المقالات
السياسة
انتفاضة سودانية لا تزال الأيام تستدعيها للحضور
انتفاضة سودانية لا تزال الأيام تستدعيها للحضور
10-20-2015 05:26 PM


يعد الشعب السوداني أول من أدخل كلمة انتفاضة في القاموس السياسي العربي .. هذا ما يعترف به العرب قاطبة !!.

في مثل هذا اليوم قبل اكثر من خميسن عاما ( 21/10/1964م ) خرجت جموع الشعب السوداني عن بكرة أبيها لتقتحم المجهول في ملحمة ثورية رائعة ضد الحكم العسكري للفريق أبراهيم عبود .. وهي الملحمة التي أنطلقت شرارتها الاولى من جامعة الخرطوم ـ منارة العلم وقلعة الصمود والتحدي آنذاك ـ فكان دم الطالب الشهيد الخالد أحمد القرشي بمثابة الزيت الذي صُب على النار ليشعل الشارع السوداني وتخرج مواكبه الهادرة كالرعود تنادي بالحرية والانعتاق من الديكتاتورية ونزوة العسكر .. فكان لها ما أرادت .. وهوى نظام الفريق عبود .
ثم جاءت حكومة سر الختم الخليفة .. وهي حكومة مدنية ولدت من رحم السنين .. فأتت بأبناء حملوا راياتها وتصدوا للمسؤولية في اباء وكبرياء محملين بآمال وطن وطموحات شعب طالما هزه شوق عارم للحرية والعيش في سلام وكرامة وديمقراطية وتراحم وتواد مع أهل داره وجيرانه شرقا وغربا وشمالا وجنوبا .
ورغم الاخفاقات والمماحكات التي صاحبت مسيرة تلك الانتفاضة الشعبية النادرة والتي قادت ـ أي تلك المماحكات لاحقا ـ الى حدوث انقلاب عسكري آخر بقيادة العقيد ـ آنذلك ـ جعفر نميري يوم 25/5/1969م .. الا أن ثورة- انتفاضة 21 أكتوبر شكلت منارة حية في ردهات التجارب الديمقراطية التي مر بها السودان منذ استقلاله في الفاتح من يناير عام 1956م .. بل كانت بمثابة منعطف تاريخي هام سيظل يسجله كل من يكتب عن تاريخ السودان الحديث باخفاقاته ومنجزاته.
تأتي هذه الذكرى والسودان يترنح أمام تحديات خطيرة أقلها أن يكون أو لايكون فضلا عن اخفاق أبنائه في التوصل الى حل يحفظ له تاريخه ووحدة ترابه ووفاق أهله وأمنهم واستقرارهم.
كما تأتي ذكرى انتفاضة 21 أكتوبر العملاقة اليوم وسط متغيرات دولية واقليمية متشابكة ومتداخلة الأهداف والغايات ومتشعبة المرامي والمآلات .. والسودان نفسه يواجه مخاطر بلا حدود .. وهي مخاطر عجز أبناؤه عن مواجهتها أو التعامل معها من منطلق الحرص على كيانه و البعد عن مصالحهم الفئوية والحزبية الضيقة .. فضلا عن خلافات تنخر في بناء المجموعة الحاكمة التى وجدت نفسها في ورطة ذات بُعد اجتماعي داخلي واقليمي وعالمي عميق تعد أزمة دارفور أحد اوجه تجلياتها المأساوية وجواز المرور الذي منحه أبناء السودان لتدخل دولي يتنامى يوما بعد يوم توالت بعدها ازمات يمسك بعضها برقاب تعددت في ظلها بؤر التوتر والحروب لتشمل النيل الأزرق وجنوب كردفان وجبال النوبة وفي الشرق نار تحت الرماد .. كل ذلك فضلا عن منطقة ( أبيي) المتنازع عليها بين الشمال والجنوب والتي أضحت اليوم (كشمير السودان ) .
تمر ذكرى ثورة أكتوبر العملاقة والسودان مقسم والسواد الأعظم من شعبه مغيبة تماما عما يجري بشأن وطنها ومصيره ومستقبل كيانه .. لا بل أن المجموعة الحاكمة بأمرها في الخرطوم باسم الاسلام تكابر وتزداد صلفا وعنادا يوما بعد يوم دون أن تقر صراحة بعجزها البين وفشل( مشروعها الحضاري المزعوم ) وبعثرة نسيج ( ثوابتها ) التي كانت تنادي بالعض عليها بالنواجز وعدم التفريط فيها حتى لو أدي ذلك الى خوض حرب مع كل دول الجوار أو حتى الشيطان الأكبر الولايات المتحدة الأميركية نفسها !!!. الا أنها تخوض اليوم حروبا متعددة الأوجه أبرزها تلك التي تخوضها مع الجوعى والمرضى والعطشى والمنكوبين جراء السيول والفيضانات والديون الخارجية وملاحقة الجنائية الدولية وانقسامات تضرب في عمق المؤتمر الوطني الحاكم والغضب الشعبي الممتد والمستمر لا يزال يحاصرها من كل جانب .
وقد صدق أحد الساسة السودانيين المرموقين حين قال ذات يوم : ( لو كانت الشعوب تمنح بقدر تضحياتها .. لأستحق الشعب السوداني الفردوس جزاءًا ) .. فهو بحق واحد من شعوب الأرض القليلة التي لم تقطف
ثماراستقلالها طيلة سنين كفاحها المستمر .. ولم تنعم باستقرار قط .. وانما تقاذفتها أعاصير استعمار من نوع آخر .. ففيما نعمت بنحو أثني عشر عاما فقط بالحكم الديمقراطي .. فان ليل العسكر الدامس قد أرخى سدوله عليها لأعوام طوال الا أن أسوأها على الاطلاق ـ برأي الكثيرين من أبنائها ـ هو نظام الحكم الحالي !!! وهو الذي أدى الى تمزيق البلاد وتشريد الملايين الى خارج حدود الوطن و تزايد حدة معاناة من بقوا بداخله .
وطيلة سني استقلاله ( منذ يناير 1956 لم ترحل عن هذا السودان مظاهر التفرقة والتشرذم والاقتتال والاحتراب بين أبنائه .. بل أن منهم من ظل طيلة تلك السنوات لاعبا أساسيا في ساحته السياسية ( ديناصورات ) رغم فشله في المساهمة الفعلية للأخذ بيد هذا الوطن المنكوب بأهله والخروج به من مأزق الفرقة والضياع الى مرافئ الوحدة والسلام والأمان والتصالح بين كافة الطوائف والمجموعات التي تعيش على أرضه .. وخير مثال على هؤلاء الديناصورات زعماء بيوتات طائفية شكلت كارثة حقيقية على صعيد البلاد والعباد يمثل الصادق المهدي النموذج الأبرز فيها دون منازع !!.
والمتصفح ـ بتأن وتؤدة ـ لملف الفواجع التي لحقت بهذا السودان يجد نفسه أمام تراجيديا مبكية مضحكة ,, حيث أن كل تلك المحن ـ والتي لا تزال تتناسل يوما بعد يوم ـ هي بأيدي أبنائه وحدهم لا بأيدي سواهم
!!. وتلك أحد أوجه المفارقات في الساحة السياسية السودانية … كما أن ساسة هذا البلد المنكوب الحاليين لم يأخذوا العبرة من غيرهم ولم يستفيقوا من غيبوبة أيامهم الأولى .. ولم يستوعبوا الدرس أو يلتفتوا لمستجدات عالم اليوم الذي أضحى قرية كونية صغيرة لا مجال فيه للخصوصيات فيما يتعلق بحقوق الانسان وأسس الديمقراطية وحريات الشعوب.
كما أن الحديث عن ذكرى انتفاضة 21 أكتوبر64 والتي تعد الأولى من نوعها ولعلها الفريدة في عالمنا العربي ـ يستدعي كل التاريخ ليقف شاهداً على ما يجري اليوم في السودان ,, حيث وطن يترنح .. وشعب يتململ غاضبا .. وحكومة تمزقها صراعاتها الداخلية .. ومعارضة عجزت عن أقناع الشارع لمساندتها والعمل تحت جناحها المهيض فآثرت اللجوء الى الخارج والتنقل بين عواصم العالم عله يحقق لها ما تسعى اليه لاسيما تداعيات الانتفاضة الشعبية الكبرى التي جرت فصولها المأساوية في 23 سبتمبر 2013 ثم همدت وخبأت جذوتها ولو الى حين فيما بعض أطراف محسوبة على المعارضة تبحث لها عن موطئ قدم في معركة يدور رحاها من أجعل الوصول الى كرسي الحكم ولو على أشلاء وطن ممزق ودماء شهداء لم تجف بعد .
أنها مأساة تتشكل .. ومحنة تتناسل .. وطامة كبرى تنتظر هذا الوطن الجريح في مقبل الأيام . فالسودان أمام اختبار صعب وامتحان عسير : فاما أن يكون أو لايكون.. بصرف النظر عن من يحكمه أو كيف سيحكمه.
ولكن تظل الحلول معلقة في الهواء والمآلات متأرجحة .. وضباب كثيف يلف سماء مستقبل هذا السودان .
وتبقى الحقيقة التي لا مناص من البحث عن الوصول اليها والتعامل معها بوعي وتعقل وهي أن الحل لن يكون الا بيد أبناء السودان أنفسهم .. وعليهم التحرك بهذا الاتجاه قبل فوات الأوان وأنتظار حلول معلبة من الخارج .. وعلى نظام الاخوان المسلمين الحاكم باسمه في السودان أن يعلم ان سياساته العرجاء وانفراده بالسلطة وتجاهله لنداءات الشرفاء المتكررة كشركاء لن تفضي الا الى المزيد من تشظي البلاد والعباد .
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 770

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خضر عطا المنان
خضر عطا المنان

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة