المقالات
السياسة
المشروع السياسي للإسلاميين في السودان من البندقية الي الحوار
المشروع السياسي للإسلاميين في السودان من البندقية الي الحوار
10-18-2015 01:03 AM


بلا شك ان القراءة السياسية للحركة الاسلامية السودانية لم ينقصها الذكاء والتدبر وهي تخطو الي الانقلاب العسكري في يونيو من العام 1989 ، وإذا احتكمت ودرست الواقع السياسي السوداني والمحيط الدولي والإقليمي في تلك الحقبة الزمنية لوجدت ان الانقلابات العسكرية كسبيل للوصول الي السلطة لم يكن منبوذاً ولا يشكل حرجاً وعيباً كبيراً عكس ما يحدث هذه الايام ، وستجد ان الشارع السوداني حينها لم يذرف دموعاً علي الديمقراطية المقتولة ببندقية الجيش ، وستجد ان دول الجوار العربي والأفريقي كانت اول من رحب بالتغيير في السلطة ، وستجد ان القوي العالمية سكتت حتي تعرف من اين جاء هؤلاء ولم تأبه كثيراً بكيف جاء هؤلاء ، وستجد ان انقلاب الانقاذ لم يكن وحده في تلك الحقبة الزمنية فقد ترافقت معه في تلك الحقبة عديد الانقلابات ، انقلاب في اثيويبا وانقلاب في تشاد ، وانقلاب في الجزائر ، وقد تزامن مع التغيير الانقاذي تحولات كبري في تاريخ السياسة العالمية ، لعل ابرزها انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة ، والهبة الشعبية التي اطاحت برموز اليسار الحاكم في اوربا الشرقية ، والثورة في ميدان تيانانمين ضد النظام الشيوعي في الصين المطالبة بالحرية ، وانهيار الحركات اليسارية الحاكمة في امريكا اللاتينية ، تلخيصاً يمكن للناظر حينها ان يري بوضوح صعود الاسلاميين في السودان بانقلاب عسكري و سقوط اليسار في اوربا الشرقية عبر الثورات الشعبية ، وانهيار الاتحاد السوفيتي بالسكتة القلبية وسقوط حركات اليسار بالفشل الديمقراطي في امريكا اللاتينية .

الانقلابات العسكرية في السودان ليست بدعة جاء بها الاسلاميين بل تكاد تكون ثقافة لها جذور في تربة السياسة السودانية في فترة ما بعد التحرر والاستقلال ولعل مقولة المسيح عليه السلام تنطبق علي الاحزاب والقوي السياسية والإنقاذ تمد لسانها وتقول لهم قولته المشهورة من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر ، فالقوات المسلحة السودانية منذ الاستقلال اصبحت ملعباً خلفياً للسياسة السودانية تداري بها عجزها في ميدان الديمقراطية ، وليس سراً ان غالب الاحزاب السودانية تملك اجنحة عسكرية بل ان بعض هذه الاجنحة كان في سباق مع الزمن للاستيلاء علي السلطة فكان من الممكن ان نري في العام 1989 انقلاباً يسارياً او بعثياً فالكل كان يعد عدته للانقضاض علي التجربة الديمقراطية التي فشلت في الحفاظ علي امن وسلامة الدولة السودانية ولعل اصدق تعبيراً للسوء الذي كانت عليها الديمقراطية الثالثة عبارة زين العابدين الهندي المشهورة والتي نعي فيها الديمقراطية بقوله اذا شالها كلب لن نقول له جر .

الخوف من المشاريع الاستئصالية التي بدأت تظهر علي السطح بقوة يومئذ كان واحد من الاسباب الجوهرية لتبريرات الحركة الاسلامية في انقلابها علي الديمقراطية ورغم ان الخوف يتضخم ويتصاعد في الحركات ذات المرجعية الفكرية لكن اعتقد ان مبرر الخوف كان مقبولاً واعتقد ان الانقلاب لم يكن شهوة وسعاراً للسلطة حينها بل كان معركة حياة ومصير ووجود للحركة الاسلامية ، صحيح انه بعد ذلك تبدل الي شهوة لا تشبع ابداً ، وإذا نظرت الي ما حدث في الجزائر حينها ستعلم كم هو مقدار الذكاء عند الاسلاميين وإذا نظرت الي مصر اليوم فستعلم ماذا فعل الخوف المشروع بمشروع الاسلاميين ، ولذلك كانت الانقاذ اشطر من اعدائها فقبل ان تصبح الضحية كانت هي الجزار ، وتبدل ادب المحنة والحزن من الاسلاميين الذين لا يبرعون في شئ قدر براعتهم في البكاء وتصوير الاحزان الي غيرهم فالعيش في الاحزان لذيذ وممتع ولكنه مميت ، فبعد ان كانت المحنة اسلامية تحولت الي يسارية فأنتج الحزن عم عبدالرحيم وغيرها من المناحات في السرداق الذي لم يرفع حتي اليوم .

اليوم وبعد خمسة وعشرون عاماً تقف الحركة الاسلامية علي مسرح السياسة السودانية بلا بندقية وبلا سلاح وبلا عساكر ، ما تحمله الحركة الاسلامية اليوم في يدها الحوار ، للوصول الي تسوية شاملة لقضايا الوطن التي تطاولت منذ الاستقلال ، وما تقدمه الحركة الاسلامية اليوم علي مسرح الحوار تجربة عمرها خمسة وعشرون عاماً من الحكم والسلطة المطلقة بلا شك ، هذه الخمسة والعشرون عاماً فيها ما فيها من الايجابيات وفيها ما فيها من المصائب ، فيها حصاد الهشيم المر وفيها حصاد السنين الحافل ، فيها المشاريع القومية التي انهارت وفيها المشاريع القومية التي قامت ، فيها الجنوب الذي انفصل وفيها الحرب التي انحسرت ، فيها الفقر الذي تجاوزت نسبته نصف السودانيين وفيها المنافي والمهاجر والدكاترة والنبق والبترول والتي ابقت النصف الاخر علي قيد الحياة الكريمة ، فيها المساجد التي تطاولت وفيها البارات التي دخلت تحت الارض ، فيها الامن والسلام المنقوص في المدن والعواصم وفيها الانهيارات الشاملة والفوضى التي ضربت العواصم العربية ، حتي لا ترهق نفسك كثيراً بهذه المقارنات فما عليك سوي ان تستدعي مقولة تشارلز ديكنز في روايته بين مدينتين ، كان اسوء الازمان وكان أفضل الازمان ، كان عصر الحكمة وكان عصر الحماقة ، كان ربيع الامل وكان شتاء القنوط .

واليوم بعد خمسة وعشرين عاماً تكتشف المعارضة السياسية السودانية ان المسرح السياسي الذي يجب ان تقف عليه شيدته الحركة الاسلامية ولكن الذي لم تكتشفه المعارضة ان بناء المسارح يحتاج الي خمسة وعشرين عاماً ولذلك المعارضة بين خيارين اما ان تمثل في هذا المسرح بكل ما فيه او ان تذهب الي القبر .

علي عثمان علي سليمان
[email protected]




تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 743

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1356479 [أبو محمد الأصلي]
0.00/5 (0 صوت)

10-18-2015 04:31 PM
يا خونا قول بسم الله انت جاي تبرر إنقلاب الجبهة الاسلامية على الحكم الديمقراطي ، ناسك دول كان بيرموا الرغيف في الأنهار والمجاري المائية أيام النميري عشان الناس تطلع مظاهرات وعملوا توتو كورة شماعة . بالله في بشر زي الناس دي ترمي الخبز في المجاري المائية والناس واقفة صفوف للخبز ده كله عشان الشعب يكره نميري . جاي تبرر الانقلاب ، مشاكل السودان كانت بسيطة قبل تسلطهم على رقابنا وكان السودان حدادي مدادي ، وكانت الجمعية التأسيسية سوف تنقعد للمصادقة على إتفاقية قرن / الميرغني والتي كانت سوف تحل جميع مشاكل الآخوة الجنوبيين ويظل السودان موحداً لكن ناسك ما عاوزين وحدة ولا استقرار كان همهم الوصول للحكم بأي طريقة عشان كده ما كانوا عاوزين المشاكل تتحل . الله ينتعم منهم دنيا وآخره رجعونا لحياة الكهوف .

[أبو محمد الأصلي]

#1356130 [كبسور]
0.00/5 (0 صوت)

10-18-2015 08:51 AM
الم تقرأ ( ويل للمطففين ؟؟)

أنت كاتب تجيد التطفيف

[كبسور]

#1356066 [ابراهيم1^2]
0.00/5 (0 صوت)

10-18-2015 06:53 AM
الذي اعتبرته إيجابيات ما هي الا سلبيات ,, لا توجد أي إيجابيات في انقلاب الإسلاميين المشؤوم,, اين المشاريع القومية التي قامت يعد المشاريع القومية التي انهارت ؟؟؟؟ اين الحرب التي انحسرت بعد انفصال الجنوب الحبيب ... الله الله في الادب الاخواني المتاسلم

[ابراهيم1^2]

علي عثمان علي سليمان
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة