصلاح، ورغبته في التوسع الإستعماري، واستثماره في مشاريع عالية الكلفة (مثل إنشاء قناة السويس) أن أفلست الخزانة المصرية تماما في عام 1879م. وقام على إثر ذلك صغار ضباط الجيش المصري بقيادة عرابي باشا بالاحتجاج على وضع اقتصاد مصر تحت الوصاية الدولية مما دعا بريطانيا للتدخل في 1882م. ونتج عن تلك الأحداث انحلال "الإمبراطورية المصرية". وفي تلك السنوات خسرت مصر سيطرتها على السودان إثر ظهور فقيه أعلن أنه "المهدي المنتظر"، وأشعل ثورة مسلحة ضد الحكم المصري – التركي في السودان في عام 1881م.

الطرق الصوفية في المناطق النيلية

كان هنالك، ومنذ بدايات سلطنة الفونج بسنار، علماء دين ورجال صالحون (holy men) إلا أن الطرق الصوفية المنظمة في مناطق السودان المختلفة لم تظهر إلا في القرن التاسع عشر الميلادي. ولعبت تلك الطرق دورا مركزيا في المجتمع والسياسة السودانية. فقد وفد للسودان بعض الحجاج من الجزيرة العربية أو من "بلاد السودان الغربية"، وأنشأوا فيه مراكز لتدريس الدين الإسلامي، نال بعضها شهرة عظيمة، خاصة إن تمتع الفقيه فيها بالقدرة على إظهار بعض الكرامات مثل شفاء المرضى، أو تقديم المشورة و/ أو العون المالي أو الاجتماعي أو الروحي لمريديه عند قيامهم بطقس "الزيارة". وأكتسبت تلك الطرق أهمية أكبر بعد سقوط سلطنة الفونج في بدايات القرن التاسع عشر، حين بعث شيوخ الطرق الصوفية في مصر وبلاد المغرب بموفديهم للسودان لنشر طرقهم بين السكان وإقامة زوايا مثل الشاذلية والسمانية - الخلوتية ، والتجانية ، والقادرية في العراق، والإدريسية والرشيدية والمجدوبية من اليمن والحجاز.
وأفلحت تلك الطرق الصوفية في الانتشار بين السكان، غير أنها لم تصب نجاحا يذكر في إقامة شبكات تنظيمية تغطي سائر أرجاء البلاد. وتولت لعب ذلك الدور لاحقا طريقة صوفية جديدة هي الطريقة الميرغنية (والتي أنشأها محمد عثمان الميرغني، والذي تتلمذ على شيخه أحمد بن إدريس، مثله مثل محمد السنوسي). وكان محمد عثمان الميرغني قد ولد في مكان يقرب من الطائف في الحجاز، وصار فيما بعد فقيها مثل والده وجده من قبل. وتتلمذ على يد أحمد بن إدريس، والذي بعث به للسودان لنشر طريقة شيخه. وأصاب الميرغني نجاحا عظيما في ذلك بأرض النوبة وشمال السودان. وآب الشيخ للطائف في 1823م مجاورا لمعلمه أحمد بن إدريس إلى أن توفي، فقبل المريدون في مكة والطائف بالميرغني خليفة لأحمد بن إدريس. وقام محمد عثمان الميرغني بإرسال أبنائه إلى مناطق العالم الإسلامي لنشر طريقته (الجديدة)، والتي زعم أنها تجب و"تختم"كل ما قبلها من طرق صوفية، ومن هنا أتى اسم "الختمية".
وبعث محمد عثمان الميرغني بأحد اولاده الذين كانوا قد ولدوا بالسودان (واسمه محمد الحسن الميرغني) لمسقط رأسه لنشر الطريقة الختمية. فطاف محمد الحسن الميرغني بسنار وكردفان ومناطق البجا في شرق البلاد، وأسس قواعد الطريقة الختمية بالسودان، وصار هو شيخ الطريقة الختمية بالسودان بعد وفاة والده عام 1853م، وأختار مدينة كسلا مركزا لها، وأقام بها حتى وافاه الأجل عام 1869م، وظل قبره مزارا للمريدين منذ ذلك التاريخ. وخلفه على زعامة الطريقة الختمية ابنه محمد عثمان (الأقرب) تاج السر (المتوفي عام 1886م). وفي عهده انتشرت الطريقة الختمية بالسودان وأقيمت لها زوايا في سائر أنحاء البلاد، لكل منها "شيخ سجادة" يعينه زعيم الطائفة بتوصية من "المقدمين". وتقع على "شيخ السجادة" مهام مالية وتنظيمة ودينية عديدة تشمل ترتيب الاحتفالات السنوية بالمولد النبوي ومولد محمد عثمان الميرغني، والذكر الإسبوعي، وإدارة أملاك الطريقة ومختلف شؤونها المالية. وبهذا يمكن اعتبار الطريقة الختيمة أول طريقة بالسودان تلقي بالا للتراتيبية في أعمالها الدينية والدنيوية.
واستفادت الإدارة المصرية من التراتيبة المركزية للطريقة الختمية فسعت للتحالف معها، وكافأتها في مقابل ذلك بطرق شتى. فقد ساعدت الإدارة المصرية الطريقة الختمية على إقامة زواياها ومدارسها ومساجدها في مختلف مناطق السودان، وفي إقامة البنى التحتية الدينية والاجتماعية اللازمة لمخاطبة واستقطاب مختلف فئات المواطنيين السودانيين. ولما كان قادة الطريقة الختمية من الذين قبلوا ببرنامج الحكومة المصرية الهادف للإصلاح والتحديث، فقد رأت تلك الإدارة في الطريقة الختمية حزاما ناقلا (transmission belt) ملائما لبرامجها تلك، ووسيطا مهما وفعالا بينها وبين الأهالي. وكسبت الطريقة من وراء تلك المهمة مالا كثيرا وأراض زراعية واسعة، أفلح قادة الطريقة في ترجمته لنفوذ سياسي عريض. وغدا الصعود في سلم الترقي الاجتماعي والسياسي للسودانيين الطامحين في المناصب العليا في مختلف المجالات مرتبطا بالختمية، وكان ذلك من أسباب تثبيت أصلها في التربة السودانية.
غير أن الصعود السريع للختمية باعتبارها طريقة صوفية سودانية يجب أن يفسر ويعزى أيضا لتعاليم الطريقة نفسها. فهذه الطريقة تغرس في نفوس من يتبعونها أنهم نخب روحية (spiritual elites) بفضل بركة محمد عثمان الميرغني وبنيه، وكراماتهم. لذا وصوفوا بأنهم كالغيث في الصحراء، وأنهم من عاقبوا الحكام الظالمين (بالحملات العسكرية المصرية)، ومن بمقدورهم تتبع أثر البضائع المسروقة. وبلغ من إيمان مريديه بشيخهم الكبير تصديقهم بأن كراماته وبركاته تمتد، ليس فقط لمن رآه كِفَاحاً في حياته، بل كذلك لمن رأى من رآه لأجيال متعاقبه، وأن نار جهنم لن تمسه أبدا. أي أن بركة محمد عثمان الميرغني لم تقتصر على معاصريه فحسب، بل داحت في المستقبل كذلك. ونسبت لمحمد عثمان الميرغني عندما كان طفلا صغيرا كرامات عديدة. ويؤمن مريدوه كذلك بأنه، عند زيارته لسنار في 1819م، منع شيخا دينيا مشهورا من القدوم عليه ، إذ أنه كان ينوي أن يسأله أسئلة قاسية. فقد كان من المقرر أن يصل الشيخ المشهور لسنار يوم الأربعاء، وأن يقابل محمد عثمان الميرغني في اليوم التالي. غير أن الشيخ لم يستطع مغادرة منزله بسبب عاصفة رعدية، وبسبب اصابته بعلة أودت بحياته نهار الجمعة، قبل الصلاة.
ويعزي نجاح وانتشار الطريقة الختمية في عهد الحكم المصري – التركي إلى أن بعض الطرق الصوفية الأخرى (مثل المجدوبية) كانت تعارض حكام ذلك العهد، والذين عاقبوها بنقيض الأساليب التي أمالوا بها إليهم الطريقة الختمية. وكان زعماء الطريقة المجدوبية قد أعلنوا عن تأييدهم للتمرد الذي وقع ضد الحكم المصري في عام 1822م، وكانت نتيجة ذلك أن دمر الجيش المصري – التركي مدينة الدامر تدميرا كبيرا، عقابا لهم، وتحذيرا لقادة الطرق الصوفية الأخرى من مغبة معارضة الإدارة المصرية.
وعلى الرغم من أن الإدارة المصرية قد أوقفت بعض الإمتيازات التي كانت تمنحها سلطنة الفونج لزعماء الطرق الصوفية (مثل الإعفاء من الضرائب) ووضعت أولئك الشيوخ ومدارسهم (خلاويهم) تحت المراقبة اللصيقة، إلا أن من يبدي من أولئك الشيوخ اي رغبة في التعاون مع الإدارة الحاكمة، كان يلقى مختلف صنوف الدعم والعون منها، مثل منحهم العطايا وابتعاث أبنائهم لمصر لتلقي العلوم الشرعية. وخلق أبناء أولئك الشيوخ الذين درسوا في الأزهر عند عودتهم للسودان طبقة من "العلماء" ظلت تداوم على تعضيد برامج الإصلاح والتحديث المصري (al 'égyptienne) بالبلاد. ولم يعد هؤلاء العلماء على ارتباط بالضرورة بأي طريقة صوفية معينة، بل كونوا جماعة من الموظفين الدينيين (religious functionaries) العاملين في خدمة الإدارة المصرية في المدارس والمحاكم الشرعية. غير أن التحالف بين الختمية والحكم المصري – التركي بالسودان كان في نهاية المطاف في غير صالح الختمية، عندما ظهرت الدعوة المهدية وطردت الحكم المصري – التركي من البلاد في 1885م، واجتذبت لها عددا كبيرا من أتباع الطرق الصوفية الصغيرة. وذهب محمد عثمان (الأقرب) تاج السر عقب انتصار المهدية إلى القاهرة منفيا، ومات هنالك في عام 1886م. وعاد ولداه علي وأحمد للسودان في عام 1898م ليعيدا بناء الشبكات الاجتماعية – السياسية للطريقة الختمية، بالتعاون هذه المرة مع حليف جديد هو الإدارة المصرية – البريطانية.

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 907

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1355463 [محجوب عبد المنعم حسن معني]
0.00/5 (0 صوت)

10-16-2015 09:25 PM
تحياتي استاذ بدر الدين
بداية اعتزر عن التصحيح السابق لكلمة كبير شئ. في المقال قبل السابق بعد التنبيه عليه من قبل احد القراء.
---------------------------
(وتم كذلك تعيين أول سوداني في منصب مدير الخرطوم، كان هو زعيم الشكرية أحمد بك عوض الكريم أبو سن، وذلك بين عامي 1862 – 1879م.)
كان جدي الكبير حسن معني(من بلاد الشام) دايماً كان يعرف بمعني السوري، تحدث عنه والد بابكر بدري بعد ان اطلق صراحهم من السجن وكان معهم نفر تم اتهامهم على خلفية حريقة حدثت في ذلك الزمان، اطلق جدي صراحهم بعد سجنهم اب سن من غير دليل وكان يمكن ان يتم اعدامهم بدون ذنب، وقال ان اب سن كان رجل جاهل وذكر ذلك بابكر بدري في كتابه. كان يعمل نائب لمدير الخرطوم المذكور بين قوسين، في الاصل جدي هو قاضي لكن تم تعينه في وظيفة ادارية ايضاً لاجادته عدة لغات.
مع مودتي

[محجوب عبد المنعم حسن معني]

ردود على محجوب عبد المنعم حسن معني
[محجوب عبد المنعم حسن معني] 10-17-2015 06:32 PM
تحياتي مرة اخرى يا استاذ
الشكر لك انت من بعد الله تعالى، وانت تتحمل كل هذه المشاق لتقدم لنا مادة خصبة تكشف كثير من تاريخ البلد.
مع مودتي

[بدر الدين حامد الهاشمي] 10-17-2015 05:46 AM
شكرا للتعليق
مع تحياتي


بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة