المقالات
المنوعات
عَن رَحيْـل النّـوارِ خِلسَـة: هوامش على كتاب د. محمد عثمان الجعليّ ..
عَن رَحيْـل النّـوارِ خِلسَـة: هوامش على كتاب د. محمد عثمان الجعليّ ..
02-18-2016 12:20 AM


اقربُ إلى القلبِ:
لكأنهُ أراد أن ينبئنا بعد كتابه الأوّل متسائلاً: أنْ ما جدوَى البقاء بعد رحيل النوار؟ فرحلَ نهاية يناير عام 2016، وترك للحقل جفافه. . هاأنذا أودّعه بالذي كتبته مُستقبلاً كتابه، قبل سنوات قليلة. رحم الله صديقي الحبيب محمد عثمان الجعليّ. .
(1)
النجوم والأفلاك لا تسبح في مداراتها هكذا، دون خيط يموسق دورانها وانجذابها إلى بعضها البعض، ولا الشمس تلقي بشعاعها عليها، بلا قافية أو وزن أو بحر، ولا البحر اللجيّ في تنفسه، يخرج عن إيقاع مدّه وجزره. لا ينبو بيت شعرٍ عن بيت آخر في "معلقةٍ" واحدة. أقوالي هذي، ليست محض أقوال، أو عبرٍ خاوية على عروشها. كلا . . !
لقد شاقني الذي قرأت من قلم صديقي البعيد عنيّ، بُعدَ سنوات، القريب قُرب النبض: محمد عثمان أحمد الجعلي . . أما الكتاب فهو "رحيل النوار. . خلسة “، الصادر عن دار عزة في الخرطوم عام 2003. لكني دائما ما أحببت أن أنادي محمدا، في سنوات الصبا تلك، باسمه "مربعا" كاملا، ولربما أعجبتني الموسيقى الداخلية في اسمه، بسببٍ من ولعي بالشعر والقوافي.. كان الصديق محمد مكباً على " إدارة أعماله"، انكباب المنقطع المتبتل، ما أفلحنا في إلهائه عن مجلدات تخصصه ومراجعها، وقد كنا نراها جافة منفرة، وهي رؤية فطيرة عجلى وظالمة. ذلك كان في سنوات السبعينات الأولى، في كلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم. كنت أنا مكبّاً على مراجعي في الأنثروبولوجيا والاجتماع، بغرامٍ وَوله، لكن بما يتيح لي بعض وقتٍ للقراءات الواسعة المتنوعة، والانخراط في أنشطة ثقافية خارج التخصّص . .
(2)
لم يكن محمد عثمان الجعلي وقتها، يعيرنا كبير التفات، لكنه لاحظ ما علينا من عكوف على الأدب، ومن انشغال عن الدرس، بـ"أبادماك" وما أدراك ما "أباداماك"، أوائل سنوات السبعينات تلك. لكنه أفلح أيّما فلاح في حجب غرامه بالأدب عنا، لكأن ما خشيً في ذلك، أن لو وشينا بغرامه هذا لأساتذتنا في شعبة إدارة الأعمال، فإنه لا شكّ راسب، راسب. وعلى زماننا ذاك، كانت الوشائج أقوى ما تكون بين شُعَب الجامعة وكلياتها. نعم، كنا في كلية الاقتصاد، وهي ذات الكلية التي خرج منها الشاعر المُجيد كامل عبد الماجد في السبعينات، وهي ذات الكلية التي خرجتْ منها في الثمانينات، الروائية الفذة ليلى أبو العلا . .
لا تعجب إن وجدتَ الجعليّ، يأتي بكلّ هذا الأدب والإبداع، وهو قابع في تخصّصه الأصيل وفيا. أفلح محمد فلاحاً كبيراً، وتفرقت السبل بنا والسنوات تمضي سراعا، فشرّق هو وغرّبنا نحن، ولكن كلانا – وإن خاب قول المتنبي – لم يخب له مسعى في هذه الفانية. دارت بنا خطوط العرض والطول، فلم ألتقيك، محمدا، وإن كنت في البال دوما، أتسقط أخبارك بين حلّي وتسفاري في عملي الدبلوماسي، من أصدقاء الخير الذين اقتسمنا حلو عشرتهم سنين عددا ، نسأل الله أن يمد فيها بكل خيوط المودة وفيوض المحبة الصادقة . .
(3)
ذلك ما كان من أمر الصديق العزيز محمد عثمان الجعليّ، وأمري معه. بقي الودّ معلقاً على حبل سنواتٍ طالت بيننا، وبقيت ذكريات لطاف وأضغاث أحلام، صغنا بعض تفاصيلها في غدونا ورواحنا ، بين داخليات "البركس" في جامعة الخرطوم، وقاعات الدرس، وما بينهما من "محجّات" ، مثل "قهوة النشاط" وركن "عمّ السر" ، سقى قبره مطر الرحمة، وقاعة "ألوَن أو توو"، حيث صال وجال عبدالله الطيب والشوش ومحمد عبدالحي ومحمد الواثق وسواهم من العقول الكبيرة. . هذا "البين" الذي أحدثك عنه، هو الجامعة الأخرى، أو قل هو الجامعة كلها. تلك أيامنا، وهي من بعض أيام الراحل علي المك وجيله، موضوع صديقي الجعليّ ومحور كتابه . .
ثم فاجأني "رحيل النوار، خلسة ". .
ومن كاتبه . . ؟
محمد عثمان الجعلي، أستاذ إدارة الأعمال، المستشار الآن في دولة الأمارات. وما كتب عن "إدارة الأعمال" هذه المرّة، بل كتب عن "إدارة الأجيال"، إن جاز لي القول، وبولاءٍ بيّن لتخصصه الأكاديمي، كما تراه مبثوثا في كلامه الرشيق. طوّف بنا في أم درمان وفي الخرطوم وفي بحري، طواف مطوّف عارف حاذق لمناسك المجايلة، وأسرار التصاهر والتمازج، وتضاريس تشكيل لوحة، تتشظى في توحّدها، أو تتوحد في تشظيها، ونحن - والجعليّ معنا - شهود قعود ، ما برحنا نرى ونسمع، وقد آن لنا أن نقول شيئاً الآن. في اللحظة الدقيقة، جاءني الجعليّ بكلّ الذي وددتُ أن أقول. .
(4)
أنظر كيفَ كتب الجعلي عن الثنائيات في الفن والطرب:
(في مطلع الستينات عمّت عالم الطرب السوداني ظاهرة الثنائيات، شعراء ومؤدون: حسن عوض أبو العلا وأحمد المصطفى، بازرعة وعثمان حسين، عبد الرحمن الريح وبعده الطاهر ابراهيم مع إبراهيم عوض، القرشي وعثمان الشفيع، إسماعيل حسن ووردي، مبارك المغربي وعبد الدافع عثمان، إسماعيل خورشيد وصلاح محمد عيسى.
ثمّ مؤدون: ثنائيات الحقيبة، ثنائي النغم، الثنائي الكردفاني، ثنائي الجزيرة وثنائي العاصمة -الذي بدأ ثلاثيا قبل الرحيل المبكر لمحمد الحويج -في وسط غابة الثنائيات المتشابكة، والمسيطرة على الأجهزة الإعلامية المتاحة، كان التدرّج البطيء المحسوب الخطوات، هو الطريق الوحيد لاختراق السدود والعوائق الإعلامية).
ثم أقرأ معي ما كتبتُ أنا ذات يوم، أوائل عام 2004، وأنا مقيم في لندن وقتها، في رسالة أدبية، بعثت بها للصديق المقيم في هولندا آنذاك، عبد الوهاب همّت وبثثتها عبر "سودانايل"، وما كنتُ قد اطلعت على كتابة د.الجعليّ، التي نقلتها لك أعلاه من كتابه " رحيل النوار خلسة "، في صفحته السبعين. إليك كتابتي أدناه وأنا في لندن، مخاطبا صديقي همّت :
(5)
( .. وأراك تأسى ، إذ لم نر في ساحة الإبداع السوداني ، ثنائية مثل تلك التي أمتعنا بها علي المك وصلاح أحمد إبراهيم . ثم دلفت، يا صديق، تورد لي ثنائيات أدبية وإبداعية. . أضفتُ أنا إليها ثنائية " المحجوب" و" دكتور حليم" في الكتاب الممتع: "موت دنيا". ليس في الأدب وحده نجد تلك الثنائيات . أراك تحيلني أيضاً إلى دنيا الغناء. عرفنا ميرغني المأمون وأحمد حسن جمعة، ثم أولاد شمبات، وأولاد الموردة، وصولا إلى ثنائي العاصمة، أولهما أخي الأكبر وصديقي السني الضوي ورفيقه أبو ايدية . . ثم تدلف معي إلى الرياضة: الثنائيات التي لمع نجمها في السبعينات: قاقارين (صديقي و رفيق دربي الدبلوماسي، حيدر حسن حاج الصديق) وعز الدين الدحيش، ثم شوقي وفوزي الأسد، ود حلتنا، وهما في الهلال. . وصولاً إلى حمد والديبة، في زماننا ذاك. . ولعلك إن أمعنت النظر في مسيرة فنّ الغناء، ستجد فيها من الفنانين والشعراء ممن جمعتهم -ليس فقط ثنائية، بل توأمة في أكمل تمامها. ذكرتَ لي أنت فيمن ذكرت، عبدالرحمن الريح وإبراهيم عوض . . ثم عثمان حسين وبازرعة . . الرائع وردي وإسماعيل حسن، سيد خليفة و جمّاع . مصطفى سيد أحمد، الراحل المقيم، وصديقنا الودود اللدود، المهدي عبدالوهاب. . ثم مصطفى، نفسه ومدني النخلي . . وصلاح حاج سعيد. .
نعم، أيها الصديق. . إن للثنائيات في الساحة السودانية، وجهها الإيجابي، ولثمارها مذاق طيب.. هي ثنائية تميّزت بالحميمية، لا بالتنافر، بالاتساق لا بالتضاد. و ظنّي أنك تدرك كيف كان تأثير الحركة الأدبية في مصر، طاغياُ قوياً على مسار الأدب النامي في السودان، منذ بدايات القرن العشرين. لكن لا يخفى على النظر الفطن، كيف تنافرت التيارات الأدبية في مصر، فلم تنجو من تغوّلات السياسة، ولا من تقلبات الأمزجة الشخصية. فقد كانت الثنائيات المصرية على تنافرٍ وتضاد، بينما نجدها في السودان وقد غلبت عليها الحميمية، فصارت توأمة صريحة. أنظر، كيف وقع التضاد و التنافر بين قمتين في مصر أوائل القرن العشرين، بحجم أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، ثم تتكرر الثنائية المتنافرة بين طه حسين وعباس العقاد، ثم على مستوى أقل، تلك التي بين إحسان عبد القدوس والسباعي. ولكن هل ينكر أيّ منا كيف أفرز هذا التنافس إبداعا ساميا شديد الرسوخ. .؟
إني أرى لهويتنا المميّزة، وميضا في كلّ هذا الذي تحاورنا حوله، ولو أتيح لدارسٍ متأن، يملك مفاتيح الصبر الأكاديمي وبصراً سديدا، أن ينظر في هذه الثنائيات والمقارنات الإبداعية، لأمكن أن نتكيء على هذا الإرث الذي نقف على أرضه، وقوف المتبتل في محرابه. .
أشكر لك أيها الصديق، حسن حديثك، وتلوينه ثنائياً وقزحياً، فما من مبدعٍ قبلك، رأيته يجمع بين الدحيش ومصطفى سيد أحمد وجمّاع وعلي قاقارين وطه حسين وحمد والديبة والعقاد، في مقالٍ واحد. )
انتهت هنا رسالتي إلى صديقي همّت.
(6)
يقرأ من يقرأ هذين النصين، فلا ينكر أنهما صدرا عن قلمٍ واحد، وروح واحد. النجوم والأقمار لا تسبح هكذا في مداراتها، دون خيط يموسق دورانها. للجعليّ ذلك الصبر الأكاديمي الذي عنيت، وذلك البصر السديد الذي قصدت. تأمل معي عزيزي القاريء، تدافع الخواطر، ثم تلاقيهما، من ذهن صديقين.. !
أقول عن الجيل الذي انتمى إليه الراحل علي المك، أننا شهدنا شموخه، ونحن صبية في يفاعنا واخضرار أعوادنا. ما شدنا معهم تشييدا، وما ابتنينا صروحاً معهم، لكن أثرهم علينا كان بليغا، وإشعاع ثقافتهم آخذ بأبصارنا، فتولّهنا بهم، وانجذبت أفكار جيلنا هذا – وهو الجيل الثالث بعد الاستقلال -انجذابا شاملاً إليهم، وتطلعاً مبهراً بهم. يذهب بك د. عثمان الجعليّ إلى مراقٍ سامقة بسرده الذكيّ، يأخذك إلى أزقة بيت المال، وحواري حيّ العرب والدباغة، ويدلف بك إلى الصبابي وحيّ "كمبوديا"-وهي غير التي تعرف في الأطلس، أعلمك الله. ثم يعبر الجسور، حتى السجانة والديوم. يأخذك معه إلى مجالس الخرطوم بحري، يحكى لك عنها بعض قصص، وما فيها غير لهوٍ بريءٍ، لا شبهة لإثم فيه. يغفل الناس عمّا يحسبونه معتادا لا يستحق أن يشار إليه، غير أن ذلك السهل المنسرب من البصر، سرعان ما يرتقي رويداً رويدا، ليشكل لبنة حقيقية في تاريخ مجتمعٍ، يسير على طريق تشكّلٍ وانبعاثٍ وتميّز، لا تخفى معالمه، إلا على ناظرٍ معجلٍ لا يدقق. أنظر إلى د. الجعليّ، يحدثك في صفحة 99 وإلى صفحة 104 من كتابه، كيف كانت تسير الحياة في منتديات الستينات، في الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري.. في سلاسة مُبهرة. يأخذك إلى أناس يبدون في سرده مثل شخصيات " ألف ليلة وليلة"، أشبه بما تحكيه شهرزاد لشهريارها . .
(7)
في كتاب الجعليّ، تجد الراحل "سينا"، كما تجد "الهادي ال.. . ." ، ظريف أم د رمان الشهير، أطال الله عمره ، وتجد للراحل أيوب فارس ذكرا، مثلما تجد لـ "ود أب كالوق" و"شيخ اللازم" و"أبو جيبين" . . لك الله يا محمد، وأنت تحكي عن أناس عرفت أنا جلهم، سمعت عنهم قصصاً تطرب، أو قابلت بعضاً منهم في جدّهم وفي مهازلهم . . بعض أسماء ممّن ذكرت، هم أكبر منا في السن، أعمام وأخوال. هم من جيلٍ موازٍ لجيل الراحل علي المك، أو قل من مجايليه . أبناؤنا ممّن يقرأون حديثك يا محمد، يحسبون أنك تحكي عن كائنات من الجنّ والعفاريت . . !
(8)
النجوم والأقمار لا تسبح في مداراتها هكذا، دون خيط يموسق دورانها.
لا أشاركك رؤيتك لجيل علي المك فحسب، بل يخامرني إحساسٌ قويّ وأنا أقلب صفحات الكتاب، أنني مُمسك بقلمك، أكتب معك. تناسخ أقلام؟ إحلال رؤيا؟ وقع حوافر؟ سمه ما تشاء، لكنه إحساسٌ وإحساس قويّ من الممازجة الممتعة والتناصّ التلقائي. لم تكن رؤيتنا لجيل الراحل علي المك، رؤية متفرّج بعيد، أو رؤية مؤرّخٍ راوٍ، قابع وراء مخطوطات ووثائق، تُعدّ لتخرج لأجيال جديدة، تعاين إن كان ثمّة دروس تستفاد من تجاريب أجيال قديمة، بادتْ وقد سادتْ في أزمان مضت. كلا. نحن في يفاعنا كنا مع جيل الرّاحل علي المك. كنا مع العصافير التي سغسغتْ على بساتين الستينات، جزلي. كنا مع الشفيع وأحمد المصطفى ووردي وعثمان حسين ورمضان زايد ومهلة العبادية ومنى الخير، ثمّ البلابل تصدح في روابي السبعينات. كنا مع القصائد تشعّ من روح ود المكيّ والنور عثمان والسمندل عبد الحيّ ود. عمر عبد الماجد ومحي الدين فارس، والباهر مصطفى سند والشاعر السفير الحردلو، وأمير الشعر الشجيّ محمد الفيتوري . كنا شهود الخطوط تفرّ من ريشة عثمان وقيع الله، وفرشاة الصلحي وخطوط شبرين وجداريات كمالا وألوان حسين شريف العملاق، وحفر حسين جمعان بتميّزه الباهر. كنا نطالع ما كتب أبوبكر خالد وعيسى الحلو وإبراهيم إسحق . . ومختار عجوبة الذي يأخذك إلى البركل راجلا..
(9)
في كامل القرن العشرين، لا تحدثني عن الحروبات التي عصفتْ بسنوات طويلة منه، لكن حدثني عن بيكاسو وبول كلييه وكاندينسكي. حدثني عن كلارك جيبل وجيمس دين ولورنس أوليفييه وتشابلن وصوفيا لورين. حدثني عن لوي آرمسترونج وبوب مارلي . . حدث عن سارتر وساجان وآيريس ميردوخ وهمينجواي وفوكنر وجان جينيه وآرثر ميلر. ثم حدثني عن الأقربين: العقاد وطه حسين والمسعدي ومحفوظ والطيب صالح. يقصر قلمي عن ذكر منارات القرن العشرين، خاصة في سنواته الوسيطة: سنوات الستينات. تلكم هي سنوات جيل علي المك. كنت أحب لقلم الجعلي، أن يرحل بنا طويلا مع جيل علي المك، ويحلق بنا عاليا، إلى هذه الرحاب الوسيعة من حولنا، في الأقاليم التي نقيم فيها مع آخرين، قد لا تشابه ثقافاتهم ثقافاتنا، لكنهم وفي تجاريب شبيهة، كانت لهم آصرة تقرّبهم لجيل الراحل علي المك. لم يتشكل هذا الجيل الوسيط بمعزل عن المؤثرات والمتغيّرات التي انتظمت "الوطن الأفريقي" كله.
(10)
رياح التغيير وجراحاته -والتعبير أستعيره لك من أفريقيات جمال م. أحمد وابتداعاته - كان لها الأثر البليغ على القارة الأفريقية كلها. كتب الجعلي عنها وألمح إلى جلها، وأردته أنا أن يُسهب ليعمق رؤيتنا له. أكتب هذا ولا يغيب عن بالي أستاذي الراحل، أبو الدبلوماسية وشيخها، الراحل جمال. وجمال محمد أحمد من جيل صنّاع الاستقلال، لكنه عاصر جيل الراحل علي المك، وتوهّط وسط هذا الجيل بقلم رشيق، وزهد في الدعاية عن نفسه وقد كفاه إبداعه يحدّث عنه، لكنه الزهد الذي عرفناه عن هذا الجيل. جهد جمال اتجه صوب القارة الأفريقية، أدبها وثقافاتها، وما نظر كثيرا في " السودانيّ المحليّ ". لربما احتجنا أن نعود إلى ذكر جمال في ظرف أوسع .
(11)
على كلٍ يصدق أن نقول: إنّ السودانيين لم ينالوا حظاً لأدبهم في مقامات الأدب العربي. برغم ما قد يقال في التحليل والمسببات، غير أن الإبداع السوداني لجيل الستينات هذا، ظلم الظلم كله، وما وجد تقديرا كان يستحقه. لا تسأل أين جمّاع أو أين المجذوب. . ! الخرطوم تقرأ. . ذلك كان الزعم في الستينات، وما حفل الناس بما تكتبه الخرطوم. الآن يا صديقي، الجعلي، حلّ عصر الأنترنت، و" الحشاش يملاْ شبكته “.. !
يبهرك عزيزي القاريء، في "رحيل النوار خلسة. . "، هذا التنقل الميسور في بستان الستينات، بين وروده وأزاهيره، إذ يجري قلم الجعلي منساباً في ذكره لأساطين الرياضة. . يحدثك عن كيشو وعن ماجد وجكسا والقرّود، ثم يأخذك رويداً إلى الـ"كابليات " والـ "ورديات "، ثم لا ينسى صلاح محمد عيسىولا أيوب فارس ولا الرّاحل عبد العظيم حركة. وفي بعض صفحات من سفره الرشيق، يأتي على ذكر رجال ذوي أثر و شأو، كذكره لعثمان حسن أحمد، والراحل الدكتور خالد الكد. يحدثك عميقا عن ود المكي وأكتوبرياته، لكنه يحدثك أيضا، حديث العارف بقصائد علي المسّاح، أمير شعراء الحقيبة.. و لا يغفل عن ذكر إسماعيل عبد المعين فيفرد له فصلا كاملا .
(12)
يعيدني بعض ما كتب الجعلي، إلى رسالة شخصية، كنت قد بعثت بها قبل أشهر عديدات، وجهتها إلى شقيقي عبدالله شقليني، أو "بيكاسو" كما يحلو لأصدقائه أن ينادوه، عطفا على أحاديث المجايلة ، وإشارة إلى مقالات بديعة كتبها عبدالله عن سنوات الستينات و السبعينات :
(إن الذي كتبته أنت، يا عبد الله، في "سودانايل"، على مدى الأشهر السابقة، هو على سبيل ردّ الأمانة و صياغة الاعتذار وإلقاء الوميض على جوانب، ليست كلها سالبة، وعلى أناسٍ، ليسَ كلّ ما حولهم فشل، وعلى تجاريب عشناها، كان فيها للحياة مذاق حلو، وللأيام بريق ولمعان . . )
لا أزكّي لك كتاب الجعليّ، لكني أحثك حثا لتقرأه، ففيه النظر الثاقب لمآلات جيل، سعى ليمسك رايات الوطن من جيل الاستقلال، فما أحكم قبضته عليها، ذلك هو جيل علي المك، ما برح أثره باقٍ فينا.. كما أنت ملاقٍ في الكتاب، المتعة تأتيك كاملة غير منقوصة. إن محبتي و تقديري لأخي د. الجعلي، تضاعفا وازدهرا أيّما ازدهار، بعد جلوسي إليه يحدثني عن النوار يرحل وألقه بعد، باقِ.. عن الوردة تذبل، ثم تخرج من بعد ذبولها حقلا كاملا وعطراً فائحا. .
في كتاب الجعلي نبوءة الأمل، لوطنٍ حريّ بأبنائه أن يجعلوه وطنا متميزا. وطنا يليق أن نحيا فيه ويحيا فينا. . ولكن.
+++++
الخرطوم 12 فبراير 2016– بعد رحيل النوار..
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 4081

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




جَـمًــال مُحَـمّــد إبراهـيْـــم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة