المقالات
السياسة
ما قاله المدعو "قائد الحامية" لعناية السيدة الوالدة
ما قاله المدعو "قائد الحامية" لعناية السيدة الوالدة
10-22-2015 09:53 PM


عند زوال الشمس، ولمدى ثلاث سنوات متصلة، كانت تذهب في أيام الخميس من كل أسبوع إلى قائد العسكر، الذي يمِتُّ إلينا بصلة قرابة بعيدة، لتسأله نفس السؤال:

- "أقتيل هو..
أم أسير"؟.

أغلب الوقت، كان يزجرها. وأحياناً، أحياناً جدُّ قليلة ومتباعدة، كان يشفق عليها.. يُطمئنها: "بنتَ العم طاهر.. أنا رجل مباديء.. كيف تطلبين مني الكتابة في أمر عودته؟. ثم هو بخير.. وشرفي العسكري هو كذلك.. ألا تصدقين؟.. هاهو التقرير أمامي.. لم نُصب بضرر جسيم. إذن، ألا تسمعين الراديو، يا امرأة ؟.. فبالأمس فقط... تعرَّض جيش العدو لخسارة موجعة"؟.

كانت تخبرني، آخر الليل، بما دار بينهما.

وكان يُصادف، حين تعود من رحلتها تلك، أن يمر بها عدد من الجنود العائدين لتوِّهم من الجبهة لسبب أو آخر. كانت تستوقف مَن تراه "منهم مناسباً". وكانت تشعر، في كل مرة تفعل فيها ذلك، وكأن اتفاقاً خفياً قد نشأ فيما بينهم على ألا يقولوا لها شيئا سيئا قد حدث له هناك، على أرض المعركة البعيدة النائية.

كانت تقول للواحد منهم: "من قبيلة الأشراف.. فرع بني العباس... ذاك اسمه.... وتلك أوصافه. حسناً، أقتيل هو.. أم أسير؟. قل لي يا ولدي.. فأنا أمّه.. تكلّم.. ألم تقابله هناك؟. لا تصمت هكذا.. قل لي.. تكلّم يا ولدي.. أمر المؤمن كله خير.. قل لي.. تكلّم... لا تخش شيئاً"

كانوا يكتفون في الغالب بهزّ أكتافهم.. بالصمت.. أو بمواصلة أغنيات تتوسل إلى حبيب له فخدان مستديران ومصبوبان كدوائر نداء خافت بعيد. إذ ذاك.. إذ ذاك فقط.. كانت تلعنهم.. تعاتبهم بصوتها المترع الحنون: "الحرب اللعينة لحست عقولكم.. ثم ما هذا الغناء الفاحش؟.. أصبحتم مجانين.. لا تراعون حتى حرمة الطريق.. وامرأة في مثل سنّي!... احمدوا الله أن عاد بكم سالمين". لكنَّ واحداً منهم... (واحد فقط.... مازال يرتدي بزّته؟.. و يتوكأ على عصا مقوسة و مصنوعة من خشب السنط المتين).. قد ربت ذات مساء بعيد على كتفها..... وقال:

- "ليس هناك..
سوى الانتظار..
يا خالة".

هناك، أسفل عامود النور، حيث كان يتمايل في وقفته بُعيد قدميها الواهنتين، وقفت تتأمّل آثار السنط المتناثرة في غير مكان... كانت تقاوم. تنحني على نفسها. تغالب سقوط دمعة بدت قريبة إلى درجة الإعياء والتشظي. أخيراً رفعت رأسها. ونظرتْ ناحيته. "لقد اختفى"!… لم يعد له من وجود!. أجل، لم تره قبلها، وهو يوغل ولا بد في قلب العتمة بساق واحدة. "المسكين"، قالت. ثم استدارت عائدة في هدوء. كان صدى كلماته الأخيرة لا يزال يرن داخل أذنيها المسحوبتين للوراء:

- "ليس هناك..
سوى الانتظار..
يا خالة".

منذ تلك اللحظة، لم تعد تغضب من مرح الجنود العائدين. "المساكين.. لقد واجهوا الأمور الصعبة هناك.. ثم ما عيب الغناء يا ولدي؟. لو أن قريبي القائد الهمام المظفر.. ذهب إلى هناك ليوم واحد.. (تضحك).. لكن صاحب الكرش السمين.. لا يذهب. يشرب الماء البارد فقط.... ويتثاءب".

كنت، أثناء غيابها، أعيد قراءة الصحيفة. وفي الوقت نفسه، أستمع لما يردده المذيعون عادة على رءوس الساعات: "هذا.. وما زالت قوات المشاة الباسلة تمشّط المناطق المتاخمة للحدود الجنوبية.. بحثاً عن فلول المتمردين الهاربة. هذا.. وسنذيع عليكم تفاصيل عمليات "سيف العبور" عقب انتهاء هذه النشرة الإخبارية، مباشرة". هكذا، كنت أنقل إليها البشائر.. "بشائر النصر المبين".. متطلعا من آن إلى آن إلى بريق عينيها الغائب منذ أمد بعيد. لكنها، لدهشتي الشديدة، كانت تُغير مجرى الحديث.. لتغرق نفسها في تفاصيل الاحتفال الذي ستقيمه بمناسبة العودة. لقد خططتْ وأعدت وهيّأت نفسها لكل شيء، عدا شيء واحد، ظلّ قابعاً هناك، في مساحة الصمت الكثيف الماثل بيننا أحياناً. شيء لا يريد كلانا النطق به. كانت تقول: "ماذا لو أقمنا (يا ولدي) ليلة عُرسه في ليلة عودته الميمونة نفسها؟. قل لي (يا ولدي) ألا يكون ذلك جميلاً؟، ما رأيك"؟.

كنت أوميء برأسي موافقاً.

وكان، حين تغلق على أمل عودته جفون عينيها المتعبتين، يعنُّ لي هذا السؤال: "أيعود أخي الليلةَ.. من رحى الحرب الأهلية.. البعيدة.. الدائرة هناك.. ويطرق.. كعادته.. باب غرفتي المكدسة بالأوراق.. أم سيظل.. قبالة صورة أبي.. مُعلقاً على جدار الصَّالة، مثل نورِ نافذةٍ مشرعة بطابقٍ معتمٍ آخرَ الليل"؟.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1286

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1359336 [سوداني]
5.00/5 (1 صوت)

10-24-2015 03:37 AM
【هناك، أسفل عامود النور، حيث كان يتمايل في وقفته بُعيد قدميها الواهنتين، وقفت تتأمّل آثار السنط المتناثرة في غير مكان... كانت تقاوم. تنحني على نفسها. تغالب سقوط دمعة بدت قريبة إلى درجة الإعياء والتشظي. أخيراً رفعت رأسها. ونظرتْ ناحيته. "لقد اختفى"!】

يبدو ان ل "موتيف" عمود النور علاقة حميمة في العقل والشعور البشري (الحديث علي الاقل) كرمز امل لعودة المحاربين سالمين من الحروب. واشهر اغنية في الحرب العالمية الثانية بين جنود النازية والحلفاء علي السواء (نصها ادناه) تتحدث عن عمود نور خارج الحامية كان يوما ما محل لقاء المحارب وحبيبتة، وعن الشوق الي ان يتكرر ذلك اللقاء!

اسم الاغنية (والتي تغنت بها مغنية سويدية مشهورة) "ليلي مارلين"




Lili Marlene

Right next to the barracks by the main gate
there stood a lantern and stands there up to date
We're going to meet there again
Next to the lantern we will remain
Like then, Lili Marlene
Like then, Lili Marlene

Our casted shadows appearing as one
and the love we had, clear to everyone
and to all people that was quite plain
when by the lantern we were stayin'
Like then, Lili Marlene
Like then, Lili Marlene

Already says the sentry, lights-out's being called
that can cost you three days, comrad let's not get stalled
We said goodnight right there and then
How I would love be with you again
With you, Lili Marlene
With you, Lili Marlene

It knows your nice walking, as you come along
every night it's burning, but it forgot me long
And if it comes and I'll be slain
Who by the lantern will be coming then
With you, Lili Marlene
With you, Lili Marlene

Off the lands of silence, off the earthly ground
in a dream it lifts me, your kiss leaves me astound
When the mist of night swirls into reign
There by the lantern I will be again
Like then, Lili Marlene
Like then, Lili Marlene

[سوداني]

ردود على سوداني
[عبدالحميد البرنس] 10-24-2015 10:13 AM
الدهشة لدى أرسطو هي مفتاح المعرفة. وأنا تدهشني غالبا قدرة (سوداني)، في النفاذ إلى جوهر الأشياء، سواء تعلق الأمر بنصوصي أم نصوص أخرى كتبها آخرون، كمثالي الساردين المدهشين كذلك صديق الحلو وأحمد الملك، فله التحية والتقدير، على ما يدفع به هنا وهناك من نقد موضوعي يسنده عمق معرفي وقراءة ذكية,


عبدالحميد البرنس
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة