المقالات
السياسة
صراع الهويات
صراع الهويات
10-21-2015 04:35 PM


الصراع حول الهوية صراع مستمر ؛ إنه صراع حول تأسيس الدولة على انتماء محدد ، وهذه هي الخطورة ، ﻻن أي تأسيس لهوية ما هو اقصاء لهويات أخرى . لا يمكننا أن نكون مابعد حداثيين لننفي الدولة نفسها من تأسيس الهوية وذلك ليس ﻷن الصراع على أشده فقط وإنما ﻷنه لا يتصور تفريغ المحتوى الهوياتي من إطار الدولة رغم أن النموذج الأكثر بروزا لهذا التفريغ هو أميريكا . أن يتم فقط الاعتداد بالهوية القانونية أي برابط الالتزامات والحقوق يبدو صعبا في ظل حدة الاستقطاب والمنافسة على الهوية ، أي استقطاب الدولة لتنتمي لهوية ما ، والمنافسة لفرض هذه الهوية على الدولة ولو باستخدام القوة أو السياسة أو الأمرين معا.
إن مشكل الهوية لا يجد له حلا ، والحلول الأخرى مرفوضة مسبقا ولو قبل فهم أهميتها في تحقيق الاستقرار لمكونات الدولة الاجتماعية.
هناك مثلا الارتداد إلى الذات الفرد ، أي الذات المفارقة للآخر حتى ولو حاولت انتماءات ما جمعها بين الاثنين ، إنها اطروحة علمانية وميتافيزيقية في آن واحد ، علمانية ﻻنها تفصل بين الذوات والموضوعات وميتافيزيقية ﻷنها خارج التجريب . الارتداد الى الذات الفرد يعني خلع كافة الروابط بين الجماعة والفرد أي أنها ليبرالية تماما .. إنها رد الفرد إلى كونه رقما حائرا في الوجود وتخلصه من ثقل أي هوية عالق على روحه.
يمكننا أن نقول أن أوروبا مثلا جمعت بين عدة أطر لتحديد هويات الدول المكونة لها في إطار الوحدة الأوروبية ولكنها لم تتجاهل التنوع -المتصارع - داخلها كالقبائل ولكنها استخدمت حلين ؛ الحل القانوني أي تحديد الهوية على الرابط القانوني بين الفرد والدولة بعيدا عن الهويات النووية ، والحل الميتافيزيقي أي الليبرالية الثقافية كجانب تطبيقي عملي لنظرية ارتداد الفرد الى ذاته المعصومة عن الروابط الأخرى. مع ذلك فهناك أشكال لهويات ولكنها توقفت نتيجة هذه الحلول عن الصراع كالشكل القبلي والعائلي والجهوي ؛ ومع الطفرة الاقتصادية فإن هذه الهويات الصغيرة تكون ساكنة ولكنها تنفجر بسرعة غير متوقعة في الأزمات الحقيقية . ويذكرني هذا بفيلم ألماني اسمه الموجة ، حيث قام أحد المدرسين بانشاء مجموعة مدرسية اتفق على تسميتها بالموجة ، ولكن هذه الموجة تحولت إلى هوية للطلاب ، إلى أسرة ، إلى قبيلة ، حتى تجاوز الأمر حدوده فالغى هذا الاستاذ هذه المجموعة مما أدى إلى انتحار أحد الطلبة ﻷنه شعر بأنه قد فقد هويته. وبالتالي فإن الهوية سواء كانت حقيقية أو متوهمة ، اجتماعية أو سياسية أو ثقافية أو دينية ، يمكنها أن تطفوا إلى السطح في الأزمات ولذلك فإن أوروبا ليست بعيدة عن هذا الصراع في المستقبل ، إن لم تترسخ الهوية القانونية . وهذا ما نجد له بعض الآثار في الرافضين للمهاجرين الجدد خوفا على هوياتهم الخاصة.
وأما في الدول النامية أو المحكومة بديكتاتوريات ، فإن الهويات مقموعة ، أو توحد قسرا في هوية واحدة مقصية ماتبقى من هويات ، ولذلك فإن أقل زعزعة للنظام الدكتاتوري يعني انفجار صراع الهويات ، وبمجرد أن تسمع بذلك فعليك أن تدرك هشاشة النظام الحاكم للدولة.

21 اكتوبر 2015

[email protected]




تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 977

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1358653 [الديموستناره]
0.00/5 (0 صوت)

10-22-2015 12:21 PM
تحليل ممتاز

[الديموستناره]

#1358324 [sikat]
5.00/5 (1 صوت)

10-21-2015 08:39 PM
و هل الحياة إلا صراع.

مقال جميل جدا جدا...

كما تقول تماما، و بشكل مدهش، فصراع الهوية هو في النهاية صراع انتماء.
و السؤال هو كالاتي: لو كانت الأرض واحدة، و الانسان متعدد، فالي أي شيء ينتمي الانسان في ظل ذلك التعدد؟ و كيف يختار؟

و الأجابة هي: ينتمي إلى نفسه، إلى الأنسان فيه.

فالانسان في نفسه متعدد، و لا بد أن يتوحد داخليا، حتى يختار.
الانسان روح و بدن.

و الانتماءات إما للأرض، و يقابلها في النفس بدن الانسان فقد خلق من الطين، أي انتماء للمكان، و النشأة و المجموعة الإنسانية التي وطنته، و الأسرة، ثم القبيلة، ثم العشيرة، ثم الشعب، ثم الوطن ثم الأمة، على هذا الترتيب التاريخي الممرحل، في استمرار، أضافة للعدد، و توسيع القاعدة للجميع، على أساس مفهوم الأمن الاجتماعي أو الحماية ضد الآخر.

أو الانتماء للفكرة، و يقابلها في النفس روح الانسان، التي هي فكرة الله نفسه، فقد قدت الروح منه، و نفخت في الانسان. و الانتماء الفكري هو أخطر أنواع الانتماءات، خصوصا لو ارتبط بفكرة الدين، فقد يكون "انتماء مدمر"، دون أن نشعر.

أقصد بالانتماء للإنسان، من حيث هو، يعني فكرة الحق، يعنى التجرد من كل انتماء مكاني و فكري. قال عمر بن الخطاب مرة: " الحق، لم يترك لنا صديق، و لا صاحب"
كما قال النبي: " لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". و قال على الكرار: " الانسان إما أخيك في الأيمان أو نظيرك في الإنسانية". والاخوة المقصودة في الحديث، تتحرك في الزمن، فتصير في عصر العولمة و ما بعد بعد الحداثة، أخوة في الإنسانية. وهو المقصود بالانتماء للحق، و الانسان. تتجاور به مرحليا، الى أن تتلاشى و تسقط فن النهاية كل العصبيات المكانية و الفكرية. و دمت.

[sikat]

#1358269 [سودانية]
0.00/5 (0 صوت)

10-21-2015 06:17 PM
والله في السودان الصراعات القبلية والتطرف الديني والارتداد للقبيلة كهوية لم يظهر ويطفو علي السطح بشدة مما ادي لتشظي الوضع وانقسام السودان لدولتين الا في عهد دكتاتورية الكيزان ..لما لم يحدث ذلك في وازمان الحكومات الديمقراطية ؟؟؟!!!!
دولة المؤسسات والقانون والحرية والعدالة هي الحامي والحارس الامين من هكذا تشظي لانها تجعل الصراع علي الهوية يتقزم ويضمحل ويذوب في الهوية الوطنية
الوطنية التي تقدس الوطن كانتماء فوق كل المقدسات والاعراف
انا سوداني انا والسوداني انا

[سودانية]

ردود على سودانية
[الوجيع] 10-22-2015 10:57 AM
نعم يااخت :الكيزان لا تحصى مساوؤهم ولكن تعليق كل مشاكلنا على هذ المشجب القصير يخلق ستارا بيينا وبين التفكير السليم اللازم للوصول الى حلحلة هذه المشاكل وينبغى ان نتجرد ونسمى الاشياء بمسمياتها ثم نغوص بعمق ونبحث فى اسباب المشكلة ربما نجد لهم دورا فيها فى مرحلة من مراحل تطورها ولكن مسائل العنصرية والجهوية والقبلية موجودة منذ بدءالخليقة...وهم انفسهم لا يشكلون عنصرا عرقيا واحدا بل تشكيلة من جميع اعراق واثنيات البلادوبالتالى لا ينطبق عليهم هذا الوصف ولكن ضعف الدولة وغياب الاستراتيجية الواضحة المعالم وغمط الحقوق والبحث عن الحلول السهلة اثارت شهية بعض الاعراق فى السيطرة على مقدرات البلاد وتجييرها لمصلحتها الخاصة دون الاخرين فى مشهد تشوبه الانانيةالمفرطة وحب الذات واعطت البعض حقوقا وامتيازات ليست لهم هضما لحقوق اخرين اكتفوا بتقديم التنازلات فى سبيل اهداف ما تزال فى رحم الغيب .


د.أمل الكردفاني
د.أمل الكردفاني

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة